في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2019، نشرت صحيفة The New York Times الأمريكية ما يزيد على 400 صفحةٍ من الوثائق الداخلية المسرَّبة من السلطات في منطقة سنجان ذاتية الحكم، وهي مقاطعة تقع شمال غرب الصين. وأشارت الوثائق إلى أن مليون شخص على الأقل -وربما ضعف هذا الرقم- معظمهم من طائفتي الإيغور والكازاخ وأقليات مسلمة أخرى، قد اعتُقلوا داخل ما تسمى معسكرات إعادة التثقيف بالمقاطعة، حيث يحتفظون بالمحتجزين رغم إرادتهم ويجبرونهم على تأدية أعمال يدوية، محرومين من التواصل مع أقربائهم، وفي بعض الحالات يتعرَّضون لتعذيب نفسي وجسدي.
ملاحقة ممنهجة بقرار من الحزب الحاكم
واشتملت الوثائق على تعليمات صارمة بكتم أفواه أبناء المعتقلين، إلى جانب خطابات داخلية دعا فيها الرئيس الصيني شي جين بينغ الشعب الصيني إلى عدم إبداء “أي رحمة” واستخدام كافة “أسلحة الديكتاتورية الشعبية” لمكافحة ما تعتبره السلطة تهديداً متطرفاً. وقد أكَّدت التسريبات ما خشيته منظمات حقوق الإنسان وممارسيها والمطِّلعون على الأوضاع في الصين منذ وقت طويل من أن الحزب الشيوعي الصيني منخرطٌ في الملاحقة المنهجية للأقليات المحلية الدينية والعرقية في البلاد، بحسب تقرير لمجلة Foreign Affairs الأمريكية.

وحتى الآن، نفَّذت السلطات الصينية هذه الحملة دون رادعٍ. وقد أعربت الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية عن مخاوفهم إزاء حقوق الإنسان في سنجان، لكن جاء رد المسؤولين الصينيين بالاستناد إلى سيادة دولتهم. غير أنهم يزعمون أن أفعالهم القاسية في سنجان كانت ضروريةً لحماية الصين ممَّا تطلق عليه “الشرور الثلاثة”: الإرهاب، والنزعة الانفصالية، والتطرف الديني. وما لا يحظى بالقدر نفسه من الاهتمام هو حرص الحكومة الصينية على فرض هيمنتها على منطقةٍ معارضةٍ للحكم الصيني طوال تاريخها، ومنطقة تلعب الآن دور بوابة بكين نحو قارة أوراسيا للاستثمار في البنية التحتية، والتجارة، وتنويع مصادر الطاقة.
وبالنظر إلى شدة التزام الحكومة الصينية بإرضاخ مقاطعة سنجان، فلم يُجد التنديد بانتهاكات حقوق الإنسان هناك نفعاً بالنسبة إلى واشنطن ولم يؤدِّ إلَّا إلى إثارة غضب بكين. ثمة وسيلة أفضل لتمكين صنَّاع السياسة الأمريكيين من مخاطبة الحكومة الصينية بشأن اضطهاد الإيغور والأقليات الأخرى، وهي وسيلة غير متوقَّعة: على واشنطن أن تعرض مشاركة خبرتها في مكافحة الإرهاب.
الصين تلجأ إلى تجربة روسيا مع التعديل
في الوقت الراهن، تنظر الصين إلى روسيا ودول وسط آسيا باعتبارهم شركاء أمنيين. وتتعامل هذه الدول مع مشاكلها الداخلية المتعلقة بالإرهاب عن طريق قمع الأقليات وخنق حقوق الإنسان. ولم ينجح هذا الأسلوب في روسيا إلَّا إلى كبح الإرهاب المحلي لفترة مؤقتة، ولكنه أشعل فتيل الإرهاب بالخارج. فيُذكر أن أكبر عددٍ من المقاتلين الأجانب الذين انتقلوا إلى العراق وسوريا للانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) قد جاء من جمهوريات سوفييتية سابقة. ويبدو أن الصين قد اتخذت تدابير مماثلةً، ولو استمرت على هذا المنوال، فمن المحتمل بشدةٍ أن تكون بكين ترسِّخ أسس كفاحٍ جيليٍّ مع الإيغور داخل الصين وكذلك خارجها، حيث تنمو أعداد الإيغور المنفيِّين في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا.
بإمكان الولايات المتحدة وحلفائها إرشاد الصين نحو طريق أفضل. بتقديم المشورة للصين في المسائل الأمنية، قد تساعد الولايات المتحدة على تخفيف الضغط عن الأقليات الصينية بينما تحسِّن من علاقة واشنطن مع بكين.
