أدَّى قرار الانسحاب الأمريكي المفاجئ من أجزاء من شمال سوريا الأسبوع الماضي إلى تغيير التحالفات القديمة وبدء مرحلة جديدة في الحرب السورية المستمرة منذ 8 سنوات. ومن ثمّ، فإنَّ الغموض هو الشيء المؤكد الوحيد في هذه المرحلة، لكن إجابات هذه الأسئلة الأربعة سَتشكّل مستقبل سوريا، بحسب تقرير لصحيفة The New York Times الأمريكية.
1. من سيسيطر على شمال شرق سوريا؟
انزلقت منطقة شمال شرق سوريا، التي كانت مستقرة نسبياً منذ القضاء التام على ما يسمى “دولة خلافة” تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في شهر مارس/آذار، إلى الفوضى مُجدّداً.
عندما قرَّرت قوة عسكرية واحدة (الولايات المتحدة الأمريكية) الانسحاب فجأة، اندفعت قوتان متنافستان (تركيا وحكومة النظام السوري) ليحلّوا محلها.
قبل أسبوع، كانت منطقة شمال شرق سوريا، التي تُشكّل ثلث مساحة البلاد تقريباً، تحت سيطرة قوات سورية يقودها الأكراد مدعومة من الولايات المتحدة. كانت تلك المجموعة، المعروفة باسم “قوات سوريا الديمقراطية”، هي القوة القتالية الرئيسية التي هزمت داعش في سوريا، لكنها في نفس الوقت تمثل تهديداً لتركيا بسبب علاقة هذه الفصائل بحزب العمال الكردستاني المنصف إرهابياً من قبل أنقرة وواشنطن ودول أوروبية.

لكن في 6 أكتوبر/تشرين الأول، أعطى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضوء الأخضر لتركيا لكي تعبر الحدود وتهاجم قوات سوريا الديمقراطية.
لطالما غضبت تركيا من التحالف الأمريكي مع قوات سوريا الديمقراطية، إذ ترغب أنقرة في إبعاد قوات سوريا الديمقراطية لإنشاء منطقة عازلة على طول الحدود يمتد عمقها على الأقل 30 كيلومتراً إلى داخل سوريا.
وفي مواجهة هزيمة منكرة بدون دعم من حلفائها القدامى، طلب قادة قوات سوريا الديمقراطية المساعدة من النظام السوري، عدو تركيا والولايات المتحدة. وقال الأكراد خلال نهاية الأسبوع إنَّهم توصلوا إلى اتفاق يسمح لقوات الأسد بدخول المناطق ذات الأغلبية الكردية، التي انسحبوا منها قبل سنوات عندما اجتاحت الحرب البلاد.
تتنافس تركيا، عضو حلف الناتو، على الأراضي مع قوات الأسد المدعومة من روسيا. وتتسابق قوات كلا الجانبين للسيطرة على المدن القريبة من الحدود. وعلى الرغم من أنَّ هذا الوضع يثير احتمالية نشوب صراع بين الناتو وروسيا، يعتقد بعض الخبراء والمراقبين على أرض الواقع أنَّ تركيا وروسيا لديهما اتفاق لتقسيم الخريطة السورية بما يلائم مصالح الدولتين. لقد عملا معاً على نحوٍ متزايد بشأن سوريا حتى عندما كانا يدعمان رسمياً فصائل متعارضة.
وطالبت تصريحات أمريكية تركيا مؤخراً بكبح جماح إجراءتها، وأرسلت الولايات المتحدة إشارات مختلطة حول ما إذا كانت ستحاول الإبقاء على بعض القوات الأمريكية في المنطقة، إلا أن أنقرة تعتبر الأمر تدخلاً في شؤونها الداخلية.
2.- كيف سيكون تأثير ذلك بالنسبة للأكراد؟
بدون دعم أمريكي، يواجه الأكراد ضربة هائلة لآمالهم في الحفاظ على قدرٍ من الحكم الذاتي. لقد فقدوا نفوذهم في أي صفقة مستقبلية سواء مع تركيا أو النظام السوري.
ولا تزال التساؤلات قائمة حول ما هو بالضبط الاتفاق الذي توصل إليه الأكراد مع حكومة الأسد. إذ يطرح كل جانب الاتفاق بطريقة مختلفة إلى حدٍّ ما.
أعلنت قوات سوريا الديمقراطية، التي لم تقاتل قط قوات النظام السوري أو حلفائها، أنَّ الاتفاق يتضمّن السماح لقوات النظام بدخول مناطقها ورفع العلم السوري لمنع تركيا من مواصلة التدخل. وتقول أيضاً إنَّها ستحتفظ بهيكلها العسكري وسيطرتها على مجالس الحكم المحلي.
لكن قوات الأسد قالت إنَّ الاتفاق يتطلّب حل قوات سوريا الديمقراطية ووضع مقاتليها في تشكيلات قتالية سورية بإدارة روسية مثل الفرقة الخامسة، التي استوعبت معارضين سوريين مستسلمين من أجزاء أخرى من البلاد.

