«تكنوسياسي».. هل تمثل كلمة السر في التوصل لحل يرضي متظاهري لبنان والعراق؟

مع استمرار المظاهرات في العراق ولبنان وتمسك المحتجين في الشارع بمطلب “كلن يعني كلن”، أي رحيل الطبقة السياسية بالكامل في مقابل إصرار السلطة على عدم الرضوخ، تتردد بعض المصطلحات مثل “حكومة تكنوقراط” أو “حكومة تكنوسياسية”، فماذا تعني تلك المصطلحات، وما سر ترديدها في البلدين على وجه التحديد؟

ما المقصود بحكومة تكنوسياسية؟

تكنوسياسي تعني خليطاً بين التكنوقراط والسياسيين، وتكنوقراط تعني المختصين، أي أن يتم اختيار الوزراء بناء على التخصص والكفاءة وليس على أساس الانتماء السياسي أو الحزبي أو الأيدولوجي، ويرجع تاريخ التكنوقراط إلى نهايات الحرب العالمية الأولى، وكانت عبارة عن حركة أقرب للاشتراكية تأسست في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، وشهدت نمواً كبيراً في فترة الكساد العظيم في ثلاثينات القرن الماضي.

الرئيس اللبناني، ميشال عون
الرئيس اللبناني، ميشال عون

فكرة التكنوقراط نبعت بالأساس من أن الحكومات السياسية تكون لها حسابات تحكم اتخاذ القرارات، ومصالح متشابكة تؤدي مع الوقت لتشكل مراكز مصالح خاصة تستفيد من تعطيل القرارات أو تأخيرها أو اتخاذها بأشكال ليست بالضرورة في صالح الشعب، أما وجود متخصص على رأس الوزارة فهذا يعني اتخاذ القرارات التي تخدم المصلحة العامة دون حسابات سياسية أو غيرها.

أما الحكومة التكنوسياسية فالمقصود بها خليط بين التكنوقراط والحسابات السياسية، وقد تردد المصطلح على لسان كثير من المسؤولين اللبنانيين، كان آخرهم الرئيس ميشال عون، أمس الثلاثاء، وكذلك الحال في العراق، حيث تقوم الأحزاب السياسية بترشيح مختصين من بين أعضائها لتولي المنصب، وبالتالي لا يتخذ القرار قبل التشاور مع الزعماء السياسيين الذين زكوه للمنصب.

هل يقبل المتظاهرون في لبنان بحكومة تكنوسياسية؟

بحسب التسريبات من مصادر قريبة من رئيس الوزراء المستقيل سعد الحريري، هناك تصميم من جانبه على تشكيل حكومة خالية تماماً من أي أحزاب سياسية، حتى يتمكن من تسويقها للداعمين الدوليين للبنان، وإلا فلن يقبل تشكيل الحكومة.

لكن هناك سبب آخر يدفع الحريري، الذي استقال في 29 أكتوبر/تشرين الأول، عكس رغبة حزب الله وحلفائه، وهو أن قبوله بتشكيل حكومة جديدة على نفس المعطيات السياسية السابقة لن يقنع المتظاهرين، وستتعقد الأمور أكثر وأكثر.

مظاهرات لبنان مستمرة

أما عن احتمال قبول المتظاهرين بحكومة تكنوسياسية كما طرحها عون، فلا يبدو أن ذلك وارد، حيث أسهم حديث عون التلفزيوني في توتير الأجواء أكثر، فهو –بالنسبة للمتظاهرين- لم يأت بجديد، بل أشار إلى عدم حدوث انفراجة في المحادثات بشأن تشكيل الحكومة الجديدة، مؤكداً أن حكومة التكنوقراط التي يطالب بها المحتجون لن تكون قادرة على حكم لبنان، ويجب أن تضم عدداً من السياسيين.

ماذا عن نفس النقطة في العراق؟

العراق أيضاً يشهد مطالبات للحراك منذ انطلاق موجته الحالية قبل أكثر من ثلاثة أسابيع باستقالة الحكومة وتشكيل حكومة تكنوقراط من المتخصصين، بعيداً عن الأحزاب السياسية والمحاصصة الطائفية، على أن تتولى تلك الحكومة ملف الفساد ومحاكمة المسؤولين عن إهدار أكثر من 600 مليار دولار منذ الغزو الأمريكي عام 2003، وهو ما عبر عنه زعيم التيار الصدري مقتضى الصدر، اليوم الأربعاء 13 نوفمبر/تشرين الثاني، بقوله إن الحكومات العراقية “أصابتها التخمة”، في إشارة لحجم الأموال المهدرة.

لماذا تكنوقراط أو تكنوسياسي في لبنان والعراق؟

منذ اندلاع ثورات الربيع العربي قبل نحو 9 تسع سنوات، ربما تكون المرة الأولى التي تتردد فيها المطالبات بتشكيل حكومات تكنوقراط أو تكنوسياسية، وذلك في لبنان والعراق، والسبب هنا مرتبط بالتشكيلة السياسية والاجتماعية التي تحكم البلدين وتميزهما عن باقي الدول العربية.

