من الثابت يقيناً الآن أن النظارة لم تعد ترفاً بل أصبحت حاجة ملحة لتصحيح الإبصار وتحسين الإنتاجية لدى الفرد.
تقرير لشبكة BBC البريطانية، استعرض الظروف التاريخية التي ظهرت فيها النظارة وأين ظهرت وكيف تطورت لتصبح أمراً مهماً في حياتنا اليومية.
يشير التقرير على سبيل المثال لا الحصر إلى أنه في شركة Lockheed Martin، على سبيل المثال، قد يستغرق الفني يومين مضنيَين من أجل قياس 309 موقعاً لمسامير الربط على لوحة معدنية منحنية بشكل معين.
ولكن وفقاً لشيلي بيترسون، رئيسة قسم التقنيات الناشئة في الشركة، قد تستغرق نفس المهمة الآن حوالي ساعتين، أو أزيد قليلاً.
فما الذي تغيَّر؟
بدأ الفني ارتداء نظارات. ولكن ليس أي نظارات قديمة، ولكنها نظارات Microsoft Hololens على وجه التحديد.
وهي تبدو مثل نظارات الحماية السميكة. وتضع معلومات رقمية على العالم الحقيقية. وفي حالة المثال السابق، يمكنها مسح اللوحة المعدنية المنحنية ضوئياً، وإجراء الحسابات اللازمة، وتُظهر للفني مكان كل مسمار ربط بالتحديد.
ويحظى خبراء الإنتاج بشعورٍ إيجابي كبير تجاه الفوائد المحتملة لأجهزة الواقع المعزز مثل نظارات Hololens ونظارات غوغل.
عندما عرضت شركة غوغل نظاراتها الذكية الأولى عام 2012، كانت فكرتها تبدو مختلفة قليلاً. كان يُنظر إليها على أنها جهاز استهلاكي، منتج يتيح لك التحقق من إنستغرام وتصوير مقاطع فيديو دون الحاجة لاستخدام الهواتف.
لم تلق نظارات غوغل رواجاً كبيراً. والعدد القليل من الأشخاص الذين غامروا بارتدائها أصبح يُنظر إليهم على أنهم “غريبو الأطوار”.
وسرعان ما أدركت غوغل أنها أساءت تحديد سوقها المستهدف، لذا أعادت ابتكار النظارات لتتناسب مع بيئات العمل. فالعديد من الوظائف يحتاج العامل فيها إلى التوقف كثيراً ليراجع شاشة تخبره بما يفعل لاحقاً.
ولكن مع هذه النظارات الذكية، يمكننا أن نرى تلك التعليمات أثناء العمل. ويوفّر ذلك بضع ثواني مهمة تصل فيها المعلومات من الإنترنت إلى أدمغتنا.
منذ ألف عام، كانت المعلومات تنتقل بسرعة أبطأ كثيراً
في القاهرة، خلال العشرية الثانية من القرن الحادي عشر الميلادي، كتب الحسن بن الهيثم، العالِم الموسوعي المولود في البصرة، كتابه الخالد “كتاب المناظر”، ولكن احتاج الأمر إلى قرنين آخرين لكي تترجم أفكاره إلى اللغات الأخرى.
فهم ابن الهيثم عملية “الإبصار” أفضل من أي شخص آخر سبقه.
على سبيل المثال، قال بعض العلماء السابقين عليه إن عملية الرؤية تتضمَّن نوعاً من الأشعة تنبعث من العين. ولكن بالتجربة الدقيقة، أثبت ابن الهيثم أنهم على خطأ، وأن الضوء يدخل إلى العيون.
قبل ابن الهيثم، كانت الأجهزة البصرية ثقيلة ومرهقة؛ كان الكاتب الروماني سينيكا يستخدم وعاء مياه زجاجياً من أجل تكبير حجم النص. ولكن الانتشار التدريجي للمعرفة ألهم العالم بأفكار جديدة. في وقت ما في أواخر القرن الثالث عشر، عرف العالم أول نظارات قراءة.
