اندلاع صراع هناك سيجر خلفه بلداناً أخرى.. لماذا يجب على أوروبا أن تنقذ لبنان من السقوط؟

في وقتٍ لا يزال الاستقطاب السياسي فيه مهيمناً على الشرق الأوسط، أخذت التوترات والحوادث الجارية تزيد من مخاطر سوء التقدير، واحتمالات تصعيد النزاعات إلى صراعات مفتوحة بين الأطراف المختلفة.

يقول ماركو كارنيلوس، وهو دبلوماسي إيطالي سابق، في مقالة منشورة بموقع Middle East Eye البريطاني، إن منطقة الشرق الأوسط اليوم  تشبه أوروبا، عشية الحرب العالمية الأولى، إلى حدٍّ خطير.

التأثيرات الإقليمية

وفي أوقات كهذه، يمكن لاندلاع صراع على هذا النحو في لبنان، أن يجرّ بلداناً عديدة للتورط فيه. إذ بالنظر إلى الاستقطاب الذي تشهده أوضاعها الداخلية وقربها من ساحة المعركة السورية والوضع المتوتر بين حزب الله وإسرائيل، قد يكون لبنان إحدى الساحات التي ستشهد حلقة جديدة من هذه الحروب الجارية.

ومع ذلك، فإنه قبل حتى أن يكون ساحة جانبية لمواجهة إقليمية تلوح في الأفق، يتهدد لبنان اليوم خطر الانفجار الداخلي، على إثر حالة السخط المنتشرة بين سكانه، الذين لم يعد بإمكانهم تحمل الوضع الاقتصادي الرهيب وحالة الشلل السياسي المهيمنة على البلاد،  وهو ما أظهرته الاحتجاجات الواسعة التي اشتعلت يوم الخميس الماضي.

وفي هذا السياق، تأتي المحاولة الأخيرة للحكومة، وما تنطوي عليه من “حمق ويأس وفشل”، لفرض ضرائب جديدة، مثالاً على مدى عدم كفايتها وانفصالها عن الواقع، كما يقول الكاتب كارنيلوس.

خطة للطوارئ

على الرغم من مساحته الصغيرة، دائماً ما كان لبنان مقياساً سياسياً للأوضاع في المنطقة، فقد جرت التجربة العامة الأولى لاحتجاجات الربيع العربي في بيروت في عام 2005، مع ما يسمى بـ”ثورة الأَرز“، في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري.

غير أن الآمال التي نشأت آنذاك في وقت التغيير السياسي، قد تلاشت الآن لأسباب كثيرة، أهمها سوء الإدارة الفظيع لاقتصاد البلاد. اليوم، هناك مخاوف متزايدة من انهيار اقتصادي ونقدي، إذ يواجه لبنان خطر إفلاسٍ كالذي تعرضت له اليونان منذ عدة سنوات.

في عام 2018، بلغ عجز الميزانية أكثر من 4.5 مليار دولار. ويبلغ إجمالي الدين العام 84 مليار دولار، وتجاوزت مدفوعات فوائد الديون خمسة مليارات دولار في عام 2019، مع إجمالي إيرادات حكومية بالكاد يصل إلى 12 مليار دولار.

يقول كارنيلوس: إضافة إلى ذلك، فإن تجدد الصراع بين حزب الله وإسرائيل يمكن أن يتسبب في انفجار تناقضات لبنان العديدة، الكامنة حالياً. وهو ما قد يؤدي، بالتالي، إلى دفع عدد كبير من اللاجئين السوريين إلى التوجه إلى أوروبا.

إذ لا يزال لبنان البلد الذي يستضيف العدد الأكبر من اللاجئين قياساً إلى عدد سكانه. ويوجد فيه ما يزيد على 950 ألف لاجئ سوري مسجل في سجلات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في حين أن تقديرات الحكومة اللبنانية لمجموع السوريين النازحين تبلغ 1.5 مليون شخص.

يحاول بعض هؤلاء اللاجئين الآن بالفعل، الانتقال إلى تركيا. وقد ينبغي للاتحاد الأوروبي والسفارات الأوروبية الكبرى، التي تستحضر حالة الطوارئ التي مرت بها الدول الأوروبية إثر التزايد الكبير في أعداد اللاجئين، ألا يقللوا من شأن ذلك، بل عليهم إعداد خطط طوارئ في أسرع وقت لمنع تكرر هذه الأزمة مرة أخرى.

