كيف تسعى الصين كقوة عظمى إلى إدارة الصراع الإقليمي بين السعودية وإيران؟

الصين كقوةٍ عظمى تختلفُ في تعاطيها مع الأزمات حول العالم عن الطريقة الأمريكية، حيث من الصعب أن تُفصح بكين على لسان مسؤوليها عن توجهاتها، بل تعتمد على الباحثين، فماذا يقول هؤلاء عن علاقة التنين مع إيران من جهة، ودول الخليج وتحديداً السعودية والإمارات من جهة أخرى؟

موقع Responsible Statecraft الأمريكي نشر تقريراً بعنوان: “الصين تضغط في الخفاء على دول الخليج لتقليل التوترات الإقليمية”، ألقى الضوء على ما تسعى بكين لتحقيقه من خلال الشراكة الاستراتيجية مع طهران.

الصين لا تفصح عن سياساتها

الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن مع الرئيس الصيني شي جين بينغ/رويترز

إن النقاشات العامة المتعلقة بسياسة الصين تجاه الشرق الأوسط هي نقاشات صينية داخلية، بقدر ما هي إشارات إلى توجه فكر بكين وجهودها لدفع دولٍ مثل السعودية والإمارات في اتجاه تغيرات سياسية محتملة.

معتمدة على الأكاديميين بدلاً من المسؤولين، تُرسل الصين إشارات إلى دول الخليج بخصوص التغييرات التي سيتعين عليهم فعلها لتمكين الصين من الانخراط أكثر في الأمن الإقليمي والتوازنات الجيوسياسية.

الرسالة الضمنية من كتابات الأكاديميين وتصريحاتهم هي أن الفشل في تقليل التوترات، وبالأخص مع إيران، قد يُقنع الصين إما بتقليل إسهامها الاقتصادي في الشرق الأوسط أو التركيز على العلاقات مع الدول غير العربية، ودولتان منهما عدوتان لدودتان للسعودية والإمارات.

بالأساس، إشارات الصين الخفية للدول الخليجية تتماشى مع مقترحٍ روسي يدعو إلى اتفاقية عدم اعتداء مع إيران وربما تركيا، ستقلل خطر خروج هذه النزاعات عن السيطرة، وتُمكن الصين من التوسع في ارتباطاتها بالمنطقة إلى مجالات أخرى غير الاقتصاد.

“قلّلوا التوتر في الخليج”

في آخر هذه الإشارات، قال الباحث الصيني في شؤون الشرق الأوسط فان هونغدا، إن الصين بدلاً من “المبالغة في تقدير” أهمية الدول العربية، عليها الانتباه أكثر إلى القوى غير العربية في الشرق الأوسط، ومنها تركيا وإسرائيل وبالأخص إيران.

شراكة استراتيجية بين الصين وإيران

وقال فان في مقالٍ نشرته صحيفة Lianhe Zaobao الصينية في سنغافورة: “نظراً لاستعداد إيران الظاهر لتعميق العلاقات الثنائية (مع بكين)، على الصين أن تستجيب بصورة أنشط”.

وجادل فان في مقالين بجريدة همشهري الإيرانية التي تنشرها بلدية طهران، أن الصين عليها تكوين علاقات أوثق مع إيران، بغض النظر عن السياسة الأمريكية أو المعارضة العربية المحتملة. وأكمل: “هذه المخاوف المُبالغة في الحذر لا تُحسن من وضع ‘ثاني أقوى دولة في العالم'”، مشيراً إلى الصين.

وتوقيت مقال فان لن يغيب عن أذهان قادة الخليح، إذ يأتي بعد نشر إيران مسودة لاتفاقية مدتها 25 عاماً وقيمتها مليارات الدولارات بين الصين وإيران، بخصوص التعاون الاقتصادي والعسكري. وقد أشعلت هذه المسودة تكهنات محمومة بشأن سياسة الصين في الشرق الأوسط، ومدى واقعية هذه الاتفاقية، ومن أجل استغلال هذه التكهنات، زادت إيران من عدد الشركات في جناحها بمعرض الصين الدولي للاستيراد في شنغهاي.

سياسة جو بايدن تجاه السعودية

كما أن مقال فان نُشر تزامناً مع استعدادات الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن لتولي المنصب، في يناير/كانون الثاني، وهو الذي صرّح باعتزامه إنهاء سياسة “الضغط الأقصى”، وفرض العقوبات التي بدأها دونالد ترامب، وإعادة الولايات المتحدة إلى الاتفاقية الدولية المنعقدة في 2015 لتحجيم البرنامج النووي الإيراني. وقد انسحب ترامب من الاتفاقية في 2018.