لم تحتفظ سجلات التاريخ باسم صانعها، ولكنه على الأغلب كان يعيش في شمال إيطاليا. كانت البندقية تحديداً مركزاً للصناعات الزجاجية في ذلك الوقت، وهذه كانت مشكلة، لأن المباني في البندقية من الخشب وأفران الزجاج تُشعل النيران طوال الوقت.
وفي عام 1291، نقلت سلطات المدينة صناعة الزجاج بأكملها إلى جزيرة مورانو المجاورة. وبحلول عام 1301، كانت “نظارات القراءة” أصبحت شائعة بما يكفي لإدراجها في كتاب قواعد “نقابة عمال الكريستال في البندقية”.
ولكن أفضل تخمين للمؤرخين بشأن أصل النظارات يأتي من خطبة للراهب جيوردانو دا بيزا عام 1306، قال فيها لأتباعه في فلورنسا إن هذا الابتكار عمره الآن 20 عاماً. وذكر ألبيرتو مانغويل في كتاب “تاريخ القراءة” أن الراهب قال إن النظارات تعتبر “من أفضل الأجهزة المفيدة في العالم”.
وكان محقاً. القراءة ترهق العين في معظم الأوقات؛ لم تكن مباني العصور الوسطى تتسم بالنوافذ الكبيرة، وكانت الإضاءة الصناعية معتمة وباهظة التكلفة.
ومع كبر السن، يصبح التركيز على العناصر القريبة أصعب؛ لذا لم يكن الرهبان والعلماء وكُتَّاب العدل والتجار في العصور الوسطى محظوظين. كان الراهب جيوردانو بعمر الخمسين. لذا يمكننا أن نتخيل لماذا كان يُقدِّر اختراع النظارات كثيراً.
وافتتح أول متجر نظارات متخصص في ستراسبورغ عام 1466
ولكنها لم تكن مفيدة إلا للأقلية الصغيرة القادرة على القراءة. وعندما ظهرت الطباعة، وصلت النظارات إلى أسواق أكبر. وافتتح أول متجر نظارات متخصص في ستراسبورغ عام 1466.
وركزت شركات التصنيع على العدسات المقعرة، التي تساعد الأشخاص على رؤية الأشياء القريبة. ثم تعلموا كيفية شحذ العدسات المحدبة أيضاً لتساعد الأشخاص على التركيز على الأشياء البعيدة.
وعند وضع العدسات المقعرة والمحدبة معاً سيكون لديك المكونات الأساسية للمجهر (الميكروسكوب) أو المقراب (التلسكوب). وظهر كلاهما في متاجر النظارات في هولندا عام 1600 تقريباً، مما فتح عوالم جديدة تماماً أمام الدراسات العلمية.
في الوقت الحاضر نعتبر النظارات أمراً مسلَّماً به، في العالم المتقدم على الأقل. تشير دراسة استقصائية أجرتها كلية البصريات إلى أن ثلاثة أرباع الأشخاص في بريطانيا يرتدون نظارات أو عدسات لاصقة أو خضعوا لجراحة تصحيح الإبصار. ونفس الأمر في أمريكا واليابان.
بينما في الدول الأقل تطوّراً، يختلف الوضع، ولم يكن لدينا صورة أوضح عن هذا الوضع إلا مؤخراً.
في السابق، لم تكن منظمة الصحة العالمية تجمع البيانات إلا عن الأشخاص الذين يعانون من مشكلات خطيرة في الإبصار.
هناك 2.5 مليار إنسان بحاجة إلى نظارات
ولكننا نرى الكثيرين يعانون ويتخبطون في حياتهم اليومية ولكن لا يزالون لا يرتدون النظارات. ولكن كم عددهم؟ قررت Essilor، الشركة العالمية الرائدة في صناعة العدسات، اكتشاف الإجابة، ولا نفترض بالطبع أن ذلك لأهداف نبيلة تماماً.
