أخيراً أصدر البيت الأبيض بياناً بشأن المظاهرات في العراق وضم صوته لصوت الأمم المتحدة مطالباً السلطات العراقية بالتوقف عن قمع المحتجين وتنفيذ وعد “الرئيس برهم صالح” بإجراء إصلاحات على قانون الانتخابات وإجراءها فوراً، فلماذا انتظر البيت الأبيض حتى الآن وهل وقف “حمام الدم” في العراق يمكن أن يأتي عبر الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة؟
ماذا قال بيان البيت الأبيض؟
بيان البيت الأبيض، الصادر اليوم الإثنين 11 نوفمبر/تشرين الثاني أعرب عن “قلق الولايات المتحدة البالغ، إزاء استمرار الهجمات ضد المتظاهرين والناشطين المدنيين والإعلام، فضلاً عن القيود المفروضة على الوصول إلى الإنترنت في العراق”.
البيان وجه عدة رسائل أبرزها لإيران عندما قال أن “العراقيين لن يبقوا مكتوفي الأيدي إزاء استنزاف النظام الإيراني لمواردهم واستخدامه للمجموعات المسلحة لمنعهم من التعبير عن آرائهم بسلمية”.
كما دعا البيان إلى إجراء إصلاحات انتخابية وإجراء انتخابات مبكرة، معلناً انضمام واشنطن لبعثة الأمم المتحدة في العراق في المطالبة بوقف العنف ضد المتظاهرين وإلى تنفيذ وعد الرئيس العراقي برهم صالح بتمرير الإصلاحات الانتخابية وإجراء انتخابات مبكرة.
لماذا الآن تحرك البيت الأبيض؟
بيان البيت الأبيض هو أول رد فعل رسمي على ما يجري في العراق رغم مرور أسابيع على الاحتجاجات وسقوط مئات القتلى وآلاف الجرحى لدرجة استخدام منظمات حقوقية دولية مصطلح “حمام الدم” لوصف ما يجري هناك.
التأخر الأمريكي في التعامل رسمياً مع ما يجري في العراق يحتمل أكثر من تفسير أولها هو انشغال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمسألة محاكمته برلمانياً من جانب الديمقراطيين في الكونغرس بسبب مكالمته مع رئيس أوكرانيا التي يزعم خصومه أنه استغل من خلالها منصبه لإلحاق الضرر بأحد منافسيه المحتملين في انتخابات الرئاسة العام المقبل، وهي القضية التي يركز ترامب كل جهوده وحتى معظم تغريداته عليها.

ترامب نفسه كان قد أعاد نشر تغريده عبارة عن فيديو لمحاولات اقتحام محتجين عراقيين قنصلية إيران في كربلاء، وكان ذلك متزامناً مع الذكرى الأربعين لاقتحام السفارة الأمريكية في طهران عام 1979، واحتجاز رهائن في أزمة استمرت 444 يوماً، وكان ذلك هو التعامل الوحيد له حتى صدور البيان، وهو موقف غريب من بلد احتلت العراق قبل 16 عاماً وقامت بتغيير النظام فيه بالقوة بعد أن أطاحت بصدام حسين وحتى اليوم تمتلك واشنطن قواعد عسكرية ولها آلاف الجنود على الأرض في العراق.
الاحتمال الثاني لتأخر رد الفعل الأمريكي الرسمي ربما تكون له علاقة بموقف ترامب أيضاً مما أسماه “الانسحاب من الحروب اللانهائية في الشرق الأوسط”، وبالتالي لا يريد أن يتورط بشكل مباشر في أزمة أخرى خصوصاً وأن إيران اتهمت واشنطن بشكل علني بأنها تقف وراء الاحتجاجات في العراق أو ما تسميها طهران “شغب”.
بيان يضم صوته لصوت الأمم المتحدة؟
وربما ما يعزز احتمال عدم رغبة إدارة ترامب في الظهور في الصورة بشكل رسمي هو ما جاء في البيان نفسه من أن “الولايات المتحدة تنضم إلى بعثة المساعدة التابعة للأمم المتحدة في العراق في دعوة الحكومة العراقية إلى وقف العنف ضد المتظاهرين والوفاء بوعد الرئيس برهم صالح بتمرير الإصلاح الانتخابي وإجراء انتخابات مبكرة”.