“الشرور الثلاثة”
يعرف أي شخصٍ يحاول فتح حوارٍ عن حقوق الإنسان في سنجان مع أحد مسؤولي الحكومة الصينية أن الحوار غالباً ما ينتهي على نحو مفاجئ، عادةً بمحاضرةٍ عن نجاح الصين في القضاء على الإرهاب داخل حدودها. وتأتي هذه السياسة باعتبارها رد فعل مباشر لعددٍ من الهجمات الإرهابية الحديثة نسبياً في الصين: إذ تستشهد الحكومة على سبيل المثال بحادثة السيارة المفخَّخة في ساحة تيانانمين عام 2013، وهجوم محطة قطارات كونمينغ عام 2014. إن استراتيجية الصين في مكافحة الإرهاب متأصلةٌ تماماً في الإيمان بأن التنمية الاقتصادية الاجتماعية لهذه المنطقة المتخلفة سابقاً من شأنها القضاء على “الشرور الثلاثة”. وهذا هو التفسير الذي قدَّمه الحزب الشيوعي الصيني لخطط التنمية في سنجان في ورقاته البيضاء وفي قانون مكافحة الإرهاب الذي سنَّه عام 2015.
قد تكون بكين محقةً في رأيها بأن الدولة البوليسية التي أنشأها الحزب الشيوعي في سنجان قد نجحت في كسر شوكة الإرهاب داخل الصين مؤقتاً. فلا توجد أدلةٌ تثبت عكس ذلك. لكن هذه الحجَّة يصعب الفصل فيها على مَن هم في الخارج، إذ لدى الصين تاريخٌ من انعدام الشفافية في أعداد الهجمات الإرهابية ومدى خطورتها في أنحاء البلاد. فضلاً عن أن الصين تعطي الإرهاب تعريفاً أشمل من التعريف الذي يعطيه المحلِّلون الأمنيون في الغرب، إذ يشمل في محكم قانونه كلاً من النزعة الانفصالية والتطرف الديني.

علاوةً على ذلك، ليست مخاوف مكافحة الإرهاب هي الذريعة الوحيدة لفرض بكين هيمنتها القاسية على سنجان. فعديدٌ من أهم أهداف السياسة الخارجية والمحلية للحزب الشيوعي تستلزم منفذاً غير مقيَّدٍ إلى المنطقة. إذ أن موقع سنجان الجغرافي بالغ الأهمية لمسارات مبادرة الحزام والطريق الأرضية التي تربط بين الأسواق الصينية والأوروبية. بجانب أنها تُعَدُّ منطقةً محوريةً لمشاريع الطاقة والأمن الصيني. على سبيل المثال، تقول وسائل الإعلام الحكومية الصينية إن خط أنابيب الغاز الصيني والشرق آسيوي الممتدَّ من تركمانستان إلى مدينة قورغاس بمقاطعة سنجان قد نقل ما يتجاوز 47.9 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى الصين في عام 2019. ومن المحتمل أن تفضي الاضطرابات السياسية في سنجان وتهديد استقلال المقاطعة إلى التغرير بأمن الطاقة الصيني وإفساد المشروع الأساسي للرئيس شي جين بينغ وتراثه السياسي. ولهذا السبب، فإن الحزب الشيوعي الصيني حريص تمام الحرص على إحكام قبضته على المقاطعة. إلا أن تطبيق ذلك من خلال القمع الديكتاتوري هو سياسة تنمُّ عن قصر نظرٍ، وقد ينتج عنها موجة جديدة من العنف الإرهابي.
هل أهل سنجان انفصاليون وإرهابيون؟
من الأصل، لا يوجد دليلٌ دامغ على ارتباط الجماعات المسلَّحة في سنجان بتنظيمات إرهابية دولية. لطالما حاولت بكين ربط الحركة الانفصالية التاريخية في سنجان بمنظمات جهادية خارج حدود الصين، مثل تنظيم القاعدة. وقد عجَّل الحزب الشيوعي الصيني بهذه الجهود خلال الألفية الجديدة، عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول وإبَّان السنوات الأولى من حرب الولايات المتحدة العالمية ضد الإرهاب. ويزعم الحزب الشيوعي أيضاً أن الحزب الإسلامي التركستاني (المعروف سابقاً باسم حركة شرق تركستان الإسلامية)، وهي جماعة جهادية إيغورية، ما زالت لديه قواعد داخل سنجان، لكن معظم خبراء الإرهاب يرون أن هذه الروابط هزيلة وأنها قد ذبلت قبل حلول 2020 بوقت طويل على أية حال.

مع ذلك، فقد صار الإرهاب يشكِّل تهديداً متصاعداً للمصالح الصينية والمواطنين الصينيين بالخارج. إذ ربط محلِّلون تفجير بانكوك عام 2015 -الذي استُهدف فيه سياح صينيون- بترحيل الإيغور من تايلاند إلى الصين، بطلبٍ من الأخيرة. فيما زعمت الأجهزة الأمنية في قيرغيزستان أن هجوم السيارة المفخَّخة عام 2018 على السفارة الصينية في عاصمتها بيشكك كانت عمليةً مشتركةً بين الحزب الإسلامي التركستاني وكتيبة التوحيد والجهاد، وهي جماعة أغلبها أوزبكستانية يقع مقرُّها في سوريا. وبالإضافة إلى ذلك، أعلنت جماعة أفغانية مسلحة مسؤوليتها عن هجومٍ وقع عام 2018 على القنصلية الصينية في كراتشي، وانتهى بتبادلٍ لإطلاق النار. وأثناء هذه الفترة كان الصينيون المقيمون بالخارج ضحايا لعدة عمليات اختطاف وإعدام.
