لا شك أن الانتخابات الرئاسية التونسية ستمثل هذا العام -ثاني انتخابات حرة منذ ثورة 2011- الاختبار الحقيقي للديمقراطية التونسية وستحدد هيكليتها الديمقراطية.
إذ أجادت الصحافة توثيق استياء الشعب التونسي وخيبة أمله من الحكومة بشنها هجماتٍ وتقارير متناوبةً. ووفقاً لاستقصاءٍ أجراه المعهد الجمهوري الدولي، كان 87% من المشاركين يعتقدون أن البلاد تسلك مسلكاً سياسياً خاطئاً، وقال 49% منهم إنهم “مستاؤون للغاية” من الديمقراطية التونسية.
هل سيدفع الإحباط السياسي التونسيين لعدم الإقبال على انتخابات الرئاسة؟
من جهته قال الأمين بنغازي، مدير مشروع الرقابة التونسية المستقلة على الحكومة والانتخابات “البوصلة”، لموقع Al-Monitor الأمريكي إن البرلمان كان “ضعيفاً”. واستشهد بالعديد من المشكلات من بينها التنظيم، والالتزام، والميزانية اللازمة لتمكين البرلمان من العمل بالشكل اللائق.

ووصف التواصل الضئيل بين النواب وناخبيهم قائلاً إنه ومع وجود القنوات الإلكترونية التي تسمح للناخبين بالتواصل معهم، إلا أنها لا يُعتمد عليها كفايةً. وأشار إلى أن بعض أعضاء البرلمان ناشطون على موقع فيسبوك ويتواصلون مع ناخبيهم بتلك الطريقة، لكن بجهودٍ ذاتيةٍ فقط.
غير أن حسنا بن سليمان، المتحدثة الرسمية باسم اللجنة الانتخابية العليا المستقلة، والمعروفة باسم ISIE، قالت إن هناك ارتفاعاً في أعداد الناخبين المسجلين بلغ 1.5 مليون صوتٍ، ليُصبح إجمالي الناخبين الذين يملكون حق التصويت في الانتخابات القادمة 6.7 مليون ناخبٍ من مجموع 11.5 مليون نسمةٍ. وأضافت أن هذه الأرقام تعني أن تونس نشطةٌ سياسياً بكل تأكيد.
سيل من المرشحين المستقلين
من جهةٍ أخرى قال شاران غروال، الزميل الزائر لمركز دراسات سياسات الشرق الأوسط بمعهد بروكينغز لموقعنا: “لو أن هناك خيبةَ أملٍ سببها الأحزاب والمؤسسة، فأظن أنه لن يوجد ناخبون يتحمسون لأولئك الشعبويون الغرباء، مثل رئيس حزب قلب تونس والمالك السابق لقناة نسمة التلفزيونية التونسية نبيل القروي، أو قيس سعيد، المحامي الذي يترشح مستقلاً”.
غيرت وفاة السبسي ترتيب العمليات، فقد بات الآن موعد الانتخابات الرئاسية يوم 15 سبتمبر/أيلول قُبيل الانتخابات البرلمانية التي ستقع يوم 6 أكتوبر/تشرين الأول القادم. قد يؤثر ذلك التغيير على التصويت في كلا الانتخابين. وحالياً، تُغطي الدراما المحيطة بالانتخابات الرئاسية، بسيل المرشحين الذي يُغرق الساحة على الانتخابات البرلمانية، ولو أن الانتخابات البرلمانية قد تكون أكثر ارتباطاً بالديمقراطية؛ لتمثيلها الناس مباشرةً.
أخبرنا كذلك عياض اللومي، المرشح البرلماني عن دائرة أريانة بإقليم تونس الكبرى عن حزب قلب تونس، أنه يعتقد أن عقد الانتخابات الرئاسية قبل الانتخابات البرلمانية “أمرٌ جيدٌ”، وقال إنه “يتوافق مع الدستور”.
ووفقاً لاستبيانٍ أجرته Emrhod للاستشارات في يوليو/تموز الماضي، فإن حزب قلب تونس المؤسس حديثاً على أساسٍ من الليبرالية الاقتصادية والإصلاح الاجتماعي هو المتصدر بنسبة 20.8% من نسب التأييد، متقدماً على حزب النهضة الإسلامي الديمقراطي، والذي حصل على 8.6% من أصوات المشاركين.
يُذكر أن حزب النهضة قد شكّل ائتلافاً مع حزب نداء تونس بعد انتخابات 2014. وقد تعني إعادة ترتيب الانتخابات أن الفائز بالانتخابات الرئاسية أياً من كان قد يملك السلطة للتأثير على التصويت في الانتخابات البرلمانية ليمتلك أغلبيةً. وقال اللومي: “نحتاج إلى تمثيلٍ قويٍ في البرلمان، إن لم نحصل على الأغلبية. نُريد تشكيل حكومةٍ”.
هل انتهى زمن الأحزاب التقليدية؟
وتستخدم انتخابات البرلمان التونسية وانتخابات المحليات نظاماً من التمثيل المتناسب، حيث يُقدم كل حزبٍ قوائم بمرشحيه، ويصوت الناخبون للحزب نفسه. وقال نبيل بافون، رئيس اللجنة الانتخابية العليا، إنها قد نشرت القوائم النهائية المقبولة يوم الثلاثاء 6 أغسطس/آب الجاري. وقال بافون: “القائمة التي تحوي 1503 قوائم مقبولةً مبدئياً للانتخابات التشريعية مقسمةٌ كالآتي: 673 قائمةً للأحزاب، 312 قائمةً للائتلافات، و518 قائمةً مستقلةً”.
