عقب أسابيع من الأخبار السيئة، حمل الخميس، 26 ديسمبر/كانون الأول، أنباءً سارة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي واجه أول تحد خطير لزعامته لحزب الليكود منذ 2005.
وفي نهاية يوم من الانتخابات التمهيدية المشحونة والعاصفة، التي أرسل خلالها الفريق الداعم لنتنياهو رسائل نصية تحوي وصايا مُبتدَعة -منها “لا تَخُن”- وشجب فيها داعمو منافسه جدعون ساعر هذا الانتهاك الانتخابي، فاز نتنياهو بنتيجة لا تقبل الشك، بحسب تقرير لموقع The Daily Beast الأمريكي.
فوز ساحق لنتنياهو.. ولكن!
إذ كشفت النتيجة النهائية عن فوز نتنياهو بنسبة 72.5% من الأصوات، مقابل 27.5% لساعر، الوزير السابق الذي ترشح بأجندة قومية أشد من أجندة نتنياهو، ونادى بعودة الكياسة واللباقة إلى السياسة.
وقال ساعر إنَّ الطريقة الوحيدة لضمان استمرار سيطرة تيار اليمين على الحكومة الإسرائيلية هي باختيار قيادة جديدة لحزب الليكود.

وفشل نتنياهو في الفوز بأغلبية في جولتي انتخابات متعاقبتين خلال العام الجاري، في أبريل/نيسان وسبتمبر/أيلول، وترأس
حكومة إسرائيل مؤقتاً، بصلاحيات محدودة، لمدة عام.
ولأنه محنك سياسي شرس، حرص نتنياهو على ألا ينشأ خلفاء له. وبعض الرجال الذين خدموا في حكومته، من بينهم وزير الدفاع السابق أفيغدور ليبرمان ووزير التعليم السابق نفتالي بينيت، وجدوا أنفسهم خارج الليكود حين بدأت شعبيتهم تهدد زعامة نتنياهو.
لكن ساعر كان الشخصية البارزة الوحيدة في الليكود التي تجرأت على التصريح علناً بما يعرفه الجمهور الإسرائيلي بالفعل: ليس أمام نتنياهو أي سبيل لتشكيل حكومة جديدة عقب الانتخابات العامة في 2 مارس/آذار 2020.
الأزمة القادمة لنتنياهو
لكن في الواقع، قد تتلاشى روح الحماسة بين مؤيدي الحزب التي تبعت هذا الانتصار بحلول يوم الأحد، 29 ديسمبر/كانون الأول، حين يضطر أفيشاي مندلبليت، المدعي العام الإسرائيلي، إلى إبداء رأيه بشأن لغز قانوني غير مسبوق.
ففي نوفمبر/تشرين الثاني، أعلن مندلبليت توجيه مجموعة من تهم الفساد لنتنياهو، بما في ذلك الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة.
ومن أجل حماية رؤساء الحكومات المنتخبين قانوناً من أية تحديات قانونية غير جادة، تسمح القوانين الأساسية الإسرائيلية -وهي جزء من القانون الدستوري- لرئيس الوزراء المتهم بإنهاء فترة ولايته حتى خلال خضوعه للمحاكمة.
لكن قانوناً آخر سنّه الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) لا يسمح بتعيين أي شخص متهم في مناصب عليا.

