في وقت الصعود الصاروخي للصين وبسط نفوذها حول العالم، فجأة أصبحت الدولة العملاقة وسكانها الذين يمثلون أكثر من 18% من سكان الكوكب منبوذين ومحط سخرية من الجميع؛ عادات الأكل والنظافة الشخصية وغيرها أصبحت مثارا للانتقاد، فهل فيروس كورونا الجديد هو السبب الوحيد؟
صحيفة واشنطن بوست الأمريكية نشرت تقريراً بعنوان: “المخاوف من فيروس جديد تثير المشاعر المعادية للصين في جميع أنحاء العالم”، رصدت فيه ما يتعرض له الصينيون حول العالم.
انتشار المشاعر العدائية
انتشر فيروس جديد مخيف من الصين إلى جميع أنحاء العالم. انتشارٌ تزايدت معه المشاعر المعادية للصين، والدعوات إلى فرض حظر سفر كامل على الزوار الصينيين، والإهانات للصينيين وآسيويين آخرين.
أخذت مطاعم في كوريا الجنوبية واليابان وهونغ كونغ وفيتنام ترفض استقبال زبائن صينيين، ونظم إندونيسيون مسيرة بالقرب من أحد الفنادق مطالبين ضيوفه الصينيين بمغادرة بلادهم. وتواجه صحف فرنسية وأسترالية انتقادات للعناوين العنصرية التي تستخدمها لتغطية الموضوع. وقد أخذ صينيون وآسيويون آخرون في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا والمحيط الهادي يشكون من عنصرية يتعرضون لها.
وقد أبلغت نحو 20 دولة خارج الصين عن حالات إصابة بفيروس كورونا الجديد، والذي أودى بحياة أكثر من 360 شخصاً وأصاب آلافاً آخرين في الصين، وأرسل عدد كبير من الدول طائرات إلى ووهان الصينية لإجلاء رعاياها.
تأتي المشاعر المعادية للصين في وقت كانت بكين تعزز فيه من نفوذها العالمي، وقد تسبب الصعود الصيني في نزاعات تجارية وسياسية ودبلوماسية مع عديد من البلدان.

ولكن مع تزايد الخوف من المرض الغامض، باتت ردود الفعل أكثر حدة إزاء الصين، وفي بعض الأحيان ردود فعل عنيفة ضد الآسيويين عامةً، وسنلقي نظرة هنا على تغطيات خاصة بالموضوع حول العالم:
كوريا الجنوبية
ضجت مواقع الإنترنت الكورية الجنوبية بتعليقات تدعو الحكومة إلى حظر وطرد الصينيين، وإشارات عنصرية حول عادات الطعام للصينيين ونظافتهم الصحية. وعلّق مطعم شهير للمأكولات البحرية في سيول يتردد عليه السياح الصينيون، لافتةً كتب عليها: “ممنوع دخول الصينيين”، قبل أن يُنزلها يوم الأربعاء بعد انتقادات عنيفة له على الإنترنت.
كان أكثر من 650 ألف كوري جنوبي وقعوا التماساً انتشر عبر شبكة الإنترنت، وقُدّم بعد ذلك إلى البيت الأزرق الرئاسي، يدعون فيه إلى فرض حظر مؤقت على الزوار الصينيين. حتى إن بعض نواب المعارضة المحافظين أيّدوا هذه الخطوات علناً، وقد تجمع نحو 30 شخصاً بالقرب من البيت الأزرق يوم الأربعاء لمطالبة الحكومة بحظر السياح الصينيين فوراً.
وقالت صحيفة JoongAng Ilbo الكورية الجنوبية واسعة الانتشار في افتتاحيتها يوم الخميس إن “رهاب الأجانب المطلق ضد الصينيين آخذ في الازدياد في كوريا الجنوبية. هذا في حين أن الأمراض المعدية مسألة علمية، وليست قضية يمكن حلها بالمشاعر العاطفية وانغمارها”.
الولايات المتحدة
بعد أن ظهرت أنباء تفيد بأن شخصاً ما يدرس في جامعة ولاية أريزونا مصاباً بالفيروس، تقول آري دينغ، وهي أمريكية صينية، إنها جلست إلى طاولة دراسة في الحرم الجامعي تيمبي بولاية أريزونا، بالقرب من خمسة طلاب آخرين، لتتفاجأ دينغ، التي كانت الآسيوية الوحيد في الجلسة، بالطلاب الآخرين وقد بدأوا يهمسون إلى بعضهم بعضاً. “لقد توتروا بشدة، وسرعان ما جمعوا أغراضهم وغادروا في آن معاً”.