وإشارة الصين إلى البدائل المتاحة لها في الشرق الأوسط تضغط على دولٍ مثل السعودية والإمارات، في محاولتها للتعامل مع إدارة بايدن، التي ستركز بصورة أكبر على الأرجح على حقوق الإنسان، وتتبنى رؤية ناقدة لانخراط دول الخليج في حروب اليمن وليبيا.

النظام في الإمارات والسعودية استفاد من وجود ترامب/ عربي بوست

وبالمثل، تتوقع تلك الإشارات جهوداً من إدارة بايدن لإعادة ترتيب، إن لم يكن تقليل، الالتزامات الأمنية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وربما الميل إلى بنية إقليمية متعددة الأطراف في المنطقة.

تأتي اقتراحات فان بعد مقالٍ من باحثَيْن صينيين بارزين هما صن ديغانغ ووو سايك، يُجادلان فيه بأن الشرق الأوسط “منطقة مهمة في دبلوماسية القوى العظمى بسِمات صينية في عصرٍ جديد”، وأشار صن ووو إلى أن السِّمات الصينية ستتضمن “السعي إلى أرضٍ مشتركة مع الحفاظ على الخلافات”، وهذه الصيغة تُشير ضمنياً إلى اتباع إدارة النزاعات منهجاً بدلاً من حل النزاعات.

وقال الباحثان إن مشاركة الصين في أمن الشرق الأوسط ستسعى إلى بناء آلية للأمن الإقليمي مبنية على المشاركة والاحتواء، وتستند إلى الإنصاف والعدل وتعددية الأطراف والحوكمة الشاملة واحتواء الخلافات.

إدارة الصراع على الطريقة الصينية

وفي وقتٍ سابق، تبنى نيو شينشون، مدير دراسات الشرق الأوسط بمعاهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة، وهو أحد أكثر المراكز البحثية نفوذاً في الصين، نبرة مختلفة لإيصال الرسالة نفسها قائلاً: إن اهتمام الصين بالشرق الأوسط يتراجع، ولكي تتجنب دول المنطقة خسارة الصين، عليها التوصل إلى درجة من الاستقرار.

وقال نيو: “بالنسبة للصين، الشرق الأوسط ضمن آخر أولويات الاستراتيجيات العالمية للصين. وسيغير كوفيد-19، ومعه أزمة أسعار النفط، بصورة كبيرة وسريعة الشرق الأوسط. وهذا سيغير من نموذج الاستثمار الصيني في الشرق الأوسط”.

أول حاملة طائرات صينية لياونينغ تشارك في عرض عسكري في بحر الصين الجنوبي ترافقها سفن حربية وطائرات مقاتلة/ رويترز

باستثناءات قليلة، ظلت دول الخليج ووسائل الإعلام فيها صامتة بشأن الأصوات الصينية التي تعكس فكراً في بكين يشكك في علاقة الصين بالدول العربية الكبرى.

ولا شك أن دول الخليج تظن أن اعتماد الصين على موارد الطاقة في الشرق الأوسط وأهمية المنطقة في مبادرة الحزام والطريق تجعل هذه الدول لا يمكن الاستغناء عنها.

مبادرة الحزام والطريق هي مبادرة سياسة خارجية مميزة من الصين، تركز على قطاعات الطاقة والبنية التحتية والاتصالات في إقليم أوراسيا.

ربما لا تكون دول الخليج مخطئة بالكلية، لكنها تظل معرضة للخطر في بيئة تجبرها فيها التحولات في السياسة الأمريكية على حساب رهاناتها والانتباه أكثر للمواقف في الصين، في عالم تتزايد فيه درجة تعدد الأقطاب مع صعود الصين.

وقال مورديخاي تشازيزا، خبير بالعلاقات بين الصين والشرق الأوسط: “إن بكين صارت بكل تأكيد مهتمة باستقرار الأنظمة في الشرق الأوسط. وتزايد اهتماماتها الإقليمية وكذلك طموحاتها في مبادرة الحزام والطريق تجعل استقرار الشرق الأوسط، وبالأخص منطقة الخليج، من المشاغل الاستراتيجية للصين الآن”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top