السعودية وحيدة وسط العاصفة.. تخلَّى عنها أهم الحلفاء «ترامب والإمارات»، فماذا ستفعل؟

فجأة وبلا أي مقدمات وجدت السعودية نفسها وحيدة في مواجهة تيار جارف من الأخطار التي تهددها من جميع الاتجاهات، فالإمارات لم تتخلَّ عنها فقط في حرب اليمن، بل زادت الطين بلةً عندما تعارضت مصالحها مع أهداف الرياض، والرئيس الأمريكي تركها وحيدة في مواجهة إيران، فماذا ستفعل؟

ترامب لم يَعِد بحماية السعودية!

العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية قائمة على أساس الاتفاقية الاستراتيجية الموقعة بين الجانبين عام 1945 لمدة 60 عاماً، وتم تجديدها عام 2005 لمدة مماثلة، وهي تنص بوضوح على تكفُّل واشنطن بحماية عرش آل سعود مقابل امتيازات أمريكية ثابتة في قطاع النفط السعودي.

النيران تشتعل في معملين تابعين لشركة أرامكو النفطية في السعودية – مواقع التواصل

ورغم تعرض المملكة لهجوم غير مسبوق استهدف منشآتها النفطية الأهم وقلص انتاجها إلى النصف، جاء رد فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صادماً، حين قال: “أعتقد أنه من مسؤوليات السعودية أن تفكر في دفاعها بجدية”، مضيفاً: “في حال كنا نساعدهم، فسيتطلب ذلك مشاركة مالية كبيرة منهم ودفع ثمن ذلك”. وأوضح: “سيكون على السعوديين أن يلعبوا دوراً كبيراً في حال قررنا أن نقوم بأي شيء، وهذا يشمل دفع الأموال، وهم يدركون ذلك تماماً”.

اللافت أنه أشار إلى أنه “لم يَعِد السعوديين بحمايتهم”، وقال: “سيتعين علينا أن نجلس معاً ونقرر شيئاً. وهم يريدون أن نحميهم، لكن الهجوم كان على السعودية وليس علينا”.

“هم يتعرضون لهجوم ونحن سنفكر في حل”!

لا يوجد سوء فهم لتصريحات ترامب، فهي واضحة ومباشرة، وعلى الرغم من أن أصابع الاتهام تشير لإيران (سواء كان ذلك بشكل مباشر كما تقول تقارير أمريكية أو غير مباشر من جانب الحوثيين في اليمن أو ميليشيات الحشد الشعبي في العراق والتي تدين بالولاء لطهران)، وترامب نفسه أقر بذلك، فردوده تلك تصور الأمر كما لو أنه لا توجد مشكلة بين واشنطن وطهران.

العلاقات السعودية الأمريكية مجلس الشيوخ الأمريكي محمد بن سلمان
دونالد ترامب ومحمد بن سلمان في لقاء سابق/ رويترز

ترامب قال: “لكننا سنساعدهم (السعوديين) طبعاً، وهم حليف رائع وأنفقوا 400 مليار دولار على بلادنا خلال السنوات الأخيرة، وهذا يعني 1.5 مليون فرصة عمل… والآن هم يتعرضون لهجوم ونحن سنفكر في حل ما للأمر”.

كارثة في السعودية وترامب لا يبالي!

لا يمكن هنا التغاضي عن رد فعل ترامب الأولي على الهجوم المدمر الذي استهدف مصفاتَي بقيق وخريص السعوديتين صباح السبت 14 سبتمبر/أيلول لهجماتٍ أدت إلى خسارة 5.7 مليون برميل نفطٍ يومياً، وكيف قام على الفور بتوظيفه لصالح إعادة انتخابه رئيساً العام المقبل.

اللافت أن ترامب تجنب ذكر إيران رغم أن الكثيرين، ومن بينهم وزير خارجيته، وجهوا أصابع الاتهام لها بشكل واضح وحمَّلوها مسؤولية الاعتداءات، وركزت تغريدته الأولى على أجندته الخاصة، وهي الحفاظ على أسعار النفط منخفضةً وبناء بنيةٍ تحتيةٍ للنفط والغاز في الولايات المتحدة.

الإمارات فعلتها أيضاً، لكن في اليمن!

الحليف الآخر الذي تخلى عن السعودية في حربها في اليمن هو الإمارات التي لم تكتفِ فقط بالترتيب للانسحاب دون التشاور مع الرياض، لكنها كانت تعمل منذ اللحظة الأولى لتحقيق أهداف استراتيجية لا علاقة لها بما تريده السعودية من الحرب التي دخلت عامها الخامس دون أن تجني الرياض من ورائها أي مكاسب، بل على العكس خسرت فيها الكثير ومهددة بما هو أكثر.

