تشن دولتان من القوى المحورية في الشرق الأوسط صراعاً مريراً، من أجل بسط النفوذ في غزة، مقدِّمتين مسارات مختلفة اختلافاً جذرياً لأزمة قطاع غزة المحاصر، بحسب موقع Al-Monitor الأمريكي.
من ناحيتها، تُعمِّق إيران علاقتها بحماس بشكل مستمر، وهو الأمر الذي قد يدفع باتجاه احتمالات اندلاع مواجهةٍ عسكرية ثانية مع إسرائيل، وذلك بهدف إكمال التهديدات التي يفرضها حلفاء إيران، ممثَّلين في حزب الله في جنوبي لبنان وسوريا في الشمال.
هذه العلاقة القوية بين حماس وطهران قد تُعرِّض الهدنة الصعبة بين حماس وإسرائيل، التي بدأت منذ أكتوبر/تشرين الأول 2018، لخطر الانهيار.
مصر تحاول بسط نفوذها من خلال الحفاظ على التهدئة
أما مصر، الدولة المجاورة لغزة، فإنها تُقدم طريقاً بديلاً أكثر عملية، إذ تقود القاهرة حملةً دبلوماسية لعقد مصالحةٍ بين حماس، التي تحكم قطاع غزة، والسلطة الفلسطينية، التي تشرف على الضفة الغربية وتدَّعي أحقيتها في حكم غزة.
كما تتواصل مصر أيضاً مع إسرائيل لمنع مواجهةٍ عسكريةٍ أخرى، وذلك بعد أن قتلت إسرائيل عضواً من حركة حماس بداية هذا الشهر، يوليو/تموز.
يرى الموقع الأمريكي أن علي خامنئي، المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية، وقادة حماس يتفقون في كل شيء، ففي الأسبوع الماضي، استقبل خامنئي وفداً رفيع المستوى من قادة حركة حماس، واتَّسمت الأجواء العامة للقاء بالدفء والود.
قال خامنئي إن القضية الفلسطينية “مسألةٌ دينية”، و “هي أول وأهم قضية بالنسبة للعالم الإسلامي”، وإن إيران لم تتردد يوماً في دعمها للمقاومة الفلسطينية.
وردَّ صالح العاروري، نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، مؤكداً أن “أي عمل عدواني ضد إيران هو بالفعل عملٌ عدواني ضد فلسطين وحركة المقاومة، وأننا نعتبر أنفسنا في مقدمة الداعمين لإيران”.
لكن هل هذه هي حقيقة الأمر أم أنه ليس كما يبدو ظاهرياً؟
كتب الصحفي الإسرائيلي شلومي إلدار في مقال سابق بموقع Al Monitor: “ربما تكون الكلمات مهمةً بالنسبة لحماس في وضعها الحالي، حتى وإن لم تكن لها علاقة بالواقع”.
فقد قطعت حماس علاقاتها مع سوريا، وهي حليفٌ مقرب لإيران، في 2012، عندما اندلعت الثورة السورية ضد النظام. وتسبب هذا القرار في اضطراب العلاقات بين حماس وطهران، التي لم تنقطع تماماً يوماً ما.
في عام 2017 بدأت حماس في إعادة النظر في نهجها في التعامل مع إيران، إذن تراهن الأخيرة على يأس وإحباط الفلسطينيين اليوم، وخاصةً في غزة، لكي تضمّ حماس أكثر إلى معسكر “المقاومة” ضد إسرائيل.
يتميَّز نفوذ إيران في القضية الفلسطينية بنهجها القائم على المواجهات لا المساومات. وهذا النهج الأكثر تشدداً تجاه إسرائيل يحظى بتأييد شعبي، خاصةً في غزة.
ويعكس استطلاع رأي حديث أن قطاعاً واسعاً من الفلسطينيين يشعرون أن الدول العربية تخلَّت عنهم، ويشعرون بالمرارة تجاه مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام.
وظلَّت إيران ثابتةً على خطابها الداعم للفلسطينيين، واستهجان مبادرة الولايات المتحدة للسلام، واستعدادها لإرسال المال والسلاح، بما فيها الصواريخ والقطع الملحقة بها، إلى حماس وفصائل الجهاد الإسلامي.
لكن الاقتراب أكثر من إيران يحمل في طيَّاته مخاطرَ كثيرة، إذ تعتبر إسرائيل والولايات المتحدة حماس والجهاد الإسلامي جماعات إرهابية. ومن المستبعد أن تفكِّر إسرائيل في اتخاذ خطواتٍ لتخفيف الأوضاع المتأزمة في قطاع غزة إذا طوَّرت حماس علاقتها بإيران إلى مستوى آخر. وأيضاً، فالتحالف مع إيران سيُعمِّق فقط عزلة حماس بين الدول العربية الأخرى. إذ كثَّفت السعودية، على الأخص، حملتَها ضدَّ قادة حركة حماس.
وقال محمود مرداوي، عضو مكتب العلاقات الوطنية في حركة حماس، لعدنان أبو عامر، الكاتب في موقع Al-Monitor، ربما في محاولةٍ محتملة للتغطية على لقاء طهران: “تدعم إيران حماس، لكنها لا تسعى للحصول على مساعدة من الحركة في صراعها مع الولايات المتحدة رغم موقف حماس الداعم لها”.
إيران تحظى بجاذبيةٍ حتى مع السلطة الفلسطينية
على صعيد السلطة الفلسطينية، يسعى الرئيس محمود عباس أبو مازن أيضاً إلى كسب حلفاءٍ جدد وتمويلٍ، ويشمل هذا الحصول على دعمٍ من العراق، مثلما نشر داود كتاب، ومن الكويت، مثلما يوضح أبو عامر، خاصة بعد أن قاطع كل من العراق والكويت ورشة “السلام من أجل الرخاء”، وهي فعالية رعتها الولايات المتحدة في يونيو/حزيران، وبالطبع قاطعتها إيران أيضاً.
