استبداد داخلي وخارجي.. كيف غير الرئيس الصيني مسار الديمقراطية في البلاد في سنوات

مع بداية الإصلاحات الاقتصادية في الصين في أواخر سبعينيات القرن الماضي، ترسخ اعتقاد سائد في الأذهان في الولايات المتحدة وفي جميع أنحاء العالم الغربي بأن إقامة علاقات اقتصادية قوية مع الصين الجديدة ستؤدي إلى تحرر وانفتاح السياسة تحرراً تدريجياً. 

واستمر هذا الاعتقاد حتى بعد القمع الدموي، الذي ارتكبته الحكومة الشيوعية في يونيو/حزيران من عام 1989، ضد المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية في ميدان تيانانمن؛ وقد خلص معظم مؤيدي زيادة الارتباط الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي مع بكين إلى أن المذبحة، رغم مأساويتها، كانت مجرد فترة يؤسف لها في مسيرة عملية التحرر طويلة الأجل.

وعبر كذلك روبرت زوليك، نائب وزير الخارجية في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، عن توقعه العام بأن تصبح الصين الأكثر انفتاحاً “شريكاً مسؤولاً” في النظام الدولي، بحسب تقرير لمجلة The National Interest الأمريكية.

حكم الرئيس تشي الذي غير الوضع القائم

لكن التطورات التي طرأت على المشهد في السنوات الأخيرة أثارت شكوكاً حول هذا الافتراض. ففي عهد الرئيس شي جين بينغ، صارت الصين أكثر استبدادية داخل البلاد من ذي قبل بدرجة ملحوظة، وليس العكس. فقد اتسمت رئاسته بالإصرار على أن جميع من في منصب المسؤولية عليه تكريس حياته بمنتهى الجدية لدراسة مذهب ماركس ولينين والتمسك بهما. وقد أجرى عملية تطهير ممنهجة لأعضاء الحزب البارزين باسم مكافحة الفساد. مع أن ذلك بدا تبريراً منطقياً في بعض الحالات، نظراً لمستوى الفساد الذي تطور مع النمو الاقتصادي فائق السرعة في الصين، استخدمه شي في حالات أخرى على ما يبدو ذريعة للتخلص من منافسيه على المستوى الشخصي والإيديولوجي. 

الرئيس الصيني /رويترز
الرئيس الصيني /رويترز

لم يكن هناك شك في أنه مصمم على تعزيز وإدامة دوره في الهيمنة على الوضع. مع أن الصين ظلت دولة الحزب الواحد حتى بعد زوال الحكم الشمولي للزعيم الشيوعي ماو تسي تونغ، صارت الإصلاحات السياسية الضمنية عائقاً أمام حكم الفرد الواحد. كان الإجراء الذي حسم الأمر تماماً هو تحديد مدد الولاية لمنصب الرئيس القوي. قضى شي وأتباعه على هذا القيد في عام 2018، مما مكنه من شغل المنصب إلى أجل غير مسمى.

 وبحسب المجلة الأمريكية رافقت مجموعة من السياسات الاستبدادية نمو وإدامة السلطة الشخصية لشي. ويستخدم نظام “الائتمان الاجتماعي” الحكومي “الأورويلي” في تقييد حرية السفر والحقوق الأخرى التي يتمتع بها النقاد الفعليون أو المحتملون. لذا فإن الاقتصاديين الليبراليين البارزين، الذين كانوا يتمتعون في يوم من الأيام بمحاباة بكين لهم أو على الأقل التسامح معهم، صاروا أهدافاً لحملات المضايقة المتواصلة. إذ أن المتفائلين حد الهوس أو من يتعمدون التعامي هم من يجادلون بأن الصين اليوم أكثر تسامحاً وانفتاحاً مما كانت عليه قبل عقد من الزمان. ويسير الاتجاه السائد نحو مزيد من القمع والنظم الصارمة، وليس مزيد من التحرر.

السلوك القاسي للصين

تُظهر سياسة بكين الخارجية نمطاً مماثلاً مثيراً للقلق. فمع توسعها في بناء قوتها العسكرية، صار سلوك الصين أقل ليناً وتسامحاً بشكل ملحوظ، إن لم تكن قد أصبحت عدوانية، في مناطق، مثل: بحر الصين الشرقي ومضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي. وفي بحر الصين الشرقي، تزاحم بكين اليابان في الهيمنة على جزر سينكاكو وتنادي بأحقيتها في هذه الأراضي. فضلاً عن نبرة الفخر الوطني، يعكس ضغط الصين رغبتها في السيطرة على موارد الصيد الواسعة، والثروة النفطية والمعدنية المحتملة في المياه المحيطة بجزر سينكاكو غير المأهولة.

ويتجلى عداء بكين تجلياً أوضح في تعاملها بشأن مضيق تايوان. فقد تباهى مسؤول صيني رفيع يدعى ليو جونتشوان بأن “التباين في القوة التسليحية عبر مضيق تايوان سوف يتسع أكثر فأكثر، وستكون لنا الأفضلية كاملة على تايوان من حيث الاستراتيجية الساحقة”. في 1 يونيو/حزيران  2019، في محادثات شانغريلا، وهو المؤتمر السنوي متعدد الأطراف حول قضايا أمن المحيط الهادئ، حذر وزير الدفاع وي فنغ في حديثه من الجهود المبذولة سواء في تايوان أو الدول الأجنبية من أجل إحباط هدف الصين في إعادة تايوان إلى بيتها الكبير. وأضاف وي محذّراً: “إذا تجرأ أحد على فصل تايوان عن الصين، فلن يكون أمام الجيش الصيني خيار سوى القتال مهما كلف الأمر، من أجل وحدة التراب الوطني”، بحسب المجلة الأمريكية.

