عندما تولى الرئيس الروسي فلاديمير مقاليد السلطة في بلاده قبل 20 عاماً، كانت روسيا دولة على شفا الانهيار بعد أن كانت قوة عظمى، واليوم استعادت أرض القياصرة كثيراً من قوتها ووضعها الدولي، لكن هل ما حققه بوتين مستدام أم أنه نجاح مرتبط فقط بوجوده كشخص؟
وكالة بلومبيرغ الأمريكية نشرت تقريراً بعنوان: “روسيا بوتين تبلغ من العمر 20 عاماً وأقوى من أي وقت مضى. هل هي كذلك؟”، سعت من خلاله لمحاولة البحث عن إجابة السؤال.
البداية كانت سعياً لاسترضاء واشنطن
بعد أشهر قليلة من صعوده المذهل إلى السلطة، كان فلاديمير بوتين، البالغ من العمر 47 عاماً آنذاك، حريصاً على إرضاء نظيره الأمريكي بيل كلينتون في قمة الكرملين الأولى معه.
بدأ الهجوم الناعم للعقيد المتقاعد من المخابرات السوفيتية (KGB) بعشاء فاخر من خنزير بري وأوز، تبعته جولة في مقاره الخاصة وحضور حفل لموسيقى الجاز سلّى ضيفه الذي يحب العزف على الساكسفون حتى منتصف الليل. وقال بوتين فيما بعد إنه في ذلك الوقت طرح سؤالاً كان له تأثير القنبلة عما إذا كان بإمكان روسيا الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) يوماً، وهو التحالف العسكري الغربي الذي أقيم للتصدي لدسائس موسكو العالمية بعد الحرب العالمية الثانية، وأجاب كلينتون: “ليس لدي أي اعتراض”، وفقاً لبوتين. وكان ذلك في يونيو/حزيران عام 2000.
وبعد عقدين من العداوة، منهما ما يقرب من ست سنوات من العقوبات القاسية التي بدأت خلال الحرب في أوكرانيا، نادراً ما كانت علاقات روسيا مع الولايات المتحدة وحلفائها متوترة، ولكن يبدو أن بوتين، الذي ظل في منصبه مدة أطول من 29 قائداً من قادة مجموعة السبع بحلول الوقت الذي فاز فيه بولايته الأخيرة التي تبلغ مدتها ست سنوات والتي أقرها الدستور عام 2018، يقلب الطاولات رغم ما يسميه بالخوف الهستيري من روسيا في الغرب.
ففي قمة حول أوكرانيا في باريس هذا الشهر، كان بوتين مهيمناً على غرفة ضمت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وأنجيلا ميركل أقوى سياسية في أوروبا خلال معظم الأعوام الخمسة عشر الماضية، في طريقها للخروج من السلطة، ويحث ماكرون، الذي يواجه إضرابات واحتجاجات معيقة في الداخل، الناتو على التوقف عن اعتبار روسيا عدواً. (تخطط إحدى الدول الأخرى المؤسسة لحلف الناتو، بريطانيا، لترك الاتحاد الأوروبي أخيراً الشهر المقبل، ما قد يؤدي إلى حدوث انقسامات جديدة في القارة).
أقوى من أي وقت مضى
ثم يوم الثلاثاء 24 ديسمبر/كانون الأول، تحدث بوتين عن شكل من أشكال الانتصار في سباق التسلح الروسي غير المعلن مع الولايات المتحدة بإعلانه عن نشر أسلحة تفوق سرعتها سرعة الصوت لأول مرة في العالم، قائلاً إنها يمكن أن تضرب أهدافاً عبر القارات.
وقال بوتين للقادة العسكريين في اجتماع في موسكو: “لطالما كان الاتحاد السوفييتي هو من يحاول اللحاق بالركب، واليوم، نحن في وضع لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث: هم من يحاولون اللحاق بنا”.
في عهد بوتين، استعادت روسيا بعض قوتها الجيوسياسية التي امتلكها الاتحاد السوفييتي، ما أثار انزعاج معظم دول حلف الناتو البالغ عددها 29 دولة، وقد قوّى العلاقات الروسية مع الصين، وضم شبه جزيرة القرم من أوكرانيا، وغير مسار الحرب في سوريا، وباع منظومات الدفاع الجوي المتقدمة لتركيا العضوة في حلف الناتو، وأبرم صفقات أسلحة ونفط كبرى مع المملكة العربية السعودية، أحد حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين، وكذلك فنزويلا، في الوقت الذي تقول فيه مزاعم إنه تدخل في انتخابات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأماكن أخرى.