وتقول دينغ إن طالباً غير آسيوي يدرس التجارة قال لها مؤخراً: “لا أقول ذلك بدافع عنصري، ولكن هناك كثيراً من الطلاب الدوليين الذين يعيشون في المجمع الذي تقع فيه شقتي. إنني أبذل قصارى جهدي للبقاء على مسافة بعيدة، ولكني أعتقد أنه من الاحتياط الجيد لنا جميعاً أن نغسل أيدينا”.
وقالت: “هذه التلميحات تؤلمني بين الحين والآخر لكني لا أدعها تشغل حيزاً في ذهني أو تشكل عبئاً على ضميري”.
وفي الوقت نفسه، أزال مركز الخدمات الصحية في بركلي بجامعة كاليفورنيا منشوراً من على موقع إنستغرام يوم الخميس، والذي قال إن “المخاوف بشأن التفاعل مع أولئك الذين قد يكونون من آسيا والشعور بالذنب تجاه تلك المشاعر ردُّ فعلٍ طبيعي على تفشي فيروس كورونا”.
ويقول غريغ أورتن، مدير المجلس الوطني للأمريكيين ذوي الأصول الآسيوية، إنه “مهما بلغ الوقت الذي قضيناه في هذا البلد، فإنه في بعض الأحيان يُنظر إلينا على الفور على أننا أجانب. إنها حقيقة محبطة إلى حد كبير لكثيرين منا”.
هونغ كونغ
عمّق الفيروس المشاعر المعادية للصين في هونغ كونغ، بعد أن كانت الاحتجاجات ضد نفوذ بكين قد عمّت لأشهر المدينة الصينية التي تتمتع بحكم شبه ذاتي.
في الأسبوع الماضي، أوقفت رئيسة هونغ كونغ التنفيذية، كاري لام، خدمات النقل بالعبّارات والقطارات فائقة السرعة إلى البر الصيني الرئيسي، وقلّصت عدد الرحلات الجوية بين هونغ كونغ والمدن الصينية.
وأعلن مطعم Tenno Ramen، وهو مطعم ياباني للمعكرونة في هونغ كونغ، رفضه استقبال الزبائن الصينيين.
وقال المطعم على صفحته على موقع فيسبوك: “نريد أن نعيش لفترة أطول. نريد حماية زبائننا المحليين. نرجو أن تعذرونا”.
أوروبا

أطلق أحد المعلمين في فرنسا وسماً عبر موقع تويتر مؤخراً تحت عنوان #JeNeSuisPasUnVirus (أنا لست فيروساً) أخذ يستقطب عديداً من الروايات عن ممارسات تمييزية تعرض فيها الأطفال للسخرية منهم في أفنية مدارسهم وروايات أخرى عن ركاب مترو الأنفاق الذين أخذ الناس يبتعدون عنهم لمجرد أن مظهرهم يبدو آسيوياً.
تتمتع فرنسا بمجتمع آسيوي كبير ومتنامٍ، ويمثل الزوار الصينيون أحد أعمدة السياحة الفرنسية، لكن التحيزات القديمة يبدو أنها أعمق من ذلك. فقد نشرت إحدى الصحف المحلية في شمال فرنسا عنواناً في صفحتها الأولى تحذّر فيه من “إنذار أصفر”، ثم اعتذرت في وقت لاحق من جرّاء انتقادات وطنية تعرضت لها.
يقول سوك لام، وهو مستشار قانوني لمجموعات من الجالية الصينية المقيمة في باريس، “إنه فيروس أتى من إحدى المناطق في الصين. أي إنه كان من الممكن أن يأتي من شمال إفريقيا أو من أوروبا أو من أي مكان. ويجب ألا يعتبرنا الناس مصدراً محتملاً لنشر الفيروس لمجرد أننا آسيويون”.
على الجهة الأخرى، نشرت صحيفة Jyllands-Posten الدنماركية رسماً كاريكاتيرياً استبدلت فيه بالنجوم الصفراء في العلم الصيني أخرى ترمز إلى الفيروسات. ووصفت السفارة الصينية في كوبنهاغن الصورة بأنها “إهانة للصين”، وطالبت الصحيفة بالاعتذار عنها.
أما مجلة Der Spiegel الألمانية فصدرت إحدى صفحاتها بعنوان “صنع في الصين” إلى جانب صورة لشخص يرتدي ملابس واقية.
ويوم الجمعة، نشر مقهى يقع بالقرب من نافورة تريفي في مدينة روما الإيطالية، وهو أحد المواقع السياحية الشهيرة، إشعاراً على نافذته يقول: “لا يسمح المكان بدخول أي شخص قادم من الصين”، وفقاً لوكالة الأنباء الإيطالية ANSA، إلا أنه عندما ذهب صحفيو وكالة AP للتحقق من الخبر، كان المنشور قد أزيل من على النافذة.