كانت دمشق قد انسحبت فعلياً من شمال شرق البلاد ليحل محلَّها القوات الكردية في وقت مبكر من الحرب السورية لأنَّها ركّزت على سحق المعارضين العرب المسلحين في غرب البلاد الأكثر اكتظاظاً بالسكان.
ومن جانبهم، حافظ القادة الأكراد، الذين لم يكن لديهم ثقة كاملة في الولايات المتحدة قط، على قنوات الاتصال مفتوحة دائماً لموسكو ودمشق.
لكن دمشق لديها تاريخ طويل من قمع الأكراد، ولا يُعرف عن حكومة بشار الأسد المهادنة وعقد الصفقات: إذ أصرَّت الحكومة السورية على الاستسلام التام بدون أية تنازلات في المناطق التي استعادت السيطرة عليها. واتّخذت إجراءات عقابية ضد أولئك الذين تحدّوها، وجنَّدت بالإكراه أولئك الذين سعوا إلى الحكم الذاتي وابادتهم.
يعتقد البعض أنَّ الأكراد قد يكونون في وضعٍ أفضل. لكن المناخ العام يتسم بالخوف في المناطق ذات الأغلبية العربية، ما يفتح المجال أمام عودة ظهور المعارضة المسلحة، بما في ذلك المتطرفون.
3. كيف تأثر المدنيون؟
يحاول بعض المدنيين الفرار إلى المنطقة الكردية في العراق، والبعض الآخر إلى أراضي قوات سوريا الديمقراطية في الجنوب، حيث يقول مسؤولو الجماعة الكردية إنَّهم ينقلون المتضررين لبعض مخيمات اللاجئين.

لكن هاتين المنطقتين شهدتا إنهاكاً وتدميراً بعد سنوات من القتال مع داعش، ولا يوجد بهما موارد كافية لتقديمها للاجئين. وما يزيد الأمور سوءاً، تنسحب منظمة الإغاثة الدولية Mercy Corps من شمال شرق سوريا لأنَّها لم تعد قادرة على الوصول إلى المحتاجين. ووصفت المنظمة هذا الوضع، في بيانٍ لها، بأنَّه “سيناريو كابوسي”.
قد يظهر تهديد آخر إذا قرَّر أكراد قوات سوريا الديمقراطية الاختباء وسط السكان وتنظيم حملة تمرّد ضد الأتراك.
قالت تركيا أيضاً إنَّها تريد دفع العديد من اللاجئين السوريين، الذين يعيشون في تركيا والبالغ عددهم 3.6 مليون نسمة، خارج الحدود إلى المنطقة العازلة الراغبة في إنشائها على طول الحدود السورية.
4. هل سيعود داعش مُجدَّداً؟
أثارت فوضى الأسبوع الماضي تهديدين محتملين من داعش. يتمثَّل التهديد الأول في هروب مقاتلي التنظيم، الذين اعتُقلوا عندما هُزم داعش. ثانياً، احتمالية إعادة تنشيط الخلايا النائمة، التي يُعتقد أنَّ مسلحي التنظيم الجهادي نجحوا في زرعها.
كان هناك الآلاف من الجهاديين المشتبه بهم محتجزين في مراكز اعتقال في جميع أنحاء الأراضي الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، ومن بين هؤلاء العناصر ما لا يقل عن 2000 مواطن أجنبي ترفض بلادهم استقبالهم حتى الآن.
تقع بعض السجون داخل شريط حدودي طوله 30 كيلومتراً تعهدت تركيا بالسيطرة عليه. وهناك أيضاً بعض المعسكرات، التي تحتجز عشرات الآلاف من مناطق كانت في السابق تحت سيطرة داعش، من ضمنهم العديد من النساء والأطفال.
وكانت هناك تقارير بالفعل عن حالات هروب، ولم تتمكن القوات الأمريكية من سحب عشرات السجناء المهمين للغاية قبل اندلاع القتال.
يحاول حرّاس قوات سوريا الديمقراطية الالتزام بمواقعهم في السجون، لكن لا يتّضح إلى متى يمكنهم البقاء. يقع السجن الرئيسي في بلدة الهول خارج الشريط الحدودي، أقصى الجنوب الشرقي باتجاه الحدود العراقية.
ثمة خوف أيضاً من أنَّ خلايا التنظيم النائمة في جميع أنحاء المنطقة قد تستغل الاضطرابات وتنشط من جديد، وقد أعلن التنظيم الجهادي بالفعل مسؤوليته عن تفجير انتحاري في القامشلي منذ بدء العملية التركية، بحسب الصحيفة الأمريكية.
يخشى كثير من السوريين العرب من عودة مقاتلي داعش. لكن تهديد عودة قوات النظام السوري -والذي قد يعني تعذيب أو تجنيد إلزامي، لاسيما بالنسبة للشباب في المعارضة- قد يغوي البعض لدعم أي بديل، حتى لو كان متطرفين.