وأصبحت روسيا مجدداً قوة رئيسية في الشرق الأوسط وتتوسع في إفريقيا لأول مرة منذ جيل، وأعاد الكرملين إحياء العلاقات العسكرية مع مصر التي تعد قوة إقليمية وليبيا التي مزقتها الحرب، والتي يتنافس فيها رجل عسكري مدعوم من المرتزقة الروس على السلطة مع حكومة تدعمها الأمم المتحدة في طرابلس.
مخاطر اقتصادية لا يمكن إغفالها
ولكن رغم نجاحه في الخارج، يواجه بوتين مخاطر اقتصادية وسياسية متنامية نابعة من نظام الحكم الصارم المتسلط الذي أقامه في بلد يمتد عبر 11 منطقة زمنية. وتتمثل المعضلة التي يواجهها الكرملين الآن في كيفية إدامة البوتينية أو “الديمقراطية الموجهة”، بعد انتهاء ولاية بوتين عام 2024.

يقول توماس غراهام، المسؤول البارز في السياسة الروسية في فترتي جورج بوش الابن: “إذا قارنت روسيا اليوم بروسيا عام 2000، حين وصل بوتين إلى السلطة، فهي في وضع أفضل بكثير. لكن إذا نظرت إليها على مدى السنوات العشر المقبلة، فالسؤال المطروح هو كيف ستحافظ على هذا؟”.
في الواقع، أحد أهم الأشياء حول قدرة بوتين على مواصلة مد سيطرة روسيا على الصعيد العالمي هو أنه يفعل ذلك بميزانية محدودة. فحجم اقتصاده الضعيف الذي يعتمد على النفط أقل بـ 8% من حجم اقتصاد الولايات المتحدة، التي تنفق على الدفاع وحده أكثر مما تنفقه روسيا على كل شيء، مثل التعليم والرعاية الصحية والشرطة، بحوالي الضعف.
نمو على طريقة بوتين
وفي الاجتماع نفسه الذي تفاخر فيه بوتين بهيمنته على أسلحة جديدة، شكا وزير دفاعه من تأخرها فيما يتعلق بالإنفاق العسكري، الذي من المتوقع أن يتراجع إلى المرتبة التاسعة في العالم العام المقبل بعد أن كان السابع العام الماضي. والحذر المالي لبوتين، خاصةً منذ اندلاع الصراع في أوكرانيا، جعل صحيفة الميزانية العمومية للحكومة واحدة من أكثرها سلامة في العالم، وأشادت بها وكالات التصنيف وصندوق النقد الدولي.
وحققت روسيا فائضاً في الميزانية، ولديها القليل من الديون نسبياً وتملك واحداً من أكبر احتياطيات العملات الأجنبية والذهب. لكن إحجام بوتين عن محاولة تحفيز الاقتصاد من خلال تدابير تحفيزية جذرية يعكس التضييق وانعدام الكفاءة في اقتصاده الذي تسيطر عليه الدولة. بل وقررت روسيا رفع سن التقاعد العام الماضي لتوفير أموال المعاشات التقاعدية، ما أثار احتجاجات كبيرة.
ومن المتوقع أن يكون النمو هذا العام أعلى بقليل من 1%، ويرى معظم الاقتصاديين أن النمو في المستقبل سيكون في حدود 2% تقريباً لأسباب تتعلق بهيكل نظام بوتين، الذي يمنح الاستقرار الأولوية فوق كل شيء. ومع نمو اقتصاد العالم عند حوالي 3.5%، يتوقع صندوق النقد الدولي أن تنخفض حصة روسيا من الإنتاج العالمي إلى النصف تقريباً عند 1.7% عام 2024 من 3% عام 2013.
وقال سيرجي غورييف، كبير الاقتصاديين السابق في البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير ومستشار الحكومة الروسية الذي ينتقد الكرملين من فرنسا منذ عام 2013: “لن يراهن أحد على نمو روسيا بشكل أسرع من الاقتصاد العالمي. وهذه نتيجة مباشرة لاختيار القيادة السياسية مواصلة السير على طريق الركود “.
وقد تعهد بوتين مراراً بتحقيق “تقدم اقتصادي كبير” للمواطنين، لكن الدخول الفعلية استمرت في الانخفاض، إذ انخفضت بنسبة 10% خلال السنوات الخمس الماضية. ومع تضاؤل فرص التوظيف، يرغب أكثر من نصف الروس الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً في الهجرة، وفقاً لاستطلاع رأي أجراه مركز ليفادا المستقل في نوفمبر/تشرين الثاني.