في عام 2012، توصلت إلى الإجابة: حول العالم، هناك حوالي 2.5 مليار شخص يحتاجون إلى نظارات دون أن تكون لديهم. إنه رقم مرعب يثير الشكوك، ولكن العديد من الشخصيات المُطلعة على المجال يعتقدون إنه رقم صادق.
والعديد من هؤلاء الأشخاص لا يعلمون أن النظارات بإمكانها مساعدتهم.
في عام 2017، اختبر الباحثون قدرة الإبصار لدى المئات من جامعي محصول الشاي بعمر 40 عاماً أو أكبر في مزرعة بولاية آسام الهندية. وقدموا نظارات قراءة بسيطة (تبلغ قيمة الواحدة 10 دولارات) إلى نصف من يحتاجونها إليها من العمال. ثم قارنوا مقدار محصول الشاي الذي يجمعه من يرتدون النظارات بمقدار ما يجمعه من لا يرتدونها.
كان متوسط محصول من يرتدون النظارات أكثر بحوالي 20%. وكلما كان عمرهم أكبر، تحسن جمعهم للشاي بشكل أكبر. كان هؤلاء العمال يحصلون على المال مقابل مقدار ما يجمعونه من الشاي. قبل الدراسة، لم يكن أي منهم يرتدي نظارات. وبنهاية الدراسة، لم يرغب أي منهم في إعادتها.
ويُذكر أن قطف الشاي قد يحتاج إلى حدة بصرية أكثر من بعض الوظائف الأخرى.
حتى التقديرات المتحفظة تقول إن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن ضعف الإبصار تصل إلى مئات المليارات من الدولارات –ناهيكم عن سوء نوعية وجودة حياة هؤلاء الأشخاص ومعاناة الأطفال في المدارس.
توصَّلَت إحدى التجارب العشوائية إلى أن إعطاء الأطفال نظارات قد يعادل نصف عام إضافي من الدراسة.
وتزداد الحاجة إلى النظارات. يأتي قصر النظر الشيخوخي، أو طول النظر، مع التقدم في السن؛ ولكن بين الأطفال، هناك الآن ما يمكن وصفه بوباء قصر النظر على مستوى العالم. الباحثون غير واثقين من السبب، ولكن من المرجح أن ذلك يرجع إلى قضاء الأطفال أوقات أقل خارج المنزل.
ما الذي نحتاجه لتصحيح بصر العالم؟
في البداية، المزيد من أطباء العيون قد تكون بداية جيدة، إذ تختلف أعدادهم بشكل كبير من بلد لآخر. اليونان، على سبيل المثال، لديها طبيب عيون واحد لكل 5 آلاف شخص تقريباً؛ وفي الهند، تصل النسبة إلى طبيب لكل 70 ألف شخص؛ وفي بعض الدول الإفريقية، طبيب لكل مليون شخص.
ولكن لأن بعض المشكلات الخطيرة تتطلَّب أخصائيين على مستوى عالٍ من المهارات والحرفية، من الممكن أن يُحال الأشخاص أصحاب المشكلات الأقل تطلباً إلى آخرين.
في رواندا، تولت جمعية خيرية تدريب الممرضات على إجراء فحوصات النظر؛ ووجد الباحثون أن نسبة دقة الفحوصات تجاوزت 90%.
هل يمكن للمُعلِّمين في المدارس تحديد الطلبة الذين يعانون من مشكلات بالرؤية؟
تشير دراسة أخرى إلى إمكانية ذلك. بعد ساعتين فقط من التدريب، تمكَّن المُعلِّمون في مدارس الصين الريفية من تحديد معظم الأطفال الذين يمكنهم الاستفادة من ارتداء النظارات.
من الغريب في عصر كل التقنيات العلمية والترفيهية أن نغفل تقنية بسيطة تعود إلى القرن الثالث عشر.
ماذا لو علم الراهب جيوردانو أننا الآن نصمم ونبني المركبات الفضائية باستخدام الواقع المعزز بينما لم نساعد مليارات البشر في إصلاح بصرهم المشوش للواقع الفعلي؟