وفي عام 2019، ذكرت منظمات إرهابية مثل القاعدة وداعش دولة الصين بوضوحٍ في كثيرٍ من موادِّها الدعائية، مستشهدةً بسوء معاملة الحزب الشيوعي الصيني للأقليات المسلمة تبريراً لملاحقة الصين والصينيِّين المقيمين بالخارج. وعلى تطبيق المراسلة Telegram تستخدم الجماعات الجهادية صوراً للفظائع التي ترتكبها الحكومة الصينية ضد الإيغور بهدف تجنيد المسلمين في أنحاء العالم وبث روح التطرُّف فيهم. والحقيقة أن الموقف في سنجان مناسب لحشد المتطرِّفين من شتى أرجاء الكوكب، تماماً كما صارت انتهاكات الولايات المتحدة في سجن أبوغريب بالعراق أداةً فعَّالةً لتجنيد المقاتلين في تنظيم القاعدة عام 2004.
صوت العقل
عبر مبادرة الحزام والطريق، أعلنت بكين مشاريع ضخمة وبارزة للبنية التحتية بالخارج تؤسِّس لكثيرٍ من الأهداف السهلة للإرهاب الدولي. والعاطفة المتنامية المعادية للصين في عديدٍ من الدول والمناطق الزاخرة بالاستثمارات الصينية -بما فيها عدة دول إفريقية ووسط آسيوية وجنوب آسيوية- تمثِّل تهديداً أمنياً خطيراً. إذ تستغلُّ منظماتٌ كهذه غضب الشعوب المحلية، ما يجعل مصالح بكين في الخارج ثغرةً محتملةً.
لدى الولايات المتحدة خبرةٌ هائلة في التصدِّي للتهديد النابع من المنظمات الإرهابية الدولية. أما الصين فتفتقر إلى هذه الخبرة وقد تستفيد من الاستعانة بخبرة الولايات المتحدة. ومع أنه من غير المحتمل عقد شراكة حقيقية بسبب الطبيعة التنافسية للعلاقات الأمريكية الصينية، فلا شك في أن واشنطن قادرة على إمداد الصين بمعلومات استخبارية موثوقة عن مخطَّطاتٍ محدَّدةٍ ضد الصين أو المصالح الصينية. وسيكون عليها تنفيذ ذلك دون فضح مصادرها أو وسائلها، لكن من المرجَّح أن تُرسي هذه المعلومات نوايا حسنةً وقد تمنح الولايات المتحدة فرصةً لإقناع الحزب الشيوعي بأن مكافحة الإرهاب بالحديد والنار من المرجَّح أن يأتي بنتائج عكسية على المدى البعيد، لا سيَّما في ظل الانتهاكات المشينة لحقوق الإنسان.
لكن من دون تعاون الولايات المتحدة، ستواصل بكين اللجوء إلى المتعهِّدين الأمنيين الخاصين، مثل إريك برينس الرئيس التنفيذي السابق لشركة Blackwater الأمنية، المعروف بتجنيده فريقاً من المرتزقة للعمل خارج الحدود القانونية المعترف بها ودون مساءلة. إلى جانب أعضاء منظمة شانغهاي للتعاون، مثل روسيا وأوزبكستان وطاجيكستان، وكلها دولٌ تمارس مكافحة الإرهاب دون اعتبارٍ لحقوق الإنسان.
أضعف الآمال
في نهاية المطاف، فإن استراتيجية بكين لمكافحة الإرهاب هي استراتيجية ذات نتائج عكسية. ومن الممكن لهذه السياسة أن تحرِّض على مزيد من العنف، وتلعب دور أداة تجنيدية، وترفع عدد الهجمات ضد المشاريع الصينية والصينيين المقيمين بالخارج. ولأجل تلافي هذا التهديد المحتمل للأمن العالمي على صنَّاع السياسة الأمريكان أولاً الاعتراف بأن الوضع في سنجان يتجاوز انتهاكات حقوق الإنسان. بل إن السياسة القمعية في بكين تخاطر بتحفيز الإرهاب الدولي ضد الصين.

على واشنطن استمالة الحكومة الصينية بعرض تقديم المساعدة على حماية أمنها المحلي بدلاً من مجرَّد التنديد بانتهاكات الحزب الشيوعي الصيني لحقوق الإنسان. قد يساعد هذا التواصل على نزع فتيل الأزمة الإنسانية والتخلُّص من السياسات القمعية في سنجان، فضلاً عن منع الصين من التقرُّب إلى روسيا ودول استبدادية أخرى.
مع انكشاف توابع السياسة الصينية المتشدِّدة في مكافحة الإرهاب، قد يجد صنَّاع السياسة الأمريكان أنفسهم يتمنُّون لو كانوا قد تصدُّوا للأزمة بالحجَّة الإنسانية المرتكزة على المصالح الأمنية، وسيتمنَّى المسؤولون الصينيون لو كانوا قد استمعوا إليها.