وقال غورييف عبر الهاتف من باريس: “إذا واجهت أي دولة غربية هذا الموقف، فمن المحتمل أن تتغير الحكومة عن طريق الانتخابات. لكن في روسيا، تمكنوا بطريقة ما من الإفلات”.
القبضة الحديدية
وعلى خلفية هذا الاستياء المتزايد، تراجع معدل تأييد بوتين، الذي وصل إلى حوالي 90% في خضم الحماس الوطني الذي اشتعل بعد ضم شبه جزيرة القرم، إلى 68%، وفقاً لمركز ليفادا. وما يشكك في دقة الرقم انعدام المنافسة السياسية وإحجام الناخبين عن نقد بوتين في استطلاع عبر الهاتف. (تُسجل الآن جميع مكالمات الهاتف المحمول في روسيا وتخزن لفترة معينة في مراكز تجميع خاصة بموجب قانون جديد يهدف لمكافحة الإرهاب).

لقد كان بوتين ماهراً في استخدام سلطاته القمعية للدولة، بوضوح وخفية على حد سواء، لمنع ظهور منافس أو منفذ إعلامي جماهيري معارض، فأودع السجن الناقد البارز في أول فترتين له، الملياردير السابق ميخائيل خودوركوفسكي، لمدة وصلت إلى عقد من الزمان. ويواجه خصمه الأشد معارضة له، أليكسي نافالني، عقوبة السجن بدون توقف فعلياً بسبب مسيرات غير مرخصة.
ومع ذلك، يعتبر معظم كبار السن من الروس الذين عاشوا العقد الضائع الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، والذي تسبب في ركود اقتصادي أشد من الكساد الكبير في أمريكا، بوتين منقذاً للخلاص من الانهيار واستعادة القانون والنظام.
وفي 30 ديسمبر/كانون الأول عام 1999، قال بوتين، الذي كان آنذاك الأحدث في سلسلة من رؤساء الوزراء، بوضوح إن الأمر سيستغرق من القوة العظمى سابقاً 15 عاماً من النمو بنسبة 8% للوصول إلى نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في البرتغال في ذلك الوقت، التي ليست حتى “ضمن قادة الصناعة في العالم”.
وبعد يوم واحد، عشية رأس السنة الميلادية، تنحى الرئيس المريض بوريس يلتسن، وطلب من بوتين “رعاية روسيا”. وفي ظل القيادة الجديدة- وارتفاع أسعار النفط- نمت روسيا بنحو 7% في المتوسط على مدار الأعوام الثمانية التالية وفي عام 2012 لحقت بالبرتغال تقريباً بهذا التدبير، قبل أن تتراجع مرة أخرى. وقفز ترتيب إجمالي الناتج المحلي الاسمي إلى المرتبة الثامنة في ذلك العام قبل أن ينخفض إلى المرتبة 11 عام 2018، على قدم المساواة تقريباً مع كوريا الجنوبية التي يبلغ عدد سكانها 35% فقط من نسبة سكان روسيا.
ويبني بوتين، بمساعدة من الصين ودول أخرى، حواجز لحماية الاقتصاد الروسي من تقلبات النظام المالي الذي يهيمن عليه الدولار الأمريكي وتأثير أي عقوبات إضافية، ويسمح هذا لروسيا، إلى جانب قدرات بوتين التكتيكية في الشؤون العالمية، بالإتيان بأمور تفوق حجمها الحقيقي، وفقاً لديمتري ترينين، رئيس مركز كارنيغي في موسكو.
يقول ترينين: “الناتج المحلي الإجمالي ليس المقياس المطلق لجميع الجوانب الاقتصادية، الأهم من ذلك هو المرونة الأساسية للاقتصاد، وقدرته على امتصاص الصدمات القوية، وموارد موسكو المالية السليمة؛ وديونها الخارجية المنخفضة، وقدرة الكرملين على الاستنفار في مواجهة التهديدات الخارجية، والوفرة النسبية للموارد التي تحتاجها موسكو لدعم سياستها الخارجية”.
وفي الوقت نفسه، يقول أناس مقربون من الكرملين إن الزعيم الروسي الذي حكم لأطول مدة بعد الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين بدأ في التعامل مع معضلة 2024.
ورغم أن بوتين استبعد مراراً تعديل الدستور ليحصل على ولاية جديدة، وكانت آخر مرة أكد فيها ذلك في مؤتمره الصحفي السنوي، فلا يبدو أن أي خيار آخر للبقاء في السلطة، إذا كان هذا هو ما يود فعله، مرجحاً. والظروف تجري تهيئتها لما قد يصبح أخطر مناوراته.