عندما حضر الضابط كارلتون ويلهويت للخدمة في ذلك اليوم لم يكن يعلم أنه سيركع. كان قد أمضى الصباح وهو يتنقل في منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، ويقرأ مشاعر مُعادية للشرطة، وقبل ساعات من توجهه إلى الاحتجاجات، قام شاب أبيض بتوبيخه لارتدائه هذا الزي الرسمي.
ظل ويلهويت يفكر في اللقاء بالمحتجين، أي المواقف سيتخذ؟ لكنه وجد نفسه راكعاً في شارع بالعاصمة واشنطن دي سي أمام مجموعة من المتظاهرين، في نفس اليوم وبمدن متفرقة ركع عدد هائل من الضباط أمام المحتجين، معلنين تضامنهم في صمت مع قضية “حياة السود مهمة”، لتبرئة أنفسهم مما ارتكبه الضابط الأبيض دريك تشوفين تجاه ضحيته القتيل جورج فلويد في ٢٥ مايو/أيار الماضي.
ربما لم تتسع الصورة لتضم بعض الضباط الذين رفضوا الركوع أمام المحتجين طلباً للصفح، والذين أطلقوا قنابل الغاز المسيل للدموع ويطلقون الرصاص المطاطي على الحشود، وأحياناً على الصحفيين، بل ضمّت الضباط الذين انضموا واحداً تلو الآخر لدقائق من الصمت، كان لها أثر السحر على المحتجين الذين انهمروا في البكاء وعانقوا الضباط وأشادوا بهذه اللفتة، لكن ماذا يعني أن يركع أحدهم على ركبته؟
الركوع من أجل المضطهدين
في أغسطس/آب ٢٠١٦، لم يجد كولين كابيرنيك، لاعب الوسط بفريق سان فرانسيسكو 49er بدوري كرة القدم الأمريكية) الوسيلة للاحتجاج على اضطهاد الأقليات، وتجاوزات رجال الشرطة ضد السود، إلا من خلال الركوع على ركبة واحدة أثناء وقوف الجميع احتراماً للنشيد الوطني، مؤكداً أنه لن يحيي علم دولة لا تحترم الأقليات.
أثيرت ضد كابيرنيك حملة هجوم شرسة، دفع ثمنها إلى اليوم، وذلك لحرمانه من التوقيع لأي ناد آخر، ما اضطره إلى التخلي عن مستقبله الرياضي، بعد أن أصبح منبوذاً من الجميع، إلا من شركة نايكي التي استخدمته كوجه دعائي في حملة واجهت بها العالم، لتدعم الأقليات المضطهدة، ما عرضها لدفع الثمن أيضاً، في مواجهة نسبة من عملائها البيض الذين حرقوا منتجات نايكي اعتراضاً على دعم كابيرنيك.
كما أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حينها سهامه ضد كابيرنيك، وقال له: “ابحث لك عن وطن آخر، لماذا يصر هؤلاء على العيش في هذه البلاد؟”. وتعجب من عدم اتخاذ حكم المباراة موقفاً حاسماً من كابيرنيك، قائلاً: “اطرد ابن العاهرة من الملعب”.
لم يصمد كثير من اللاعبين إلى جانب كابيرنيك، لا سيما بعد أن فقد الأخير أي فرصة للعودة، فما كان من المتضامنين معه إلا الوقوف أثناء النشيد الوطني، لكن كابيرنيك أصر على موقفه تجاه قضيته، واتجه للعمل الحقوقي.
الركوع تاريخياً
فكرة الركوع على ركبة واحدة ليست موثقة تاريخياً بأي حدث مرتبط بالاعتذار، يبدو أنها سلوك حديث إلى حد كبير، فالركوع مرتبط بشكل عام بالتواضع والاستعباد والدعاء، وأحياناً كان يركع الفرسان أمام الأمراء لتلقي الأوسمة، والجيوش المهزومة أمام الفاتحين، وهو في جميع الأحوال بيان جسدي دالّ على الولاء والاستسلام.