يقول الدبلوماسي الإيطالي السابق، إن الطريقة الوحيدة لفعل ذلك، هي ضمان وجود “حكومة فعالة” في لبنان، وإنقاذ البلاد من الأوضاع الاقتصادية الكارثية التي تثير سخط سكانها.

ومن ثمَّ، فإن الديناميات السياسية التي أصابها الشلل على مدى الأعوام الخمسة عشر الماضية، لم تعد قابلة للاستمرار. علاوة على ذلك، فإن لبنان لم يعد يحتمل أن يكون الساحة حيث تسوّي الولايات المتحدة وإيران والسعودية ووكلاؤهم، خصوماتهم.

سوء الإدارة

ويرى كارنيلوس، أنه يجب على النخبة الحاكمة في البلاد إعطاء الأولوية لاحتياجات الناس، بدلاً من انشغالهم بتعزيز امتيازاتهم الحزبية الضيقة.

تُعقّد وزارة الخزانة الأمريكية الصورةَ، من خلال زيادة ضغطها على النظام المصرفي في بيروت، ضغطٌ ترمي منه إلى تضييق الخناق على حزب الله.

وفي حين أنه من الصعب تجهل الكتلة التصويتية الكبيرة لحزب الله (لديه 12 مقعداً في البرلمان، لكن مع حلفائه، يصبح لديه 70 من أصل 128 مقعداً)، فإنه مع تزايد الاضطرابات الشعبية، يجب على الحزب أيضاً أن يدرك أنه لا يمكن الاستمرار في حكم البلاد بنفس الأسلوب. إذ إن الاحتجاجات العفوية الحالية تعرض الحركة لخطر تعاظم السخط تجاهها أيضاً.

البحث عن هوية سياسية

يجب على الشعب اللبناني، بالإضافة إلى الأطراف العالمية والإقليمية ذات الصلات الكبيرة بالبلاد، التفكير في بدائل سياسية لإنهاء الجمود الحالي. إذ لا يمكن أن يستمر التشبث بالجهات السياسية الفاعلة ذاتها التي أبدت فشلاً منهجياً في إدارتها للأمور خلال الفترات الماضية.

ومن ثم، يجب على أوروبا، في ضوء الأسباب التي سلف ذكرها، والتي ليس أقلها الهاجس المرعب لموجة جديدة من اللاجئين، أن تضطلع بدور مهم في حل الأزمة، وخاصة دول مثل فرنسا وإيطاليا اللتين تحافظان على مصالح وثيقة لهما في لبنان.

ولا يمكن للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو الزعيم الأوروبي “الأنشط” في ما يتعلق بمحاولة تخفيف التوترات في المنطقة، أن يفكر في إطلاق محادثات أمريكية إيرانية ناجحة، دون تحييد بعض الفخاخ الكثيرة التي يمكن أن تعرقله، ولبنان واحد من أهمّها.

ماذا يحتاج لبنان؟

يحتاج لبنان إلى خريطة طريق يُديرها أشخاص ليسوا فاسدين، أو لم يشاركوا في ارتكاب مخالفات خلال السنوات الـ15 الماضية.

يحتاج لبنان إلى سياسيين معتدلين حقاً، يستطيعون الاتحاد بدلاً من الانقسام، وينبغي أن يكونوا من بين أولئك الذين لطالما دعوا إلى سيادة لغة الحوار بين طوائف الشعب اللبناني.

وفي النهاية، يحتاج لبنان إلى زعيم، ربما يكون الأول في تاريخها السياسي الحديث، الذي لا يرى السياسة أداةً لتكديس الثروة، بل مهمةً لتحسين معايش الناس، لأن الانهيار النهائي للبنان سيتجاوز مجرد التأثير على جيرانه المباشرين.

في النهاية، إن الحرائق والاحتجاجات التي عصفت بالبلاد في الأيام الأخيرة لنذيرُ شؤم، يوحي بما يمكن أن يجرّه وضع لبنان، في حال أصبحت دولة فاشلة، على المنطقة وخارجها.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top