لبنان يتكون من 18 طائفة رسمية أكبرها المسيحيون الموارنة والمسلمون الشيعة والسنة، وبعد انتهاء الحرب الأهلية بتوقيع اتفاق الطائف تم اعتماد نظام المحاصصة الطائفية في توزيع المناصب السياسية الرئيسية، فرئيس الجمهورية مسيحي ماروني، ورئيس الحكومة مسلم سني، ورئيس البرلمان مسلم شيعي، وظل هذا النظام معمولاً به منذ عام 1990 وحتى الآن، لكن فشل الطبقة السياسية التي تتزعم تلك الأحزاب في تقديم المصلحة العامة للبلد والشعب بشكل عام على المصلحة الحزبية والطائفية أدى للانفجار الشعبي، الذي انطلق في 17 أكتوبر/تشرين الأول، تحت شعار “كلن يعني كلن” رافعين العلم اللبناني فقط بعيداً عن الطائفية.

تتواصل احتجاجات العراقيين رغم الأعداد الكبيرة من الضحايا

الوضع في العراق لا يختلف كثيراً، فالنظام السياسي الذي فرضته الولايات المتحدة على البلاد منذ الإطاحة بالنظام البعثي ورئيسه صدام حسين اعتمد المحاصصة أيضاً، وإن كان بصورة أقل حدة، فهناك الأغلبية الشيعية والأقلية السنية والأكراد كأكبر ثلاث كتل تشكل منها النظام السياسي، وهو ما أدى أيضاً لتراجع الخدمات من كهرباء ومياه شرب وفرص عمل وبنية تحتية، في بلد غني بموارده النفطية، مما أدى في النهاية لحدوث الانفجار الشعبي المستمر حتى الآن.

ما دور التدخل الخارجي في القرار المحلي؟

العنصر الآخر الهام الذي يعد مسؤولاً عما وصلت إليه الأمور في لبنان والعراق يتمثل في النفوذ الذي تتمتع به قوى خارجية لها أذرع داخل البلدين، وأبرزها هنا هي إيران، التي تسيطر على قرار حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، وكلاهما لاعب رئيسي على الساحة المحلية في البلدين، ويتخذ قراره ليس في ضوء المصلحة القومية وإنما الحسابات الإقليمية لطهران.

الرئيس الايراني مع رئيس الوزراء العراقي/رويتر

هناك بالطبع لاعب آخر في لبنان وهو السعودية، وإن كان نفوذ السعودية في لبنان أصيب في مقتل منذ أزمة احتجاز الحريري في الرياض قبل عامين، ولا يبدو أن للولايات المتحدة نفوذاً داخل العراق، على الرغم من وجود قواعد عسكرية وتواجد عسكري لها هناك، إلا أن النفوذ الإيراني هو الواضح، ولم يعد هذا سراً أو موضوعاً للتكهنات.

التكنوقراط هو الحل إذن، ولكن

هذه العوامل مجتمعة أدت لبروز فكرة تولي السلطة في لبنان والعراق حكومة تكنوقراط من المتخصصين، بعيداً عن أي أحزاب أو طوائف أو حصص سياسية أو طائفية، لكن كيف السبيل إلى تحقيق ذلك على الأرض؟ وهذا السؤال هو ما تتشبث به السلطة في البلدين على لسان مسؤوليها الحاليين.

زعيم حزب الله ردد ساخراً أنه لو كان لدى المحتجين قائمة بأسماء وزراء حكومة التكنوقراط فليتقدموا بها. والرئيس عون قال إن “التغيير لا يأتي من الساحات”، وطالب المحتجين بالعودة إلى بيوتهم بعد أن عبروا عما يريدون “واعداً بتحقيقه”.

وفي العراق أيضاً تمسك رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي بعدم الاستقالة، محذراً من أن ذلك لن يؤدي سوى لزيادة الأمور تعقيداً، بسبب ما سماه بحدوث فراغ سياسي في البلاد، وأصبح واضحاً الآن أن السلطة في البلدين تراهن على عامل الوقت وإنهاك المتظاهرين، لكن العدد الكبير من القتلى في العراق والذي تخطى 340 وأكثر من 15 ألف جريح ليس في صالح السلطة، ويمثل عاملاً إضافياً يدفع المتظاهرين للتمسك بأماكنهم في ساحات التظاهر.

وفي لبنان أيضاً شهدت البلاد سقوط أول ضحايا الحراك قتيلاً برصاص أحد العسكريين، مساء أمس الثلاثاء 12 نوفمبر/تشرين الثاني، وهو تطور خطير يجعل من احتمال تراجع الحراك في الشارع أكثر بعداً عما قبل سقوطه، وهو ما ظهر اليوم الأربعاء في قطع معظم الطرق وفرض ما يشبه حالة الإضراب العام في البلاد.

في ظل هذا المشهد ربما يأتي الحل من خلال التوصل لأرضية وسط والمقصود هنا تشكيل “حكومة تكنوسياسية“، أي تتولى الأحزاب السياسية ترشيح عدد من الاختصاصيين أو التكنوقراط لتولي الحقائب الوزارية، ضمن نظام المحاصصة الحالي، على أن يتبع ذلك إجراء تعديلات على قوانين الانتخابات في البلدين، للتخلي عن نظام المحاصصة تدريجياً، وإجراء انتقال سلمي للسلطة من النظام الطائفي إلى نظام المواطنة، فهل يقبل الشارع الثائر بخارطة طريق كهذه، والأهم هل تقبل بها الطبقة الحاكمة؟

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top