أستراليا، ونيوزيلندا
وقّع أكثر من 51 ألف شخص على عريضة جرى تداولها عبر شبكة الإنترنت تطالب بتقديم أكبر صحيفتين في أستراليا اعتذاراً رسمياً عن عناوين مسيئة نشرتها.
وتدين العريضة عنواناً نشرته صحيفة Herald Sun الأسترالية التي تصدر من مدينة ملبورن يوم الأربعاء الماضي، والذي كان نصه: “جائحة pandemonium الفيروس الصيني”، وتضمّن خطأ إملائياً متعمداً ينطوي على إشارة عنصرية إلى حيوان الباندا الذي تتخذه الصين رمزاً لدبلوماسيتها، إضافة إلى عنوان صدر في اليوم ذاته صحيفة The Daily Telegraph التي تصدر من مدينة سيدني الأسترالية، والذي كتب فيه: “على أطفال الصين البقاء في منازلهم”.
وحكت السنغافورية كيوي دوليس تشوا لصحيفة The New Zealand Herald النيوزيلندية كيف أنها عندما ذهبت إلى مركز تجاري في مدينة أوكلاند النيوزيلندية الأسبوع الماضي لشراء بطاقة زفاف، رمقتها إحدى السيدات بنظرة اشمئزاز وقالت لها: “أنتم الآسيويون من جلبتم إلينا هذا الفيروس”، وتقول تشوا، التي تعيش في نيوزيلندا منذ 21 سنة، إن هذه “عنصرية وأمر يتجاوز الوقاحة”.
اليابان
أخذ عدد كبير من اليابانيين يوجهون تعليقات عبر وسائل التواصل الاجتماعي للمطالبة بحظر استقبال الزوار الصينيين، وسط مخاوف من وصولهم إلى اليابان لتلقي علاجات للفيروس. وقالت إحدى التغريدات على موقع تويتر: “أرجوكم، افرضوا حظراً فورياً على السياح الصينيين”، في حين قالت أخرى: “أنا مرعوبة من احتمال إصابة طفلي بالفيروس”.
وتصدّر متجر للحلويات يقع في هاكوني، وهي بلدة بركانية تقع غرب العاصمة طوكيو، عناوين الصحف مؤخراً بعد أن نشرة لافتة يقول فيها: “ممنوع دخول الصينيين إلى المتجر”. ويوم الأربعاء، نشرت سلسلة مطاعم Menya Hareruya في مدينة سابورو، عاصمة محافظة هوكايدو الواقعة في شمال اليابان، والشهيرة بتقديم طبق الرامن الشعبي الياباني لافتةً تقول: “يُمنع دخول السائحين الصينيين”.
ويقول تشانغ جياكي، وهو طالب صيني يدرس في طوكيو، إنه لم يواجه أي ردود فعل مسيئة من زملائه وأصدقائه اليابانيين، لكنه فقط “لاحظ أن بعض الأشخاص أخذوا يديرون ظهورهم لي أو يراقبوني بنظرات غاضبة على وجوههم عندما كنت أتحدث مع أصدقائي باللغة الصينية”.
جنوب شرق آسيا
في نهاية الأسبوع الماضي، نظّم عدة مئات من سكان مدينة بوكيتنغي السياحية الإندونيسية مسيرةً بالقرب من فندق نوفوتيل، حيث يقيم نحو 170 سائحاً صينياً، للاحتجاج على السماح بدخولهم إلى إندونيسيا.
وأغلق المحتجون الطرق بالقرب من الفندق لمنع الصينيين، الذين وصلوا قبلها بيوم واحد، من الخروج من الفندق، لتقرر السلطات المحلية إعادة الزائرين إلى بلادهم في وقت لاحق من اليوم.
كما وقع أكثر من 400 ألف ماليزي على عريضة عبر الإنترنت تدعو إلى فرض حظر على القادمين من الصين، وتحث الحكومة على “حماية عائلات الماليزيين وأطفالهم”.
واتجه أحد الفنادق في دا نانغ الفيتنامية، وهي مقصد شاطئي شهير، إلى رفض استقبال السياح الصينيين.
وقال أبنير فوانغ، وهو ضابط شرطة وعمدة سابق، إنه أحرق العلم الصيني يوم الجمعة أمام “نادي الصحافة الوطني” في مانيلا، عاصمة الفلبين، للتعبير عن احتجاجه على المشكلات التي جلبتها الصين على الفلبين ودول جنوب شرق آسيا الأخرى، وآخرها الفيروس، إضافة إلى مطالبة الصين بالسيادة على جزر متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي.
وقال مكتب الرئاسة الفلبيني في بيان: “ندعو الجميع إلى عدم الانخراط في أي سلوك تمييزي، وعدم التصرف بأي تحيز تجاه إخواننا الصينيين. الواقع أن الجميع عرضة للإصابة بالفيروس”.