لكن لم يحدث أن اختُبرِت أيٌ من هذه القوانين من قبل. وأمرت المحكمة العليا في إسرائيل، التي تتصارع مع العديد من الالتماسات التي تزعم أنَّ استمرار نتنياهو في رئاسة الحكومة مخالف للقانون، مندلبليت بتقديم قرار نهائي بحلول يوم الأحد بشأن ما إذا كان يمكن له الاستمرار في منصبه أم لا، وهو ما يشبه إلى حد ما الاستعانة بـ”صديق للمحكمة”.
وخلال الأشهر المقبلة، ستصدر المحكمة قرارها النهائي في مدى ملاءمة نتنياهو للمنصب باعتباره مرشحاً وُجِهَت له رسمياً اتهامات جنائية.
ويتزعم حزب “أزرق أبيض” -منافس الليكود في الانتخابات العامة، الذي تفوق على حزب نتنياهو في جولة سبتمبر/أيلول- رئيس أركان الجيش السابق الوسطي، بيني غانتس، الذي خاض الانتخابات بأجندة تدعو لتطهير الحكومة. وطوال محادثات تشكيل حكومة ائتلاف التي انتهت بالفشل، قال غانتس إنَّ حزبه يأمل في تشكيل حكومة وحدة وطنية واسعة مع الليكود، لكنه لن يخدم مع مجرم مدان.
وزعم ساعر، خلال الانتخابات التمهيدية، أنَّ غانتس سيفوز في انتخابات مارس/آذار إذا لم يتمكن الليكود من اختيار قائد جديد وتشكيل حكومة ائتلافية جديدة، وأنَّ قبضة نتنياهو المُشدَّدة على السلطة ستتسبب في هزيمة الحزب.
نتنياهو يبحث عن مخرج
وإدراكاً منه أنه يواجه اتهامات خطيرة، سعى نتنياهو جاهداً لتجنب المثول أمام القضاء. لكن القانون وإن كان يسمح له بالبقاء في منصبه، لا يسمح له بالتهرب من المحاكمة. فخلال العام الماضي، حاول نتنياهو تمرير قانون الحصانة الشخصية من خلال الكنيست، بل وأثار استياء شعبياً أكبر حين حاول إصدار قانون يسمح له بإلغاء قرارات المحكمة العليا.
لكن نتيجة فشله في ذلك، سيحاول الآن شن حملة تقوم على “سياسة الأرض المحروقة” بهدف واحد فقط؛ وهو الفوز بأغلبية برلمانية تكفي لتمرير قانون الحصانة الشخصية.
وقبل إعلان نتائج الانتخابات التمهيدية، قال ميكي زوهار، المقرب من نتنياهو، وهو عضو في الكنيست من حزب الليكود: “حصل نتنياهو على إجابة سؤال ما إذا كان ينبغي أن يطلب حصانة شخصية”.
ومع ذلك، قد يحمل انتصار نتنياهو أنباءً سيئة لحزبه، الليكود؛ إذ يعني ذلك أنه سيدفع بمرشح في الانتخابات متهم رسمياً وخسر في الجولتين السابقتين، ولا يريد سوى شيء واحد؛ وهي الحصانة القانونية، التي يكرهها الناخبون.

وقد يكون الإسرائيليون عموماً متساهلين بشأن جرائم نتنياهو المختلفة، لكنهم يعارضون بشدة منحه الحصانة البرلمانية، ويتهمه غانتس بأنه لا يسعى إلا لتشكيل “حكومة حصانة”، وليس ائتلاف حاكم حقيقي، وبإبقاء الشعب رهينة مشاكله القانونية.
وفي شهر مايو/أيار الماضي، عندما اقترح نتنياهو مشاريع القوانين الأولية، عارض 62% من الجمهور الإسرائيلي منح نتنياهو الحصانة. وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أنَّ هذا الرقم يتجاوز الآن 70% من الناخبين من التيارات السياسية المختلفة.
ولم يعد أمام نتنياهو وقت إلا حتى 1 يناير/كانون الثاني لطلب الحصانة من الاتهامات الجنائية، لكنه سيحتاج إلى دعم أغلبية الأعضاء، وهو ما لم يحصل عليه حتى الآن. ومن المتوقع أن يشجعه الفوز في الانتخابات التمهيدية داخل الحزب على المطالبة بدعم البرلمان من الكتلة اليمينية بأكملها.
وإذا لم ينجح نتنياهو في حصد أغلبية أصوات 120 من نواب إسرائيل لدعم الحصانة، فسيُحاكم في القدس المحتلة فور تشكيل الحكومة المقبلة.