ويتوافق تزايد أعداد المرشحين المستقلين مع ما جرى في انتخابات المحليات العام الماضي.
وربما يمثل ارتفاع أعداد الناخبين، ونشأة أحزابٍ جديدةٍ، وحضور مرشحين مستقلين إشاراتٍ على عصر نهضةٍ محتملٍ في متغيرات الديمقراطية التونسية، وربما نهاية هيمنة الأحزاب العلمانية المحافظة، وبالأخص نداء تونس، وهيمنة حزب النهضة الإسلامي، الذي ذاع سيطه في أعقاب ثورة 2011 التي أطاحت بزين العابدين بن علي.

يقول غروال: “لقد تزايدت أعداد القوائم المستقلة بعد أدائهم في انتخابات المحليات 2018 التي تفوقوا فيها. لذلك فإن الرغبة في المستقلين مفهومةٌ. تلك ظاهرةٌ صحيةٌ لأن المستقلين يمكنهم تقديم وجهات نظرٍ مختلفةٍ”، حسب تعبيره.
يوجد في تونس الآن 221 حزباً سياسياً، وقد شهدت الأحزاب الكبيرة مثل نداء تونس، والجبهة الشعبية انقساماتٍ داخليةً مكونةً كياناتٍ انفصاليةً أصغر، تماماً كحزب تحيا تونس الذي أسسه رئيس الوزراء يوسف شاهد. وسيل المستقلين هذا قد يجعل المشهد السياسي أكثر هشاشةً وأقل تماسكاً. ويتساءل غروال: “هل سيعني ذلك أن يكون البرلمان أكثر انقساماً وأقل فاعليةً؟”، لكنه يُجيب: “أظن أن ذلك مفيدٌ للديمقراطية”.
من جهته أنكر اللومي أن حزب قلب تونس حثّ الناس على التسجيل للتصويت. قال ذلك فيما كان يُعلن إنشاء حزبه يوم 20 يونيو/حزيران قبل بدء تسجيل الناخبين، وقال إن الزيادة في أعداد الناخبين المسجلين كانت عفويةً وطبيعيةً. ووصف الأمر بقوله إنه “دلالةٌ على أن التونسيين يُريدون التغيير. ما الذي كسبوه من الديمقراطية؟ لم يحصلوا إلا على حكومةٍ عقيمةٍ”.
قال بنغازي إن أحد التحديات التي تواجه الديمقراطية في تونس يتمثل في “الآثار الثقافية للنظام الرئاسي”، والتي تعني أن الانتخابات والسياسة التونسية ما زالت تخضع لهيمنة أسماءٍ بارزةٍ بعينها، أغلبهم مشاهير مثل شاهد، مؤسس حزب قلب تونس، ورائد الإعلام نبيل القروي، ومؤسس حزب النهضة راشد الغنوشي، الذي يخوض الانتخابات البرلمانية. وقال إن الحملات الانتخابية ما زالت تتميز بغياب منصات الأحزاب والسياسات الواضحة، على حد وصفه.
تجديد خطابات الأحزاب
وقد أوصى تقريرٌ نُشر الأربعاء 7 أغسطس/آب واشترك في كتابته المعهد الجمهوري الدولي ومعهد الديمقراطية الدولي بأن “الأحزاب السياسية يتوجب عليها تطوير وتقديم رسالةٍ سياسيةٍ واضحةٍ وخوض حملاتٍ تلتزم ببرامج واضحةٍ، بتركيزٍ خاصٍ على كلا الجنسين وعلى الشباب يخاطب أولويات المواطنين التونسيين في رؤية تحسنٍ ملموسٍ في حياتهم اليومية”.
وأشار غروال إلى أن “عقد الانتخابات الرئاسية أولاً قد يجعل سياسة تقديس الأشخاص تلك أسوأ، لكن الآن ستُعقد مناظراتٌ رئاسيةٌ. ولنأمل أن المرشحين الرئاسيين سيبدؤون بالكلام عن السياسة”.
مناظرات سياسية بين المرشحين
وستُعقد مناظراتٌ تلفزيونيةٌ عامةٌ ينقلها التلفاز ستُسمى “تونس تُقرر” وستُديرها مبادرة المناظرة، وفقاً لما قالته مبروكة خضير المتحدثة الرسمية باسم “تونس تقرر”. سيتضمن المشروع 5 مناظراتٍ تلفزيونيةٍ: اثنتان للانتخابات الرئاسية، واثنتان للانتخابات البرلمانية، وحلقةً للمتابعة في أوائل عام 2020 لمتابعة ما إذا كان أولئك المنتخبون يبلون حسناً في مناصبهم أم لا.
وقالت مبروكة: “النقاش العام محطمٌ في العالم العربي.. تلك عقبةٌ رئيسيةٌ تواجه نهضة الديمقراطية وثباتها”. والسؤال الآن هو ما إذا كان التسجيل والدعاية المكثفة والحملات الانتخابية ستترجم إلى أصواتٍ حقيقيةٍ في صندوق الاقتراع أم لا.