ذهبت السكرة وجاءت الفكرة! هكذا تريد الصين تحقيق أكبر مكسب من كورونا

يبدو أن الأزمة التي يمر بها العالم بسبب فيروس كورونا قد تكون مصدراً لمكاسب سياسية واقتصادية لبعض البلدان التي كانت يوماً ما بؤرة انتشار الوباء، ومن هذه البلدان الصين التي تريد الآن استغلال حالة الذعر العالمي لكن بشكل آخر.

وبحسب تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية، تبرعت الصين في الأسابيع القليلة الماضية بأجهزة للكشف عن فيروس كورونا المستجد لكمبوديا، وأرسلت طائرات محملة بأجهزة تنفس صناعي وأقنعة واقية وطواقم طبية إلى إيطاليا وفرنسا، وتعهدت كذلك بمساعدة الفلبين وإسبانيا ودول أخرى، وأوفدت أطباء إلى إيران والعراق. 

الرئيس الصيني شي جين بينغ أعرب عن مواساته لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، قائلاً: “بعد الغيوم تشرق الشمس”، وأضاف أنَّ الدولتين يجب أن تعززا التعاون والتواصل إثر تفشي هذا الفيروس. 

التلميع الصيني

وبحسب الصحيفة البريطانية، فمع تزايد تفشي الفيروس وسعي الدول لمواجهته، أبرزت الصين نفسها على أنها رائدة ومتبرعة سخية في مجال الصحة العامة، وتبني في سبيل ذلك شكل القوة الناعمة الذي تحتاجه بكين، في الوقت الذي تتصاعد فيه حدة الخصومة مع الولايات المتحدة والانتقادات الموجهة لنفوذها العالمي. 

وكان أول ظهور لفيروس كورونا بالعالم في مدينة ووهان، وسط الصين، في ديسمبر/كانون الأول، ودفع الدولة إلى حالة طوارئ بعد إصابة أكثر من 80 ألف شخص ووفاة 3000 على الأقل. وشكَّل الغضب الشعبي والانتقادات من إخفاء الحكومة معلومات خلال المراحل الأولى من ظهور المرض، واستجابتها البطيئة، مما تسبب في انتشار الفيروس على نطاق واسع، تهديداً خطيراً على القيادة الصينية، لم تواجه مثله منذ عقود.    

الرئيسين الأمريكي والصيني في لقاء سابق/ رويترز

لكن مع انخفاض عدد الإصابات الجديدة بدرجة كبيرة، عقب إجراءات الحجر الصحي الصارمة التي تبنتها الصين والتباعد الاجتماعي بين الشعب، تغيرت الرسائل التي تبعث بها بكين إلى العالم. ففي الأسابيع الأخيرة، زعمت أنها توشك على الانتصار على الفيروس، وأشادت وسائل الإعلام الحكومية بدعم الصين للبلدان الأخرى التي تواجه تفشي المرض.

وفي هذا السياق، قالت ناتاشا كسام، زميلة أبحاث في معهد لوي في سيدني، ودبلوماسية أسترالية سابقة: “نرى الآن المسؤولين الصينيين ووسائل الإعلام الحكومية يقولون إن الصين أتاحت للعالم الوقت للاستعداد لهذا الوباء”.

وأضافت ناتاشا: “نحن نعلم أنَّ آلية الدعاية داخل الصين قادرة على إعادة كتابة التاريخ، لكننا نرى هذا المشهد يتكرر الآن في الخارج. إذ كُتِب بالفعل انتصار الصين على فيروس كوفيد-19، وتحاول السلطات جاهدةً إيصالَ هذه الرسالة إلى الخارج”.

ماذا تريد الصين من وراء هذا الأمر؟

ويقول الخبراء إنه على الرغم من أنَّ هذه الجهود تحمل طابعاً إنسانياً حقيقياً، لكن لها أغراضاً سياسية تستحق الاهتمام. وفي اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء الإيطالي، جوزيبي كونتي، هذا الأسبوع، قال الرئيس الصيني إنه يأمل في إقامة “طريق الحرير الصحي” في إطار مبادرة الصين العالمية “حزام واحد، طريق واحد“، التي تعرضت لانتقادات من الدول التي تشعر بالقلق من توسع نفوذ الصين وتأثيرها.

الرئيس الصيني في ووهان بؤرة الفيروس

من جانبه، قال نواه باركين، زميل أبحاث زائر في صندوق مارشال الألماني: “لا حرج في مساعدة الصين الدول الأوروبية ودولاً أخرى، خاصة الآن وقد نجحت في احتواء الفيروس على أرضها. ومن الواضح أيضاً أنَّ [بكين] ترى مساعدتها على أنها أداة دعائية”.

ووفقاً لباركين، تسعى الصين من خلال تقديم الدعم لدول مثل إيطاليا، تسليط الضوء على الصعوبات التي واجهتها الدول الأوروبية في مساعدة بعضها البعض، ووضع نفسها في مقارنة مع الولايات المتحدة، التي تصب في صالحها. وأوضح باركين: “بينما يصدم ترامب أوروبا بفرص حظر سفر عليها، تبرز الصين على أنها صديق كريم وغير أناني”.

ويبدو أنَّ هذه الجهود تؤتي ثمارها. ففي الأسبوع الماضي، نشر وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو مقطع فيديو لنفسه على فيسبوك بينما يشاهد لقطات حية لطائرة محملة بالإمدادات والأطباء قادمة من الصين، مشيراً إلى أنَّ بكين أول دولة ترسل مساعدات. في حين أعرب الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، في مؤتمر صحفي هذا الأسبوع، عن ثقته في “أخيه وصديقه شي جين بينغ”. وقال: “الدولة الوحيدة التي يمكنها مساعدتنا هي الصين”.

الصين من الوباء إلى محاربته

وتستهدف هذه الحملة الدعائية الرأي العام المحلي بقدر ما تستهدف المجتمع الدولي. إذ وصفت عناوين وسائل الإعلام الحكومية الأخيرة وصول الطواقم الطبية الصينية إلى إيطاليا بأنه ردٌ على “صرخات الاستغاثة” التي أطلقتها روما.

وقال باركين: “هذا يرسل رسالة للجمهور مفادها بأنَّ الصين تغلبت على الأزمة في الداخل وهي الآن قادرة على مساعدة الآخرين. وهذا يساعد على تدعيم رواية رفع المعنويات التي يروجها الحزب الشيوعي الصيني، وتحويل الانتباه عن إخفاقاته المبكرة في معالجة الأزمة”.

الرئيسين الأمريكي والصيني/ رويترز

لكن من غير المرجح أن ينسى الشهود والمنتقدون، الذين عاصروا استجابة الصين المبكرة للأزمة، هذا التاريخ الحديث. وفي بعض الحالات، ذهبت الرسائل التي تروجها الصين إلى حد بعيد. إذ نشرت صحيفة The People’s Daily الصينية رسماً بيانياً يظهر فيه أنَّ عدد الإصابات الجديدة في جميع أنحاء العالم تجاوز الإصابات داخل الصين، ومعه عنوان مبتهج يشيد بـ “التغير” في الحظوظ.

وعلَّق أحد رواد الإنترنت على هذا قائلاً: “أنابيب المياه في منزلك كُسِرَت وأغرقت منازل الآخرين. هل هذا هو العصر الذهبي الذي تتمناه؟”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top