وكتب أبو عامر في مقال سابق أنَّ زيارة نبيل شعث، مستشار عباس للعلاقات الخارجية، ورئيس دائرة شؤون اللاجئين التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، إلى بغداد في الفترة من 23 إلى 27 يونيو/حزيران، تحمل أيضاً بعض الرسائل إلى إيران.
وقال شعث في بغداد: “الفلسطينيون ليست لديهم مشكلة مع إيران، إذ إنها كانت تدعم دوماً النضال الفلسطيني. نسعى إلى تقوية علاقاتنا مع طهران، ولا نعتبرها عدواً لنا، العدو هو إسرائيل، لكننا لا نتدخل في الخلافات العربية الإيرانية”.
قد لا يعكس هذا الكلام أيضاً واقع الأمر بدرجةٍ كبيرة. بالطبع، علاقة السلطة الفلسطينية مع إسرائيل في وضعٍ متدنٍ، وهناك خلافات بينها وبين الداعمين الدوليين والعرب. لكن إيران تبدو، في نهاية المطاف، حليفاً بعيد الاحتمال بالنسبة للسلطة الفلسطينية.
ربما يكون الهدف وراء رسالة شعث هي الحفاظ على العلاقات الخارجية للسلطة الفلسطينية جيدةً في العموم، وخاصةً عندما يكون في العراق، وربما إضعاف مساعي حماس لتقوية علاقتها بإيران. لكن رسائل شعث تشير أيضاً إلى مدى تدهور أزمة الدبلوماسية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة.
تسعى مصر إلى تولي زمام المبادرة الدبلوماسية
على الجانب الآخر، يبذل المسؤولون الدبلوماسيون في نظام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الذي مدّد حالة الطوارئ في أنحاء البلاد، والمرتبطة بالتهديدات الأمنية في شمال سيناء، مجهوداً كبيراً لعقد مصالحةٍ بين حماس والسلطة الفلسطينية، وتخفيف معاناة سكان غزة تحت الحصار.
وقال مصدر مصري في تصريحات سابقة لرشا أبو جلال، الكاتبة الصحفية لدى موقع Al Monitor، إن الخطة المصرية تشمل أن تنقل حماس سلطة غزة إلى السلطة الفلسطينية، بعد تشكيل حكومةٍ وطنية تشمل حماس والفصائل الأخرى، وعقد انتخابات، وأن تتولى السلطة الفلسطينية، باعتبارها سلطةً حاكمة، مسؤولية دفع رواتب الموظفين الحكوميين واستعادة الكهرباء والخدمات الأساسية الأخرى.
وستكون هذه خطوةً كبيرة، نظراً إلى أن غزة تخضع لحصار إسرائيل ومصر منذ 2007، عندما تولَّت حماس سلطة إدارة القطاع من قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية.
واستنتجت رشا أن “الشعب الفلسطيني لا يبدو منشغلاً كثيراً بجهود المصالحة هذه، ربما لأنه شهد فشل العديد من هذه الجهود في الماضي، لكنه ينتظر بفارغ الصبر أن تُعقد مصالحةٌ حقيقية بين حركتي حماس وفتح، لوضع حد لعصرٍ مظلم”.
سعى المبعوثون المصريون أيضاً إلى منع التصعيد العسكري بسبب قتل إسرائيل لعضوٍ في حركة حماس، في 11 يوليو/تموز الماضي، على الحدود بين إسرائيل وغزة. وصرَّحت إسرائيل بأن القتل حدث بطريق الخطأ، وتُحاول مصر منع أي تصعيد، بينما تسعى إلى تحويل هذه الأزمة إلى فرصةٍ.
وفقاً لما كتبه الصحفي الفلسطيني أحمد أبو عامر سابقاً: “منحت إسرائيل الوفد المصري العديد من الحوافز الاقتصادية، منها تسهيل دخول مواد وأدوات البناء الضرورية لبناء مستشفى في شمالي غزة، والسماح بدخول التمويل القطري لبناء منطقة صناعية في شرقي غزة، وتسريع تدشين خط الكهرباء القادم من إسرائيل إلى قطاع غزة”.
ويوضح إلدار وعدنان أبو عمار، أن ذهاب العاروري بدلاً من هنية للقاء خامنئي في طهران كان بسبب مصر. إذ كان هنية يأمل في قيادة جولةٍ لجمع أموال في إيران، وتركيا، وقطر، وهي دول تدرج جميعها على القائمة السوداء لمصر.
لكن مصر منعت هنية من مغادرة غزة، لذا أُوكلت المهمة إلى العاروري المقيم في بيروت.
الحدّ من نفوذ القوى الهامشية حيث يزدهر النفوذ الإيراني
ظلَّت القضية الفلسطينية حجراً رئيسياً في الخطاب الإيراني منذ اندلاع الثورة الإسلامية الإيرانية، لكن نفوذ طهران تركز فقط بين الفصائل الفلسطينية، ممثلة بشكل أساسي بحركتي حماس والجهاد الإسلامي، ولم تستطع أن تحقق خرقاً على مستوى السلطة الفلسطينية.
تريد مصر وإسرائيل والغرب الحدَّ من نفوذ تلك القوى التي تدعمها إيران، لا توسيع وجودها. ويتطلب فعل هذا الحصولَ على دعم للجهود الدبلوماسية التي تسعى إلى تخفيف معاناة شعب غزة. وإلا، سيظل الطريق إلى طهران مفتوحاً.