كيف تستغل واشنطن فيروس كورونا للضغط على الصين ولماذا يغرد ترامب خارج السرب؟

يبدو أن الولايات المتحدة لا تريد تفويت فرصة فيروس كورونا الذي ضرب الصين كي تزيد من الضغوط على بكين، لكن الغريب هو تصريحات الرئيس دونالد ترامب التي تعد تغريدا خارج السرب، فكيف تنعكس كارثة فيرونا على العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم؟

صحيفة واشنطن بوست الأمريكية نشرت تقريرا بعنوان: “كيف يتسبب فيروس كورونا في تفاقم التوترات بين أمريكا والصين؟”، أعده إيشان ثارور صحفي أمريكي وألقى فيه الضوء على تفاعلات الوباء داخل أروقة السياسة في واشنطن.

هل زاد الفيروس الطين بلة؟

كانت العلاقات بين الولايات المتحدة والصين متوترةً بالفعل وسط معارك مستمرةٍ بينهما بشأن التجارة والأمن السيبراني، ثم ازداد الطين بلَّةً بسبب فيروس كورونا، الذي نشأ في مدينة ووهان الصينية في نهاية العام الماضي 2019 وأودى بحياة أكثر من 1886 شخصا حتى أمس الاثنين 17 فبراير/شباط، وأدى إلى تعليق الرحلات في بعض أجزاء المنطقة وأثار احتمالية حدوث ركود في بعض الاقتصادات الكبرى.

وصحيحٌ أنَّ السلطات الأمريكية تمكَّنت حتى الآن من منع انتشار الفيروس في البر الرئيسي الأمريكي من خلال الحجر الصحي وفرض حظر سفر على مناطق معينة، ولكن هناك مخاوف من اندلاع موجةٍ جديدة محتملة من الإصابات، فيما يُعرِب مسؤولون أمريكيون عن استيائهم من نظرائهم الصينيين بسبب ضعف مستويات المعلومات التي يشاركونها عن الفيروس.

إجماع أمريكي على كراهية الصين

ويُمكن القول إنَّ هذه التوترات الجديدة النائشة بسبب إدارة حالة طوارئ صحية عامة عالمية تطفو على سطح بئرٍ عميقة من انعدام الثقة بين الطرفين، ففي واشنطن، ما زالت كراهية الصين من الأمور النادرة التي يتفق عليها الحزبان الجمهوري والديمقراطي، إذ شكَّك بعض المُشرِّعين الأمريكيين، خلال الشهر الماضي يناير/كانون الثاني، في اعتماد بلادهم على الصين في الحصول على منتجات دوائية، وانتقدوا علانيةً استبعاد منظمة الصحة العالمية لتايوان من اجتماعاتها احتراماً لبكين، وأبدوا مخاوفهم بشأن تعاون الصين في التعامل مع انتشار فيروس.

وفي الشهر الماضي، ذكر وزير التجارة الأمريكي ويلبر روس أنَّ ظهور الفيروس الجديد يمكن أن يحمل أخباراً سارة للولايات المتحدة لأنَّه قد يساعد في “تسريع عودة الوظائف إلى أمريكا الشمالية”.

سيناتور يروج لنظرية المؤامرة

فيما اتبع بعض الأمريكيين الذين يُفضِّلون الأساليب الشديدة في التعامل مع الصين نهجاً أكثر صرامة، ففي المراحل المبكرة من الأزمة، دعا السناتور توم كوتون (الجمهوري عن ولاية أركنساس) إلى التعليق الكامل للسفر التجاري بين الصين والولايات المتحدة، وفي وقتٍ لاحق، تحدث مراراً عن احتمالية ظهور الفيروس بسبب تطوير سلاحٍ بيولوجي صيني مُتعمَّد، مما أثار حفيظة مبعوث بكين إلى واشنطن.

وقال كوتون لشبكة Fox News يوم الأحد الماضي 16 فبراير/شباط، مشيراً إلى أنَّ الفيروس ربما انبثق من مختبرٍ صيني معروف بالقرب من سوق ووهان: “لا نعرف منشأ (الفيروس) وعلينا أن نكتشف حقيقة ذلك. ونعلم أيضاً أنَّه على بعد بضعة أميال فقط من هذا السوق الخاص بالمواد الغذائية يوجد المختبر الفائق الصيني الوحيد ذو المستوى الرابع من السلامة الأحيائية الذي يُجري أبحاثاً حول الأمراض البشرية المُعدية”.

وأضاف: “في الوقت الحالي، ليس لدينا دليلٌ على أن هذا المرض نشأ هناك، ولكن بسبب ازدواجية الصين وعدم تحلِّيها بالأمانة من البداية، نحتاج على الأقل إلى طرح الأسئلة لمعرفة ما تقوله الأدلة”.

