أصبح واضحاً الآن أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يرغب إلا في شيء واحد: إما تغيير النظام في إيران وإما على الأقل أن يرضخ قادة طهران له دون قيد أو شرط، لكن على الأرجح رغبات ترامب ليست سوى أوهام، لماذا؟
موقع سليت الأمريكي نشر تقريراً يجيب عن السؤال، بعنوان: “أوهام ترامب عن تغير سياسة النظام الإيراني”، ألقى فيه الضوء على موقفَي إيران وأمريكا من الاستراتيجية وخطة تطبيقها.
وماذا بعد اغتيال سليماني؟
قُتل قاسم سليماني، وتوقفت ضربات الطائرات المسيَّرة والصواريخ. ماذا الآن؟ يرى عديد من القادة الغربيين أنها فرصة لتجديد الدبلوماسية مع إيران. إلا أن الرئيس دونالد ترامب لا يبالي بذلك، ومن الواضح أنه هو وكبار مستشاريه يرغبون في الخروج بشيء واحد فقط من هذا الموقف: تغيير النظام في طهران.
وثمة مشكلتان في هذه الرغبة المُلحّة ضيقة الأفق: الأولى هي أنه من غير المحتمل أن يحدث ذلك؛ فالنظام، رغم ضعفه، أقل هشاشة مما يبدو أن ترامب وفريقه يعتقدونه. والثانية هي أنه إذا حدث ذلك، فمن المحتمل أن يكون خلفاء الملالي أكثر قمعاً في الداخل وأكثر عدوانية في الخارج. باختصار، يجب أن يتوخى ترامب ومستشاروه الحذر مما يتمنونه.

تقوم سياسة ترامب الخارجية، في الشرق الأوسط وأماكن أخرى، على شعار واحد: “اظهر قوياً”. لكن ما يجب فعله بهذه القوة، وكيف يمكن استغلالها لاكتساب ميزة جغرافية إستراتيجية، لا يبدو أنها أسئلة خطرت بباله.
الاتفاق النووي كان يحقق أهدافه
على سبيل المثال، قال مستشار الأمن القومي روبرت أوبراين، في برنامج Fox News Sunday، إن “حملة الضغط القصوى” التي شنها ترامب ناجحة. وقال: “لقد اختنقت إيران، ولن يكون لديها خيار آخر سوى الجلوس إلى طاولة المفاوضات”. ولم يوضح أوبراين ما سيأتون به إلى الطاولة، ربما اتفاق نووي أفضل، اتفاق يتضمن إنهاء دعمهم للإرهابيين. وإذا تركنا جانباً مدى منطقية هذا الأمر، فهناك عدد لا حصر له من الاحتمالات.
لكن ترامب لم يكن لديه أي منها، وغرد بعدها بقليل: “أشار مستشار الأمن القومي اليوم إلى أن العقوبات والاحتجاجات (خنقت) إيران وستجبرها على التفاوض. وفي الواقع، لا يهمني تفاوضهم. الأمر متروك لهم بالكامل، ولكن.. لا أسلحة نووية ولا تقتلوا المحتجين”.
إذا كانت رغبة ترامب الرئيسية هي “التخلص من الأسلحة النووية”، فلم يكن يتعين عليه الانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة (أي الاتفاق النووي الإيراني)، التي تنص، في ديباجتها، على أن “إيران تؤكد من جديد أنها لن تسعى تحت أي ظرف من الظروف، لتطوير أو امتلاك أي أسلحة نووية”، والتي تحدد، في الصفحات الـ159 التالية، التدابير وإجراءات التحقق (التي التزمتها إيران بالكامل) اللازمة لمنع إيران -حتى لو لجأت إلى الخداع- من الحصول على أي أسلحة نوويةٍ مدة 15 عاماً على الأقل.
وماذا لو قتلوا المتظاهرين؟
أما بالنسبة لجزء “لا تقتلوا المتظاهرين”، فمن المرجح أن يُقتل مزيد منهم؛ بالنظر إلى استمرار الاحتجاجات ووحشية النظام. ماذا سيفعل ترامب إذا حدث هذا؟ هل يقتل خليفةَ سليماني أم يفجّر أحدَ مقار قيادة الشرطة؟ ثم ماذا؟

من الجدير بالثناء أن يدافع الرئيس عن المحتجين في أي نظام قمعي، لكن ليس هذا ما يحدث في هذا الموقف. إذ غرد وزير الخارجية، مايك بومبيو، برسالة أوضح: “صوت الشعب الإيراني واضح. لقد سئموا من أكاذيب النظام والفساد وانعدام الكفاءة والوحشية في الحرس الثوري الإيراني في ظل حكم خامنئي @khamenei_ir الكليبتوقراطي. نحن نقف مع الشعب الإيراني الذي يستحق مستقبلاً أفضل”.
وأوضح بومبيو، يوم الإثنين 13 يناير/كانون الثاني، خلال خطاب ألقاه في جامعة ستانفورد، فكرته حول ما يجب أن يكون عليه هذا “المستقبل الأفضل”: “نريد فقط أن تتصرف إيران مثل الدول الطبيعية، كونوا مثل النرويج”.
أولاً، تجدر الإشارة إلى أن “صوت الشعب الإيراني” أبعد ما يكون عن “الوضوح”. ومئات الآلاف الذين يحتجون على فساد النظام ومئات الآلاف الذين يحتجون على قتل الولايات المتحدة لسليماني، كلها أصوات الشعب الإيراني. وبعضهم حتى الأشخاص أنفسهم.
