سمعنا عن انسحاب أمريكا من معاهدة القوى النووية، لكننا لا نعرف قصتها.. إليك 5 أمور عليك فهمها

أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، الجمعة الماضي 2 أغسطس/آب 2019، انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة القوى النووية متوسط المدى، مما أثار التساؤلات عن دلالة هذه الخطوة وما الذي تعنيه؟

إليكم خمسة أمور ينبغي التفكير بشأنها ترتبط بهذا الانسحاب، بحسب تقرير لصحيفة The Washington Post الأمريكية.

1. ما هي معاهدة القوى النووية متوسطة المدى؟

وُقّعت معاهدة القوى النووية متوسطة المدى في ديسمبر/كانون الأول عام 1987 من قبل الرئيس دونالد ريغان والسكرتير العام للحزب السوفيتي ميخائيل غورباتشوف. وهي تمنع الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي من امتلاك، واختبار، ونشر صواريخ جوّالة (كروز) التي تطلق من الأرض والصواريخ الباليستية التي يتراوح مداها بين 300 و3,400 ميل.

وبموجب المعاهدة، دمّرت واشنطن وموسكو 846 و1,846 صاروخاً، على الترتيب. وبالنظر إلى نطاقها المحدود نسبياً، نجد أن تلك الأنظمة صممت بشكل رئيسي لخوض حرب نووية في أوروبا. أوقات الطيران القصيرة وأنماط الطيران غير المتوقعة جعلت من الصعب رصد هذه الصواريخ، لذا رأى استراتيجيون أن هذه الأنظمة تفاقم أزمة عدم الاستقرار وتزيد من احتمالات نشوب حرب نووية بشكل عرضي. لذا، اعتبرت الدول الأوروبية أن تدمير هذه الصواريخ أمر مهم ومفيد لأمنها الإقليمي، بحسب الصحيفة الأمريكية.

وبالرغم من اسمها، تغطي معاهدة القوى النووية متوسطة المدى كل أنواع صواريخ كروز والصواريخ الباليستية التي تطلق من الأرض، سواء كانت حمولتها عادية أو نووية. وتُمنع موسكو وواشنطن من نشر تلك الصواريخ في أي مكان في العالم، وليس في أوروبا فقط. ولكن المعاهدة لا تغطي إلا الأنظمة التي تطلق من الأرض فقط. ويتمتع كلا الطرفين بحرية نشر الصواريخ التي تطلق جواً أو بحراً بنطاق 300 إلى 3,400 ميل.

2. هل انتهكت روسيا المعاهدة؟

أعلنت وزارة الخارجية أولاً أن موسكو انتهكت المعاهدة في يوليو/تموز 2014. وحدد وقتها مسؤولون أمريكيون صاروخ كروز 9M729  باعتباره مصدر قلقهم الرئيسي. وقال دانيل كوتس، رئيس الاستخبارات الوطنية وقتها، للمراسلين مؤخراً، إن روسيا اختبرت الصاروخ 9M729 بطريقة “بدت مصممة بشكل مقصود للتمويه على الطبيعة الحقيقية لنشاطهم التجريبي” . ولم تصدر الولايات المتحدة أي تقديرات، ولكن يعتقد محللون عسكريون أن نطاق الصاروخ يصل إلى حوالي 1,250 ميل.

في فبراير/شباط 2017، قال مسؤولون أمريكيون إنهم يعتقدون أن روسيا نشرت النظام عمليّاً. واتبعت الولايات المتحدة نهجاً سياسياً قوياً، بما في ذلك فرض العقوبات، للضغط على موسكو من أجل الامتثال للمعاهدة مجدداً.

وأنكرت موسكو انتهاكها للمعاهدة، وطالبت برؤية أدلة على ذلك، وردّت بقائمتها الخاصة للمخالفات الأمريكية المزعومة، فضلاً عن عرضها أنبوب الإطلاق العمودي الذي تزعم الولايات المتحدة أنه للطراز 9M729. ولكنها مع ذلك لم تقدّم دحضاً جوهرياً لمزاعم الولايات المتحدة.

منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث خلال لقائه مع رؤساء منتدى أخبار بطرسبرغ الاقتصادي الدولي في سانت لويس بطرسبرغ بروسيا (رويترز)

ولم تنشر الولايات المتحدة الاستخبارات الداعمة لاتهاماتها، لذا، يستحيل التحقق بشكل كامل من مزاعم المسؤولين. ومع ذلك، كلما تعمقت معرفة الدول الأعضاء لحلف الناتو، أصبح موقفهم أكثر توافقاً مع موقف واشنطن. وفي قمة يوليو/تموز 2018، أعلن قادة حلف الناتو أن انتهاك روسيا للمعاهدة هو “التقييم الأكثر منطقية” وفقاً للأدلة المتاحة.

3. ما هو موقف الصين؟

خلال إعلانه عن خطط الانسحاب في أكتوبر/تشرين الأول 2018، انتقد ترامب معاهدة القوى النووية متوسطة المدى بسبب عدم فرض شروطها على القوات الصينية. الصين ليست ملزمة بمعاهدة القوى النووية متوسطة المدى، واستغلّت ذلك لنشر الصواريخ متوسطة المدى بأعداد هائلة. ويقدّر هاري هاريس، السفير الأمريكي في كوريا الجنوبية والرئيس السابق للقيادة الأمريكية في المحيط الهادي، أن الأنظمة متوسطة المدى تمثّل ما يصل إلى “حوالي 95%” من إجمالي قوة الصواريخ لدى جيش التحرير الشعبي الصيني.

