هل تخرج «حرب البقاء في المنصب» التي يشنّها نتنياهو في المنطقة عن السيطرة؟

قيام إسرائيل بشن غارات ضد أهداف إيرانية في العراق أو سوريا أو لبنان ليس جديداً، لكن الجديد هذه المرة هو اعتراف بل وتفاخُر رئيس الوزراء ووزير الدفاع بنيامين نتنياهو بتلك الهجمات، فما هي أغراض نتنياهو؟ وهل تتحقق؟ وما هي مخاطر مثل هذه التصرفات في هذا التوقيت؟

موقف متأزِّم في الانتخابات

قيام الساسة في إسرائيل باستخدام ورقة التهديدات الأمنية في موسم الانتخابات التشريعية ليس أمراً جديداً، بل يكاد يكون ورقة ثابتة في أي انتخابات تجريها الدولة العبرية منذ نشأتها في خمسينيات القرن الماضي، ونتنياهو بالقطع ليس استثناء من هذه القاعدة.

موقف نتنياهو -أكثر شخص شغل منصب رئيس وزراء إسرائيل في التاريخ- متأزم بصورة كبيرة هذه المرة، ليس لضعف فرص فوزه في الانتخابات، ولكن بسبب الاتهامات الموجهة إليه بالفساد واستغلال النفوذ وغيرها، وبالتالي تركه للمنصب يعني بنسبة كبيرة للغاية أن يواجه مصيراً مجهولاً.

نتنياهو تباهى بالهجمات التي استهدفت الحشد الشعبي في العراق قائلاً: “لم أكبح جماح نفسي”، محذراً إيران من أنها “لا تتمتع بحصانة في أي مكان”. من كلمات وأفعال نتنياهو يتضح أن إسرائيل قررت أن تزيل من الشرق الأوسط كله أي أسلحة ترى أنها يمكن أن تستخدم لاستهدافها، لكن تعليقات نتنياهو ووزراء حكومته التي يصفون فيها الأمر على أنه حرب حقيقية ضد إيران، تزيد من المخاوف أن إسرائيل تحاول أن تضع أهدافاً طموحة يمكن أن تؤدي لخروج الأمور عن السيطرة، بحسب مقال افتتاحي لصحيفة هآرتس اليوم الإثنين 26 أغسطس/آب.

استنفار عسكري إسرائيلي على الحدود مع سوريا بعيد الهجمات الإسرائيلية على دمشق 25 أغسطس 2019/ أ ف ب

وبحسب تقرير الصحيفة، لا تعتبر تصريحات نتنياهو مفاجأة، حيث إن انتهاج سياسات أمنية تتسم بالعدوانية يعد أمراً مميزاً للسياسات الإسرائيلية في موسم الانتخابات، خصوصاً عندما تتعرض الحكومة لاتهامات بالضعف من جانب منافسيها في الانتخابات، وهذه المرة يتعرض نتنياهو للهجوم من جانب اليسار واليمين على حد سواء بسبب ما يصفونه بالضعف عسكرياً أمام حماس في غزة والهجمات التي تقع في الضفة الغربية.

لماذا قرَّر نتنياهو التصعيد؟

تساءلت الصحيفة عما إذا كان نتنياهو قد قرَّر تصعيد وتيرة “الحرب بين الحروب” في الجبهة الشمالية -سوريا ولبنان- ليشتت الانتباه عن النقد الذي يتعرض له ويستعرض قدرته على السيطرة على الموقف بيد من حديد، وذلك من خلال بيئة يتمتع فيها الجيش الإسرائيلي بأفضلية واضحة على منافسيه؟ أم أن أعضاء مجلس الوزراء الأمني في الحكومة المؤقتة مشغولون بالحملة الانتخابية ولا يستطيعون حتى تقييم قرارات نتنياهو؟

قرارات خطيرة تحتاج للمراجعة

قرارات التصعيد التي اتخذها نتنياهو أثارت عاصفة من الانتقادات داخل إسرائيل، واعتبر البعض أن ما يقوم به نتنياهو ربما يُعرِّض أمن إسرائيل للخطر، على أساس أن “حروب الاستنزاف” يمكن أن تخرج عن السيطرة كما أن أعداء إسرائيل طوَّروا من إمكانياتهم ولا أحد يعرف مدى الضرر الذي يمكن أن يوقعوه.

لكن الأخطر هنا هو أن ما أقدم عليه نتنياهو تحوُّل جذري في سياسة الصمت التي انتهجها منذ تفجَّرت الأزمة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، خصوصاً عندما بلغ التوتر ذروته وبدا أن واشنطن ستهاجم طهران عسكرياً، لكن ما حدث الآن منافٍ تماماً لسياسة إسرائيلية مستقرة وهي مهاجمة الأهداف التي تراها خطراً عليها دون الاعتراف علناً بذلك.

وطالبت الصحف الإسرائيلية المعارضة بأن تضغط على نتنياهو لإجباره على أن يشرح للعامة سبب الحرب مع إيران قبل أن تصل الأمور لمرحلة حرب مفتوحة.

تغيير قواعد اللعبة

ما أقدم عليه نتنياهو هذه المرة غيَّر قواعد اللعبة مع حزب الله في لبنان، بحسب تعبير بعض الكتاب الإسرائيليين أنفسهم، وأصبحت الكرة الآن في ملعب حسن نصر الله زعيم الحزب الذي أعلن أمس أن إسرائيل لن تنعم بالأمان في الأيام القادمة.

عقد نتنياهو اجتماع المجلس الأمني في مخبأ مصفح تحت الأرض ربما يكون المقصود منه توجيه رسالة للناخبين أن إسرائيل في حالة حرب، وذلك قبل أقل من ثلاثة أسابيع من الانتخابات المقررة 17 سبتمبر/أيلول المقبل، لكن كون هذه الرسالة ستحقق أهدافها أمر يبدو غير مضمون، تماماً كعواقب ما أقدمت عليه إسرائيل من الاعتراف بشن هجمات في العراق التي لا يوجد عداء معها وأدت تلك الهجمات لتوحيد الأصوات العراقية سواء المالية لإيران أو غيرها ضد تل أبيب.

حتى واشنطن أبدت امتعاضها من الهجمات الإسرائيلية في العراق، خوفاً من تأثير ذلك على علاقات واشنطن مع الحكومة العراقية في وقت يريد فيه ترامب عدم حدوث تصعيد عسكري يضعف فرصه في إعادة انتخابه العام المقبل.

هذه المعطيات تشير إلى أن الحرائق التي أشعلها نتنياهو فجأة في المنطقة كورقة أخيرة كي يضمن البقاء في منصبه ربما تؤدي لنتيجة عكسية فيما يخص بقاءه، لكن الأخطر أن تلك الحرائق التي أشعلتها طائرات مسيَّرة ربما تخرج عن السيطرة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top