ولكن سرعان ما دحض بعض الخبراء ادِّعاءات كوتون، إذ قال ريتشارد إبرايت، أستاذ البيولوجيا الكيميائية في جامعة روتغرز، لزملائي: “لا يوجد أي شيء على الإطلاق في تسلسل الجينوم الخاص بهذا الفيروس يشير إلى أنَّ الفيروس صُمِّم. لذا يُمكن استبعاد احتمالية أن يكون هذا سلاحاً بيولوجياً أطلق عمداً بكل تأكيد”. 

فيما قال فيبين نارانغ، الأستاذ المساعد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إنَّ تصريحات كوتون “غير مسؤولة إلى حدٍّ ما” ومنجرفة نحو عالم نظرية المؤامرة. وأضاف: “ينبغي لكوتون أن يقضي وقتاً أطول في تمويل الوكالات الأمريكية التي يمكنها المساعدة في احتواء الفيروس ومكافحته بدلاً من محاولة توجيه اللوم”.

ترامب يغرد خارج السرب

وفي هذه الأثناء، يتبع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نهجاً مختلفاً تماماً، إذ أثارت تصريحاته اللطيفة عن الرئيس الصيني شي جين بينغ -الذي أشاد ترامب في الأسبوع الماضي بتعامله مع الأزمة- قلق المسؤولين في الإدارة الأمريكية الذين قالوا إنَّ البيت الأبيض يجب أن يتخذ موقفاً أكثر صرامة.

جدل حول دور الرئيس الصيني في معالجة الأزمة/رويترز

وقد ذكر بعض زملائي في مقالةٍ نشرتها صحيفة The Washington Post الأمريكية: “ما زال ترامب، على غير عادته، ملتزماً بضبط النفس في تصريحاته العامة عن فيروس كورونا، الذي أصاب أكثر من 70 ألف شخص، معظمهم في الصين. وقد أثارت إشادة ترامب بالرئيس الصيني شي غضب بعض المستشارين، الذين يقولون إنَّ المجاملات ليس لها مبررٌ في الوقت الذي ما زالت الولايات المتحدة تعمل فيه على وصول فريق من الخبراء إلى بياناتٍ ومواقع صينية لدراسة الفيروس، والمساعدة في التعامل معه، والحصول على جميع المعلومات اللازمة”.

وعلى جبهاتٍ أخرى، تخوض إدارة ترامب ما تعتبره منافسةً تاريخية كبرى مع الصين الصاعدة، ففي المؤتمر الأمني ​​السنوي الكبير الذي عقد في ميونيخ في نهاية الأسبوع الماضي، وجَّه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ووزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر انتقاداتٍ شديدة إلى التهديد الصيني.

إذ قال إسبر: “في ظل حكم الرئيس شي، الحزب الشيوعي الصيني يسير بخطى أكثر وأسرع في الاتجاه الخاطئ بممارسة المزيد من القمع الداخلي، واتِّباع سلوكٍ أكثر افتراساً وأساليب أشد وحشية، واتخاذ موقف عسكري أكثر عدوانية، وهذا الأمر الأخير هو أبرز ما يُقلقني”. لكنَّه أضاف أنَّ “الولايات المتحدة لا تسعى إلى الصراع مع الصين”، وتأمل أن تساعد بكين في التعامل مع تفشي فيروس كورونا.

ماذا عن موقف أوروبا؟

غير أنَّ التوترات الناجمة عن الفيروس تُهدِّد بمفاقمة الفجوة المتزايدة بالفعل، إذ كتبت رنا فوروهار في صحيفة The Financial Times البريطانية أنَّ “فيروس كورونا قد يصبح نقطة تحوُّل في عملية الانفصال الاقتصادي، فالشركات التي كانت مترددةً بشأن التعامل مع الصين يُمكن أن تبدأ في نقل سلاسل التوريد الخاصة بها إلى دولٍ أخرى. وفي الوقت نفسه، سيكون لدى الصينيين، الذين يشعرون بأنَّهم محاصرون وحدهم في جهود التعامل مع الفيروس، المزيد من الأسباب لمواصلة انعزالهم، وإنشاء نظامهم التقني الخاص”.

وبالنسبة للمتفرجين الأوروبيين، فهذا قد يعني عدم استمرار انحيازهم إلى صف واشنطن، إذ كتب ماثيو كارنيتشنغ المراسل في مجلة Politico الأمريكية أنَّ منتدى ميونيخ سلَّط الضوء على “العوالم الموازية” التي تنظر من خلالها إدارة ترامب وأقرب شركائها من الدول الأوروبية إلى أجندتها الأمنية. 

وفي تصريحاتٍ سبقت صعود وزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى منصة المؤتمر، قال فولفغانغ إيشينغر، الدبلوماسي الألماني المحترم ورئيس المؤتمر، إن “الصين لا تتلقى معاملةً عادلة”، وأضاف: “أعتقد أنَّ الصين تستحق بعض التعاطف والتعاون وبعض عبارات الدعم والتشجيع بدلاً من النقد فقط”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top