ويرى بعض المراقبين أن معاهدة القوى النووية متوسطة المدى كانت مجرد مفارقة تاريخية “أوروبية المركز”، لم تأخذ في اعتبارها التوازن العسكري الأمريكي الصيني، الذي أصبح يحظى بأهمية متزايدة في الحسابات الاستراتيجية. وستكون تكلفة نشر أنظمة أرضية في آسيا أرخص كثيراً بالنسبة للولايات المتحدة عن نشرها على قواعد بحرية أو جوية صغيرة وباهظة التكلفة.

ومع ذلك، تمتلك واشنطن عدداً من القواعد في المحيط الهادي حيث يمكنها وضع صواريخ أرضية في نطاق الصين، دون الحصول على موافقة الحلفاء. السؤال هو إن كانت اليابان، أو كوريا الجنوبية أو أستراليا قد ترغب في استضافة مثل هذه الأنظمة.

4. ما هي الآثار العسكرية المترتبة على الانسحاب؟

وبحسب الصحيفة الأمريكية، لا تمتلك الولايات المتحدة أنظمة تشغيلية مشابهة للصواريخ الروسية، ولكن هناك عدد منها قيد التنفيذ. سوف يستغرق نشر الإصدار الأرضي من صاروخ كروز طراز “Tomahawk” حوالي 18 شهراً، بينما يحتاج تطوير الصاروخ الباليستي متوسط المدى إلى خمس سنوات على الأقل. وتجهّز الولايات المتحدة اختبارات لصاروخ Precision Strike الجديد، الذي سيكون في نطاق معاهدة القوى النووية متوسطة المدى، ولكنه لن يكون جاهزاً قبل عام 2023.

موسكو في موقف مغاير تماماً، حيث يمكنها توسيع نطاق نشر صواريخها بسرعة، وتعمل موسكو على نشر الصواريخ من طراز  9M729 بوتيرة بطيئة لكن ثابتة. ويمكن لروسيا، بعد تحريرها من التزاماتها الرسمية بموجب المعاهدة، نشر وحداتها بسرعة أكبر.

كما يمكن لروسيا أيضاً إعادة تصنيف الصاروخ  RS-26 “Rubezh”، النظام التجريبي الذي اختُبر على نطاق يفوق ما تفرضه معاهدة القوى النووية متوسطة المدى، ولكي تتجنب انتهاك المعاهدة، وصف مسؤولون روسيون في السابق نظام  RS-26 بالصاروخ الباليستي العابر للقارات. ولكنه قد يُشكّل أساساً لصواريخ ذات نطاق أقصر إذا رغبت موسكو في تعزيز ترسانتها من القوى النووية متوسطة المدى، دون أن تخضع بذلك لاتفاقية ستارت الجديدة الأمريكية الروسية المُنظّمة لأنظمة الصواريخ طويلة المدى.

5. ما هي الآثار الدبلوماسية المترتبة على الانسحاب؟

قضية انسحاب القوى النووية متوسطة المدى مثيرة للجدل بين حلفاء الولايات المتحدة، وتزيد من حدة توتر حلف الناتو في وقت عصيب تشهده العلاقات العابرة للأطلسي. وكان حلف الناتو يفضّل سياسة تدفع موسكو للامتثال مجدداً للاتفاقية.  وتعهدت موسكو بالرد على إلغاء معاهدة القوى النووية متوسطة المدى، ولكن تظل طبيعة هذا الرد غير مؤكدة.

دقيقة صمت لموظفون في الأمم المتحدة حداداً على ضحايا الطائرة المنكوبة
دقيقة صمت لموظفون في الأمم المتحدة حداداً على ضحايا الطائرة المنكوبة

من غير المرجح أن توافق الدول الأعضاء لحلف الناتو على استضافة أنظمة صواريخ أمريكية متوسطة المدة على أراضيها، الخطوة التي يتخوف البعض من أن تؤدي إلى سباق تسلّح جديد في أوروبا. وكان وزير الخارجية الألماني هايكو ماس أكثر الأصوات المعارضة للانتشار الجديد للأنظمة الصاروخية، بينما بولندا، التي تتخذ مواقف أكثر تشدداً تجاه روسيا بشكل تقليدي، ذكرت أن أي خطوة من هذا القبيل ينبغي أن تتطلب إجماعاً داخل التحالف.

ومن المحتمل ألا يؤدي الانسحاب إلى إبرام اتفاقية جديدة بشأن القوى النووية متوسطة المدى بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، إذ رفضت الصين العرض الأمريكي بإجراء مباحثات ثلاثية بشأن الحد من التسليح. وسوف تشارك موسكو وواشنطن في مباحثات الاستقرار الإستراتيجي هذا العام، ولكن لم تظهر أي أمور جوهرية حتى الآن.

ويؤدي انهيار معاهدة القوى النووية متوسطة المدى إلى جعل معاهدة ستارت الجديدة، التي تنظم انتشار الأسلحة الاستراتيجية، هي الاتفاقية الوحيدة القائمة بين الولايات المتحدة وروسيا التي تتناول الحد من الأسلحة النووية. ولكن التعليقات الأخيرة لجون بولتون، مستشار الأمن القومي، تنتقد اتفاقية “ستارت الجديدة” وتصفها بـ “المعيبة من البداية” . مما يشير إلى أنه من غير المرجح أن تمددها إدارة ترامب إلى ما بعد انتهاء تاريخ صلاحيتها في عام 2021. وفي غياب أي اتفاقيات جديدة، سوف يوشك عهد الحد من التسلح النووي الأمريكي الروسي، الذي دام خمسة عقود، على الانتهاء.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top