الرئيس الأمريكي مع نظيره الصيني شي جين بينغ.

وبالإضافة إلى أنشطتها العسكرية المتسارعة في مضيق تايوان، ترد الصين بعدوانية شديدة على عبور السفن البحرية القادمة من أي بلد آخر. وقد وجَّهت بكين أشد احتجاجاتها غضباً إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتمريرها سفناً بحرية في المضيق. غير أن المسؤولين الصينيين أبدوا عدم تسامح مماثلاً مع بعض القوى الأخرى. فعندما أبحرت سفينة بحرية فرنسية عبر المضيق، ردت بكين باحتجاج لاذع. إذ من الثابت أن القادة الصينيين لا يعدون تايوان جزءاً من الصين وحسب؛ بل ويعدون المضيق بأكمله مياهاً إقليمية صينية.

وثمة علامات كثيرة أيضاً على وجود سياسات صينية أكثر حزماً وصلابة تجاه بحر الصين الجنوبي. فقد أصبحت احتجاجات الصين على دوريات “حرية الملاحة” الأمريكية حادة بشكل متزايد، بل وأصبحت السفن الحربية الصينية تتبع وتتحرش بالسفن الأمريكية. وتوجد تهديدات مقلقة من الهيكل الهرمي العسكري الصيني بتصعيد سياسات المواجهة.

استبداد دولي ومحلي!

وبحسب المجلة الأمريكية يتجلى مزيج نزعات بكين الاستبدادية على الصعيدين المحلي والعالمي في سياسة الحكومة تجاه هونغ كونغ. فعندما استعادت جمهورية الصين الشعبية السيادة على هونغ كونغ من بريطانيا في عام 1997، أكد المسؤولون الصينيون للمقيمين بها أنهم سوف ينعمون بحكمٍ ذاتي واسع. وصنف القانون هونغ كونغ بأنها “منطقة إدارية خاصة” للتشديد على استقلاليتها الفريدة. وبذلك، تتخذ بكين القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية والأمن القومي. ولكن في أغلبية المواضيع الأخرى، يدير شعب هونغ كونغ شؤونه بذاته.

لسوء الحظ، ازدادت وتيرة تآكل هذا الحكم الذاتي بفعل الحكومة الصينية في السنوات الأخيرة. وعندما اقترحت بكين والرئيس التنفيذي المعين منها في هونغ كونغ اتفاقية لتسليم المجرمين من شأنها أن تمنح تفوقاً هائلاً لجمهورية الصين الشعبية على النظام القضائي المستقل ظاهرياً في هونغ كونغ، اشتعلت احتجاجات ضخمة غاضبة. بعد ذلك، سحب كاري لامن، الرئيس التنفيذي، المقترح. غير أن الاحتجاجات المناهضة للحكومة استمرت وازداد حجمها وحدتها.

الرئيس الصيني مع عدد من الرؤساء الأفارفة في منتدى التعاون الصيني الإفريقي في بكين 2018/REUTERS

تشير بكين إلى رد فعلها المرجح إذا استمر هذا السلوك القائم على التحدي. إذ حذر مسؤول في وزارة الدفاع من أن المتظاهرين صاروا يتحدون سلطة الحكومة المركزية ومبدأ “دولة واحدة ونظاما حكم”؛ وهو الأساس القانوني لاستقلال هونغ كونغ. وأضافت قيادة الجيش صيني أنه من الممكن إرسال قوات عسكرية إلى هونغ كونغ للحفاظ على النظام إذا طلبت حكومة المدينة ذلك، مضيفةً أن حصار مفوضية الحكومة المركزية في المدينة في 21 يوليو/تموز كان “لا يُحتمل”. ويجب أن يأتي مثل هذا “الطلب” من الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ المعين من بكين.

لم يكن ذلك التحذير مجرد نذير. لكن مثل هذا الحملات قد تجذب أخيراً انتباه السياسيين والناقدين وواضعي السياسات في الولايات المتحدة، الذي يصرون حتى هذه اللحظة على وهم أن التعامل مع الصين سيؤدي لا محالة إلى تحرر البلاد سياسياً وأن يكون سلوكها سلوكاً دولياً سلمياً. وصحيحٌ أن زيادة الانفتاح الاقتصادي والتبادل التجاري مع العالم الخارجي قد أنتج تحسينات ملفتة في مستويات الشعب الصيني في المعيشة، وهو تطور مرضٍ. غير أنه يستدعي موقفاً من أعضاء مجتمعات السياسة والسياسة الخارجية في الولايات المتحدة وكافة أرجاء الغرب الديموقراطي لمواجهة حقيقة مفادها أن مثل هذه التقدم لم يؤدِّ لا إلى إصلاحات سياسية في الصين ولا إلى المزيد من السلوك الخارجي المتفاهم من بكين. ففي الواقع، تشير اتجاهات الحالتين إلى الاتجاه المعاكس.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top