هل بدأ نجم بوتين في الأفول؟ حدث بسيط وقع بموسكو يبرهن على ذلك


الأسبوع الماضي حققت المعارضة الروسية نجاحاً ملحوظاً في انتخابات مجلس مدينة موسكو التي جرت يوم الأحد 8 سبتمبر/أيلول الجاري، ما فتح شهية نشطاء الديمقراطية للحديث عن القدرة على إحداث تغيير في البلاد التي يهيمن عليها الرجل الأوحد فلاديمير بوتين.

وبحسب تقرير لمجلة Politico الأمريكية، فإن تلك النتائج مجرد تبعات لتغييرٍ أهم جرى في البلاد، ألا وهو تحطم ذلك الشعور السابق بالعجز التام في مواجهة سلطة الحكومة.

فلطالما كانت نزعة الامتثال إلى عادات وتقاليد المجتمع هي المسار الأكثر أماناً واتباعاً بالنسبة إلى الغالبية العظمى من الناس في روسيا، حيث “المبادر يجب أن يعاقب”، كما تذهب المقولة الشعبية التي تواترت من الحقبة السوفييتية.

كسر الشعور باليأس

أما بالنسبة إلى سياسيي المعارضة، فإن التحدي الأكبر ليس في الجهود المنتظمة التي تبذلها الحكومة لمنعهم من الترشح في الانتخابات أو ممارسات مثل قمع المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية، بل في شيء يطلق عليه الروس اسم beznadyoga، أي ذلك الشعور الجماعي باليأس الذي يشلُّ أي جهد متواصل يسعى إلى قلب الوضع القائم، ويُقصي أولئك الذين يحاولون.

وهذا البعد من الروح الروسية الجماعية هو ما تمكنت المعارضة بقيادة ألكسي نافالني، من تحطيمه ذلك الأحد، بعد شهرين من الكر والفر خلال الاحتجاجات التي شهدتها العاصمة الروسية.

وربما لم تكن انتخابات مجلس المدينة مذهلة إلى تلك الدرجة. فالمرشحون الليبراليون الذين مُنعوا من الترشح، وإن كانوا لجأوا إلى القبول بالمشاركة في الترويج لحملة اقتراع تكتيكية أسقطت ما يكاد يقارب نصف المرشحين المدعومين من الكرملين، لكنهم رأوا أيضاً ذهاب معظم هذه المقاعد إلى الشيوعيين وحزبين أصغر، وهي أحزاب واقعة تحت تأثير الكرملين إلى حد ما.

ومع ذلك، فإن نجاح الحملة قد أعطى المعارضة وقادة الاحتجاجات، بمن فيهم نافالني، شرعية أكبر في العاصمة الروسية من العديد من السياسيين المدعومين من الكرملين الذين لم يتمكنوا من تأمين مقاعد لهم في المجلس إلا من خلال التلاعب والاحتيال الانتخابي.

تغيير ولكن ببطء

والتغيير في روسيا يأتي ببطء ينطوي على معاناة لا تطاق. فترات وجيزة من التفاؤل تنتهي عادة باضطرابات كارثية. لكن هناك ما يدعو للاعتقاد هذه المرة بأن تفاؤل نافالني وثقته قد انتقلا إلى شريحة كبيرة متزايدة من جمهور المصوتين، ما أسهم في تمكين مجموعة جديدة من قادة المعارضة الليبرالية، بحسب المجلة الأمريكية.

والكرملين محق في شعوره بالقلق، فخلال استطلاع للرأي أجراه مركز ليفادا المستقل لاستطلاعات الرأي الشهر الماضي، أيد 37% من سكان موسكو الاحتجاجات في جميع أنحاء المدينة، في حين قال 27% إنهم لا يؤيدونها. وهذه أعداد هائلة في بلد شديد المركزية يعتمد بقاء النظام السياسي على مَن يسيطر على العاصمة.

وتظهر مناطق أخرى علامات تشير إلى سيرها على خُطى موسكو. وربما يكون الحزب الحاكم قد فاز بمعظم انتخابات المناطق التي جرت أيضاً يوم الأحد، لكنه خسر العديد من مقاعد المجالس المحلية على مستوى البلاد.

إذ في إقليم خاباروفسك، على سبيل المثال، لم ينجح حزب بوتين في الحفاظ سوى على مقعدين من أصل 36 مقعداً، في مجلس إقليمي عادةً ما كان يسيطر عليه. وفي سانت بطرسبرغ، شابَ الانتخابات ما يبدو أنه عملية تزوير فجة، ستزيد بالتأكيد من هيجان النار  المشتعلة بالفعل.

