الإثنين 4 نوفمبر/تشرين الثاني هو الذكرى الأربعون لأزمة الرهائن أو اقتحام السفارة الأمريكية في طهران، وقد تزامن الحدث مع تعرُّض قنصلية طهران في كربلاء بالعراق لحدثٍ مشابه، فما قصة أزمة الرهائن التي خلقت عداء مستحكماً بين إيران والولايات المتحدة؟
ماذا حدث في كربلاء؟
تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، اليوم الإثنين 4 نوفمبر/تشرين الثاني، مقاطع فيديو تُظهر محاولة متظاهرين عراقيين اقتحام القنصلية الإيرانية في منطقة كربلاء، وقال نشطاء عراقيون لـCNN اشترطوا عدم كشف أسمائهم لدواعٍ أمنية: “حاول متظاهرون عراقيون خرق ودخول القنصلية الإيرانية في كربلاء مساء السبت، وقاموا بإشعال الإطارات والقمامة خارج جدار المبنى”.
وذكرت تقارير إعلامية سقوط ثلاثة قتلى وعشرات الجرحى بعد أن فتحت قوات الأمن النار على المتظاهرين الذين تمكنوا من رفع العَلَم العراقي على أحد أسوار القنصلية، بحسب الصور المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
لماذا أعاد ترامب نشر المقطع؟
اللافت هنا هو قيام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعادة نشر أحد الفيديوهات بعنوانه العربي “حرق جدار القنصلية الإيرانية في كربلاء”، وذلك دون تعليق منه عبر حسابه الرسمي على تويتر، فما الدافع وراء ذلك؟

ربما يتبادر إلى الذهن أن تغريدة ترامب، أو بالأحرى إعادة نشر فيديو محاولة اقتحام قنصلية إيران في كربلاء يأتي في سياق الأزمة الجارية حالياً بين واشنطن وطهران منذ انسحاب ترامب من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية على إيران وتشديدها، لكن حقيقة الأمر تتخطى ذلك بكثير وتعود بالتحديد إلى ما حدث قبل أربعين عاماً.
الشباب الثائر ربما لا يعرف تفاصيل القصة
الاحتجاجات الحالية التي تشهدها العراق ضد الفساد والأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد لم يكن لها دوافع سياسية بإجماع المراقبين والعراقيين أنفسهم، وحتى محاولة اقتحام قنصلية إيران في كربلاء وهي بالمناسبة مدينة ذات أغلبية شيعية، جاءت في سياق الغضب من التدخل الإيراني السافر في الشؤون الداخلية للعراق وهو التدخل الذي أصبح علنياً دون مواربة.
وفي ظل غلبة فئة الشباب على الثائرين الغاضبين في شوارع العراق، فعلى الأرجح لا يعرف معظمهم أن ما قاموا به من محاولة اقتحام قنصلية إيران تمت قراءته في سياق تاريخي وقعت أحداثه قبل أن يولد معظمهم بسنوات كثيرة، وهذا هو السياق الذي دفع ترامب لأن يعيد نشر الفيديو عبر حسابه على تويتر.
ماذا حدث قبل أربعين عاماً؟
اندلعت في إيران في مطلع عام 1979 احتجاجات ضخمة ضد الفساد في نظام حكم الشاه محمد رضا بهلوي، وسرعان ما اتخذت المظاهرات صبغة دينية متشددة تحت قيادة آية الله علي الخميني، وفي منتصف يناير/كانون الثاني تم إجبار الشاه على مغادرة إيران خوفاً على حياته.
ومع سيطرة الإسلاميين على السلطة في إيران وتهديدهم بمعاقبة أي دولة تمنح الشاه حق اللجوء، رفضت بلاد كثيرة استقباله حتى أعطاه الرئيس المصري وقتها أنور السادات الموافقة على لجوئه إلى مصر وهو ما تسبب في قطع العلاقات المصرية – الإيرانية منذ وقتها.
حتى ذلك الوقت كانت السفارة الأمريكية في طهران مفتوحة وتمارس أعمالها رغم العدائية الكبيرة التي أظهرها الإيرانيون تجاهها وتجاه واشنطن بشكل عام، وأطلق الإيرانيون على السفارة الأمريكية اسم “وكر الجواسيس”، وفي ظل تلك الأجواء شهد يوم 19 أكتوبر/تشرين الأول موافقة الإدارة الأمريكية على دخول الشاه إلى أراضيها بسبب وضعه الصحي الحرج وحاجته للعلاج بشكل فوري.
وكانت الإدارة الأمريكية برئاسة جيمي كارتر وقتها تخشى من ردة فعل عنيفة من جانب الإيرانيين وهو ما حدث بالفعل في 4 نوفمبر/تشرين الثاني عندما اقتحم طلاب من الثوار الإيرانيين السفارة الأمريكية واحتجزوا 52 مواطناً أمريكياً من العاملين في السفارة مطالبين بتسليم الشاه مقابل الإفراج عنهم.
أزمة استمرت 444 يوماً
شهد العالم واحدة من أعمق أزمات الرهائن في التاريخ وأطولها مدة زمنية، حيث استمرت 444 يوماً بالتمام والكمال وشهدت أحداثاً مثيرة، وبحسب الملفات السرية التي تم الإفراج عنها في السنوات الأخيرة، دخلت هوليوود أيضاً على الخط.