ولي عهد أبوظبي وولي عهد السعودية / رويترز

السعودية دخلت حرب اليمن في مارس/آذار 2015، ووقتها كان الأمير محمد بن سلمان وليَّ وليِّ العهد والحرب في اليمن كانت فكرته والهدف المعلن منها كان منع تواجد الحوثيين ومن ثَم إيران على الحدود السعودية وهذا مفهوم، لكن السبب الحقيقي، بإجماع المراقبين وهو ما أكدته أحداث السنوات الأربع الماضية، هو طموح محمد بن سلمان في أن يحقق انتصاراً ساحقاً في اليمن يعزز موقفه في أن يصبح خليفة لأبيه.

لكن الإمارات دخلت الحرب برؤية استراتيجية واضحة وأهداف محددة تتحقق الآن بالفعل ولو على حساب دماء اليمنيين وزعزعة استقرار المنطقة برمّتها، بينما دخلت الأولى الحرب بطريقة عشوائية هوجاء (صفتان اشتهر بهما ولي العهد السعودي الشاب الذي كان وقتها في بداية العقد الثالث من عمره) حيث كانت السعودية تعرف ما لا تريده في اليمن وهو منع وجود إيراني وولي ولي العهد يريد انتصاراً يجعله القائد المغوار.

لكن مع طول أمد الحرب وتحولها لفضيحة دولية ووقوع أكبر كارثة إنسانية في القرن الحالي، زادت الضغوط دولياً وأمريكياً، فقررت الإمارات الانسحاب بعد أن حققت كل أهدافها الاستراتيجية تاركة محمد بن سلمان الذي استغله ولي عهد أبوظبي «كحصان طروادة» لدخول جنوب اليمن وتحقيق استراتيجيته من السيطرة على باب المندب، وحيداً مهزوماً.

هل تلجأ السعودية لبوتين كي ينقذها؟

الموقف الصعب الذي وجدت السعودية نفسها فيه ليس خافياً على أحد، وربما هذا ما دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأن يعرض على الرياض المساعدة.

بوتين يأمل ألا ترفع السعودية إنتاج النفط لتعويض انخفاض صادرات إيران، ويتحدث عن الهجوم على إدلب
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين/ رويترز

عقب مباحثاته مع نظيرَيه التركي رجب طيب أردوغان والإيراني حسن روحاني في أنقرة أمس الإثنين 16 سبتمبر/أيلول بشأن الوضع في سوريا، قال بوتين رداً على سؤال حول مسألة مساعدة السعودية فيما يتعلق بهجمات الطائرات المسيرة على المنشآت النفطية: “فيما يتعلق بمساعدة المملكة العربية السعودية، بالمناسبة، فإن القرآن الكريم نفسه يتحدث عن عدم مقبولية أي نوع من أنواع العنف بخلاف الدفاع عن النفس”، بحسب موقع عربي 21.

وأضاف: “نحن على استعداد لتقديم المساعدة المناسبة للمملكة العربية السعودية، ويكفي أن تتخذ القيادة السياسية في المملكة العربية السعودية قراراً، كما فعل قادة إيران، وهو شراء منظومة “إس-300″، أو كما فعل الرئيس أردوغان الذي اشترى من روسيا أحدث منظومة للدفاع الجوي “إس 400″”، وختم بقوله: “بذلك يحمون البنى التحتية في المملكة العربية السعودية”.

استغاثة بالمجتمع الدولي

تصريحات ولي العهد وقيادات المملكة التي تصور الهجوم الذي تعرضت له منشآت النفط على أنه استهداف لمصادر الطاقة العالمية، ومناشدة المجتمع الدولي اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لوقف تلك الاعتداءات تأتي في سياق الموقف الذي وجدت الرياض نفسها فيه، وهو أنها تقف وحيدة في مواجهة إيران ووكلائها في المنطقة.

الخيارات أمام السعودية أصبحت محدودة للغاية، وكل منها أصعب من الآخر، فإما الدخول في مواجهة مسلحة مع إيران وهو خيار يخشاه ترامب نفسه الذي توجد لديه أكثر قوة عسكرية على وجه الأرض فتكاً بسبب التداعيات الكارثية لتلك المواجهة.

الخيار الآخر هو محاولة التوصل لتفاهمات بالطرق الدبلوماسية والجلوس إلى مائدة التفاوض، وهو ما يبدو مستحيلاً لأسباب كثيرة، أبرزها ما وصلت إليه الأمور خصوصاً بعد الهجوم الأخير على منشآت النفط وكذلك لوجود ولي العهد صاحب الطموحات الجامحة، إضافة لطبيعة النظام الإيراني نفسه التي تتميز بالرغبة في فرض السيطرة إقليمياً.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top