مشكلة أمام بوتين

وثمة مشكلة، بالنسبة إلى بوتين، تتمثل في كيفية احتواء السخط الآخذ في الانتشار بشكل سريع.

فهو لن يكون قادراً على تكرار الخطوة التي أدت، بعد الاحتجاجات التي شهدتها ساحة بولوتنايا في 2011-2012، إلى ارتفاع شعبيته بشكل مذهل، من خلال ضم شبه جزيرة القرم.

والأمر ببساطة أنه لا توجد قطعة أرض أخرى في جوار روسيا من شأنها أن تثير ذات الشعور بالظلم التاريخي، ويقطنها سكان موالون لروسيا بأغلبية ساحقة، زيادة على العلاقات العائلية والشخصية العميقة بروسيا.

كذلك فإنه لا توجد أي ثورات على نطاق ثورة الميدان الأوروبي الأوكرانية في 2014 يمكنها جعل منطقة أخرى “ثمرة متدلّية” يسهل على بوتين اختيارها وقطفها. والأهم من ذلك، أنه ليس هناك الآن إلا قليل جداً من الرغبة في المجتمع الروسي في توسع إقليمي لا يمكن تأطيره وتسويغه بشكل مقنع على أنه ينقذ “شعبنا الروسي” من تهديد وشيك.

ولم تسفر الطرق الأخرى التي جرى من خلالها إرساء الدعم عن نتائج جيدة. فقد حاول الكرملين على مدار السنوات الخمس التي تلت ضم القرم كسبَ ثقة سكان موسكو من خلال ضخ مليارات الدولارات في إعادة بناء شاملة لشوارع موسكو والبنية التحتية للنقل والمواصلات.

لماذا موسكو مهمة؟

وقد حوّلت تلك الخطوة العاصمةَ إلى مدينة جذابة وقابلة للعيش فيها –وبالتأكيد المدينة الأكثر عصرية بين مدن الاتحاد السوفييتي السابق، بما في ذلك دول البلطيق- لكنها لم تتمكن من فعل الكثير بصدد تخفيف الاحتجاجات. وفي الواقع، فإن الافتقار إلى نقاش عام حول إعادة الإعمار، إلى جانب الفساد المتفشي وحقيقة أن المدينة قد أصبحت موقع إنشاءات عملاقاً لبضع سنوات، أغضب الكثير من الناخبين.

وربما يكون أفضل أمل لبوتين في استراحةٍ هو التوصل إلى اتفاق مع أوكرانيا لإنهاء النزاع المسلح في منطقة دونباس، ومن ثم إنهاء العزلة التي تعاني منها روسيا على الساحة العالمية.

وهناك إشارات واضحة إلى أن ثمة انفراجة في الأوضاع بين البلدين منذ تولي الممثل الكوميدي الذي تحول إلى الرئيس فولوديمير زيلينسكي مهام منصبه، بما في ذلك تبادل الأسرى على نطاق واسع الأسبوع الماضي وتعزيز الجهود الدبلوماسية مع قادة مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تساهم في تطبيع العلاقات بين روسيا والغرب.

ولكن مثلما أخفقت السياسات تجاه القرم في نهاية المطاف في تغيير مسار الانحدار السياسي لبوتين، فإن ذلك ما سيحدث مع أي مراوغة أخرى على مستوى السياسة الخارجية يمكن التصور أن يأتي بها الكرملين.

إن انزلاق روسيا نحو الاستبداد في ظل حكم بوتين قد حجب التحولات الثقافية التي تجري في باطن الأرض وتدفع البلاد في الاتجاه المعاكس، لكن الشقوق قد بدأت في البروز على السطح الآن.

وقد أخذ الناس يزدادون ثراء وانفتاحاً على العالم، ويتعافون إلى حد كبير من صدمات الحقبة السوفييتية وفترة التسعينيات المضطربة. ومن ثم ظهرت طبقات اجتماعية جديدة، إلى جانب مجتمع مدني ينبض بالحياة. إن جيلاً جديداً بالكامل قد نشأ وهو يريد أن يرى شيئاً آخر بخلاف بوتين قبل أن يكبر أكثر من ذلك.

لقد عكس النظام الذي أنشأه بوتين توقعات المجتمع الروسي قبل عقدين. لكن هذا الجيل ينزاح لصالح جيل قادم. ولن يكون في استطاعة بوتين النجاة من ذلك.



Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top