في البداية حاولت الولايات المتحدة التفاوض للإفراج عن الرهائن بالطرق الدبلوماسية بوساطات أوروبية وكندية وغيرها، لكن باءت كلها بالفشل بعد تمسك الإيرانيين بإعادة الشاه ورفض الأمريكيين تسليمه.
ثم جاء دور الحل العسكري وقامت الولايات المتحدة بشن عملية عسكرية هدفها إنقاذ الرهائن وكان ذلك يوم 24 أبريل/نيسان 1980 لكنها فشلت وأدت إلى تدمير طائرتين ومقتل ثمانية جنود أمريكيين وإيراني مدني واحد.
أما هوليوود ودورها في الأزمة فنراه في فيلم “آرغو” الفائز بجائزة الأوسكار عام 2012 لمخرجه وبطله بن أفليك الذي جسَّد دور ضابط في المخابرات المركزية الأمريكية توني منديز واعتمد الفيلم على شهادته حول إنقاذ 6 عاملين أمريكيين في السفارة كانوا قد هربوا منها أثناء الأزمة ولجأوا إلى بيت السفير الكندي، ولعب منديز دور منتج لفيلم اسمه “آرغو” مزيِّفاً أوراقاً تثبت أن الستة هم من العاملين في الفيلم وكانوا في طهران لاختيار أماكن للتصوير.
نهاية جزائرية للأزمة
تحوَّلت أزمة الرهائن بالطبع في أمريكا إلى ملف قومي لا يعلو صوتٌ فوق صوته وتابعت وسائل الإعلام أحداثه لحظة بلحظة، وكان للأزمة تبعاتها السياسية بالطبع حيث خسر كارتر الانتخابات الرئاسية على الرغم من نجاحه الباهر وقتها في توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، إلا أن أزمة الرهائن أطاحت به خارج البيت الأبيض لصالح ممثل هوليوودي هو الجمهوري رونالد ريجان.

وانتهت الأزمة بتوقيع اتفاقية الجزائر يوم 19 يناير/كانون الثاني عام 1981، وتم الإفراج عن الرهائن في اليوم التالي بعد دقائق فقط من أداء ريجان اليمين الدستورية رئيساً للولايات المتحدة، وشملت بنود الاتفاقية التزام واشنطن بعدم التدخل في الشؤون الإيرانية وإلغاء تجميد أموال إيران في الولايات المتحدة وأيضاً تجميد أموال الشاه لحين بت القضاء الإيراني في القضايا التي تسعى لمصادرتها.
هل تتجرع طهران من نفس الكأس في العراق؟
الآن تتدخل إيران في الشؤون العراقية بصورة علنية وتتحدى العراقيين المحتجين في الشارع وترفض استقالة حكومة عادل عبد المهدي، وهناك تقارير تؤكد وجود قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري قاسم سليماني في العراق يقود بنفسه حملة قمع الاحتجاجات.

ومع ترديد هتاف “العراق حرة حرة.. إيران بره بره”، بصورة أكثر تزايداً والرفض الشعبي المتصاعد لذلك التدخل الإيراني، يبدو أن محاولة اقتحام قنصلية طهران في كربلاء لن تكون التحرك الأخير مع تزايد الاحتقان الشعبي وتمسك إيران بنفوذها بتلك الصورة العلنية، وهذا يفتح احتمال أن تتطور الأمور ويتم بالفعل اقتحام سفارة طهران أو إحدى قنصلياتها هناك في تكرار ربما لما حدث لسفارة واشنطن في طهران، فهل يعيد التاريخ نفسه؟