أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الثلاثاء 24 سبتمبر/أيلول 2019، أنه بصدد “نشر نسخة كاملة غير منقوصة يرفع عنها رداء السرّية” للمكالمة الهاتفية التي أجراها في يوليو/تموز مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والتي كانت محور فضيحة سياسية متنامية أثارت مطالبات من الديمقراطيين بعزل ترامب، الأمر الذي فعله صباح اليوم الخميس 26 سبتمبر/أيلول.

وتتعلق الفضيحة بما إذا كان ترامب قد أساء استغلال منصبه لمحاولة إرغام الحكومة الأوكرانية على التحقيق مع جو بايدن، نائب الرئيس السابق وخصمه السياسي في الانتخابات الرئاسية المزمعة عام 2020، ربما عن طريق منع المساعدات العسكرية عن الدولة الواقعة في أوروبا الشرقية حتى رضوخ الدولة لمطالبه.
واعترف ترامب بأنه ناقش مسألة بايدن مع أوكرانيا، لكنه أكد أن الاتصال الهاتفي مع زيلينسكي كان “اتصالاً ودّياً للغاية ولائقاً تماماً”.
ويقول البعض إن كشف مضمون الاتصال سيساعد في إلقاء مزيد من الضوء على هذه القضية. لكن المشكلة هي أن هذه الخطوة غير ملائمة على الإطلاق، وقد تضرّ بالسياسة الخارجية الأمريكية القائمة، بحسب تقرير لموقع Vox الأمريكي.
لماذا يمثل الأمر مشكلة
والسبب في كونها مشكلة هو أن رؤساء الدول يحتاجون إلى القدرة على التحدث بصراحة مع بعضهم البعض، ولن يفعلوا ذلك إلا إذا كانوا على يقين بنسبة 100% بأن ما يقولونه سيظل سرياً. ويتطلب التحدّث عبر الهاتف مع زعيم عالمي آخر حول القضايا الدبلوماسية والسياسية قدراً كبيراً من الثقة.
ورغم أنه يُفهم عادة أن المستشارين رفيعي المستوى وحتى وكالات الاستخبارات ربما يستمعون إلى المحادثات، فما زال من المتوقع أن يظل مضمون المحادثة طي الكتمان وألا يُسرّب إلى الجمهور.
إذاً فهناك سبب منطقي يفسّر عدم رغبة أي رئيس في الكشف عن تفريغ مضمون محادثة أجراها مع زعيم أجنبي حتى لو كان ذاك الاتصال بريئاً كلياً من أي شبهات. وهذا يعدّ جزئياً سبب الغضب المبرر الذي انتاب ترامب وغيره من موظفيه عندما نشرت صحيفة Washington Post نصاً مُسرّباً لمكالماته مع زعيمي المكسيك وأستراليا قبل عامين.
ترامب حطم الثقة مع الرؤساء الآخرين
وبنشر نصٍّ لمضمون مكالماته مع الرئيس الأوكراني طواعية، يحطّم ترامب تلك الثقة الكامنة بينه وبين الزعماء الآخرين.
يقول مايكل مكفول، الذي عمل سفيراً للولايات المُتحدة في روسيا إبان ولاية الرئيس السابق أوباما، في تغريدة عبر موقع تويتر بعد انتشار تلك الأخبار، إن “هذا خطأ كبير، وسابقة فظيعة، إذ لن يتحدث أي من القادة الأجانب في المستقبل بصراحة مع الرئيس في أي مكالمات في المستقبل. يجب أن يتمتع الرؤساء بالحق في ممارسة الدبلوماسية على نحو يتسم بالخصوصية”.

والأمر الأسوأ من ذلك، هو أن ترامب فعل ذلك دون داعٍ إلى حد ما. لأن محتوى تلك المكالمة وحدها لن يحسم ما إذا كان الأساس المنطقي الذي قرر ترامب بناءً عليه تعليق إرسال مساعدات عسكرية بقيمة 300 مليون دولار لأوكرانيا هو فقط إجبار أوكرانيا على التحقيق مع عائلة خصمه السياسي. يُشار إلى أن الإدارة الأمريكية قد علّقت المساعدات لشهور، ما دفع أعضاء الكونغرس إلى التشكيك في التأخير.
ويحاول الكونغرس أيضاً حث الإدارة على رفع شكوى رسمية قدمها أحد المبلّغين في مجتمع الاستخبارات، وتتعلق بتعامل ترامب مع أوكرانيا، وكان يتعيّن أن تُسلّم تلك الشكوى إلى المُشرّعين بموجب القانون. إلا أن إدارة ترامب ترفض حتى الآن فعل ذلك، لذا، فربما يكون نص المكالمة بمثابة إلهاءً أكثر من كونه مستنداً كاشفاً.
وربما ينبغي لنا جميعاً أن نكون ممتنين لأن ترامب يبدو وأنه سيكشف عن شيء وعد بنشره؛ فمازلنا نتنظر الإقرارات الضريبية التي وعد بكشفها علانية. لكن بما أنه سيجعل من الصعب على الولايات المتحدة التحدث مع الحلفاء وتنسيق السياسة الخارجية فقط ليحسّن صورته، فإن الامتنان سيكون العاطفة الخاطئة.