ثانياً، حتى لو كان صوت الناس واضحاً وموحَّداً، فهذا لا يعني أنهم يريدون -أو أن الحكومة ستوافق- أن يكونوا مثل النرويج. وكما أوضح دانييل لارسون في مجلة American Conservative: “ليست إساءة إلى النرويج، لكن أن تقول للإيرانيين أن (يكونوا مثل النرويج) يشبه إخبارهم بأن عليهم قبول أن يكون لهم تأثير ضئيل أو لا يتمتعون بأي تأثير في منطقتهم… لن تقبل أي دولةٍ الدور المحدود الذي يطالب به بومبيو، لا سيما عندما يأتي هذا الطلب من القوة العظمى الوحيدة في العالم التي تتصرف بشكل غير طبيعي أكثر من أي دولة أخرى في العالم”.
باختصار، “كونوا مثل النرويج” هو مرادف لتغيير النظام
والآن، قد يكون تغيير النظام فكرة جيدة -فنظام إيران مروع في عدة جوانب- إذا كانت أيضاً فكرة معقولة، لكنها ليست كذلك. إذ إن الاقتصاد الإيراني مضطرب، وكثير من مواطنيه، خاصةً الشباب في المدن، يكرهون قيود النظام. ولكن كما أخبرني بروس ريدل، المحلل السابق بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والذي يعمل الآن في معهد بروكينغز، في رسالة بالبريد الإلكتروني: “النظام شديد الرسوخ ويحتكر استخدام القوة، ولا يتردد في استخدامها”. وواصل قائلاً إنه إذا ازدادت خطورة التظاهرات وأصبحت أكثر انتشاراً، فالوحدات العسكرية الخاصة في الحرس الثوري الإيراني “ستستخدم القوة الغاشمة؛ للحفاظ على السلطة”.
وإذا خرجت الاحتجاجات عن السيطرة ولم تتمكن الحكومة الحالية، بقيادة الرئيس حسن روحاني، من السيطرة على الحشود، فإن السلطة الفعلية، آية الله علي خامنئي، ستعيّن حكومة جديدة. وإذا تحقق هذا الاحتمال المستبعد وسقط خامنئي ونظامه، فمن غير المرجح أن يكون خلفاؤه من المحتجين الشباب المؤيدين للغرب؛ بل سيكونون على الأرجح ضباطاً من الحرس الثوري الإيراني، الذين ما زالوا أقل ميلاً من آية الله إلى التفاوض حول الديمقراطية مع المحتجين أو حول نزع السلاح مع الغرب.
ويعقد كولين كال، وهو خبير سابق في شؤون الشرق الأوسط بوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) ومجلس الأمن القومي، ويعمل الآن أستاذاً في جامعة ستانفورد، مقارنة بين إيران ومصر في هذه النقطة، حيث أجبر المتظاهرون الشباب حسني مبارك على الخروج من السلطة، لكن الجيش هو من استولى عليها في نهاية المطاف. (ومثل الحرس الثوري الإيراني في إيران، سيطر الجيش المصري على عديد من أركان الدولة الاقتصادية والسياسية).
ولا يعني أي من هذا أنه ينبغي لواشنطن أن تقبل ببساطة -فضلاً عن تقديم تنازلات- سلوك إيران محلياً أو في الشرق الأوسط. إلا أنه من الممكن الضغط على قادة دولة مثل إيران، والتفاوض معهم في الوقت نفسه من أجل المصالح المشتركة. وقد فعلت الولايات المتحدة هذا مع الاتحاد السوفييتي طوال الحرب الباردة. وفعلت عديد من البلدان ذلك مع خصومها على مر التاريخ.
وترامب يتسامح، وفي بعض الحالات يسترضي، أنظمة أكثر قمعية وخطورة من إيران. إذ يفعل ذلك مع الصين، ويعود ذلك بصفة رئيسية إلى أنه ليس لديه خيار آخر؛ نظراً إلى حجمها واندماجها في جزء كبير من الاقتصاد العالمي، وامتلاكها حصة ضخمة من ديون الولايات المتحدة. ويفعل ذلك أيضاً مع كوريا الشمالية لأسباب ما تزال غير مفهومة، على الأقل فيما يتعلق بحبه لكيم جونغ أون.
وأحد الأشياء المشتركة بين روسيا والصين وكوريا الشمالية هو أن جميعها تمتلك أسلحة نووية. أما إيران فلا، رغم أن حكامها في مقارنتهم السياسة الأمريكية تجاه تلك الدول الأخرى بسياستها تجاه إيران نفسها، لا بد أن يكون حافزهم أقوى من أي وقت مضى لاستئناف برنامجهم النووي. فحتى مخزون محدود من الأسلحة النووية يمكن أن يردع العدو عن العدوان على بلادهم. والإيرانيون لديهم كل الأسباب لأن يخافوا -أو حتى يتوقعوا- عدواناً من الرئيس الأمريكي الحالي.
باختصار، لم تنتهِ المواجهة مع إيران بعد. وربما يكون ترامب قد اكتسب بعض النفوذ من آخر هجوم. لكن عدم رغبته في توظيف هذا النفوذ بمبادرة دبلوماسية لا يزيد الأمور إلا سوءاً.