كانت بعثة الأمم المتحدة في العراق قد طالبت -قبل صدور البيان الأمريكي بساعات- بضرورة إطلاق السلطات سراح جميع المعتقلين من المتظاهرين السلميين، مؤكدة على وجوب تحديد هوية المسؤولين عن استهداف المتظاهرين، كما دعت إلى الإسراع في وضع إطار قانوني للانتخابات وإصلاح الأمن وحصر السلاح بيد الدولة.
إلى أين وصل “حمام الدم” في العراق؟
بيان البيت الأبيض أيضاً بعد يومين من تقرير لمنظمة العفو الدولية (أمنستي إنترناشونال) قالت فيه هبة مرايف، مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالمنظمة أنه تم تسجيل “ما لا يقل عن 264 قتيلاً بين المحتجين في أنحاء البلاد فيما يزيد قليلاً عن الشهر”. وحثت المنظمة السلطات العراقية على “كبح جماح” قوات الأمن وشددت مرايف على أنه “يتعين أن يتوقف حمام الدم هذا الآن، ويجب تقديم المسؤولين عنه للعدالة”.

تقرير المنظمة المنشور على حسابها على تويتر رصد أيضاً أصناف أسلحة وغازات من “صنع إيراني” استخدمت لقمع المحتجين بالعراق، بحسب تقرير لدويتش فيله.
لكن المفوضية العليا لحقوق الإنسان العراقية أفادت أمس الأحد 10 نوفمبر/تشرين الثاني أن إجمالي حصيلة ضحايا أعمال العنف التي رافقت المظاهرات منذ انطلاقها الشهر الماضي وحتى الآن بلغت 301 قتيل ونحو 15 ألف مصاب.
هل يؤدي الإعلان عن انتخابات مبكرة لوقف المظاهرات؟
لابد من العودة لأسباب انطلاق الاحتجاجات في العراق قبل محاولة الإجابة على السؤال، فالشباب العراقي الذي خرج قبل أسابيع للتظاهر كان يطالب بالأساس بمطالب معيشية تتعلق بالبطالة والخدمات المتردية منذ أكثر من 15 عاماً سواء الكهرباء أو مياه الشرب أو الخدمات الصحية وغيرها، وفي بلد غني بموارده ويحتل المركز الثاني عالمياً من حيث احتياطات النفط، فاض الكيل بغالبية الشعب وخرجت المظاهرات مطالبة برحيل الطبقة السياسية برمتها.
المنطقة الخضراء في بغداد وهي مقر الحكومة والبرلمان ورئاسة الجمهورية والسفارات الأجنبية وهي المنطقة التي أقامتها الولايات المتحدة بعد غزو العراق، هي الهدف أمام المتظاهرين ولكن لا سبيل إليها إلا من خلال عبور الجسور على نهر الفرات وأبرزها جسر الجمهورية الذي يتجمع المحتجون في ساحة التحرير المجاورة له ومن ثم يحاولون عبوره إلى المنطقة الخضراء.
لكن رد فعل السلطات العراقية يتسم بالعنف وتستخدم قوات الأمن الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت والرصاص الحي وهو ما أوقع ذلك العدد الضخم من القتلى والمصابين، ورغم ذلك لا يبدو أن سياسة القمع التي تنتهجها السلطات العراقية قد أدت لإخماد المظاهرات بل العكس هو ما يحدث على الأرض حيث انتشرت الانتفاضة الشعبية في جميع الأراضي العراقية ولم تعد قاصرة على العاصمة فقط.
في ضوء تلك المعطيات ليس مرجحاً أن يؤدي الإعلان عن إجراء انتخابات مبكرة إلى إنهاء الانتفاضة طالما بقيت السلطة الحالية في مناصبها، بعد أن سالت الدماء بتلك الغزارة ووصول الأمور إلى تلك الدرجة من الاحتقان وتظل الأمور على الأرض مفتوحة على كل السيناريوهات.
