البشيتي أسرة فلسطينية منزلها ملاصق لسور المسجد الأقصى في القدس ينطبق عليها المقولة الشهيرة للرئيس الراحل ياسر عرفات “يا جبل ما يهزك ريح”، فما قصة صمودها في وجه الاحتلال الإسرائيلي؟
يبعد منزل الأسرة متراً واحداً عن سور المسجد الأقصى في القدس المحتلة منذ عام 1967، ويعرض إسرائيليون على البشيتي أسعاراً مغرية منذ عقود لبيع المنزل، وفي الوقت نفسه تتعرض الأسرة للاعتقالات والسجن والإقامة الجبرية من جانب سلطات الاحتلال دون أن تيأس أو تستسلم.

موقع Middle East Eye البريطاني نشر تقريراً حول أسرة البشيتي رصد الثمن الباهظ الذي دفعوه وما زالوا يدفعونه نظير صمودهم وتمسكهم بمنزلهم والعيش بجوار المسجد الأقصى.
مشوار طويل من الصمود الفلسطيني
يقود محمد البشيتي سيارته بحذرٍ شديد في شارع الوادي في القدس القديمة، وعند لافتة باب المجلس، يستدير يساراً نحو منزله ويوقف السيارة. ويسير البشيتي مع زوجته وابنته في اتجاه نقطة شرطة الاحتلال المتمركزة على مدخل باب الأقصى مباشرةً، ويدخلون منزلهم الذي يبعد متراً واحداً عن سور المسجد الأقصى.
محمد وبينار وبيلسان هم أفراد الأسرة الوحيدون المسموح لهم بحرية الحركة الجزئية هذه، أما أبناؤهم الثلاثة الآخرون- هشام وحاتم وعبدالرحمن- فقد أمضوا معظم شبابهم في السجون الإسرائيلية ومراكز الاستجواب أو رهن الاعتقال أو الإقامة الجبرية.
ولفهم أسباب المضايقات الإسرائيلية المستمرة للأسرة، لا يحتاج المرء إلا إلى دخول المنزل ذي النوافذ الأمامية المُطِلَّة على المسجد الأقصى. فمنذ الثمانينيات، تتلقَّى عائلة البشيتي عروضاً مغرية لمغادرة منزلهم من المشترين الإسرائيليين الذين يطمعون في إطلالةٍ غير عادية.

لكن مع احتفاظ الأسرة بالعقار ورفضها بيعه، سعت السلطات الإسرائيلية إلى الضغط عليهم من خلال وضعهم في أزمةٍ تلو الأخرى، إلى درجة أنهم يقولون إنهم يقضون حياتهم كلها في مواجهة هذه الأزمات.
ماذا عن أولاد البشيتي؟
يقبع هشام، الابن الأكبر للبشيتي الذي يبلغ 20 عاماً، في السجن منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي بتهمة إلقاء زجاجات حارقة على قوات الاحتلال في بلدة العيسوية بالقرب من القدس. وعُقِدَت جلسات استماعٍ في المحاكم الإسرائيلية، ولكن لم تصل المحاكم إلى حكمٍ بعد.
وفي غضون ذلك كان حاتم، 17 عاماً، هو الأكثر حظاً بين إخوته، إذ تمكَّن من العودة إلى المدرسة هذا العام والتحضير لامتحان الشهادة العامة. ومع ذلك لا تزال المضايقات تتكرَّر، بما في ذلك الاعتقالات، وتشكِّل تهديداً على مسيرته التعليمية، وقد تقضي على حلم والدته في رؤية أبنائها يرتدون زيَّ التخرُّج.

الابن الثالث، عبدالرحمن، يبلغ من العمر 16 عاماً، ويعاني من مرض السكري منذ أن كان في الرابعة من عمره، ونُقِلَ مؤخَّراً قسراً من منزله في القدس بتهمٍ غير واضحة، ويخضع الآن للإقامة الجبرية في بلدة شعفاط شمال القدس. وطالبت المخابرات الإسرائيلية والديه بالبقاء معه على مدار الساعة، وفي حال اضطروا للذهاب إلى المدينة، تبقى جدته معه حتى عودتهما.
الصمود في وجه الاحتلال له ثمن باهظ
تحدَّثَ محمد، 46 عاماً، إلى موقع Middle East Eye البريطاني في المنزل الصغير في القدس الذي تدفع عائلته كلَّ هذا الثمن الباهظ للحفاظ عليه، وقال إن السبب الرئيسي وراء هذه المحن هو الموقع الاستراتيجي للمنزل وإطلالته على المسجد الأقصى، بالإضافة إلى رفض الأسرة النظر في الإغراءات التي تُعرَض عليهم لإخلاء المنزل.
وقال محمد إن عائلته تمتلك عقارات في حي الشرف الخاضع لسيطرة إسرائيل منذ احتلالها القدس الشرقية عام 1967. وفي عام 2004 رفع دعوى قضائية ضد وزارة الشؤون الدينية الإسرائيلية، مطالباً إياها بإعادة الممتلكات التي صادرتها والتي حوَّلَت أحدها إلى كنيسٍ يهودي.
وأضاف محمد أن أعمال ترميم الكنيس أُوقِفَت بأمرٍ من المحكمة لأنه فيما يتعلَّق بهذه الممتلكات بالذات، كما هو مُوضَّح في سجل الملكية الإسرائيلي، فهي مُسجَّلة بالفعل باسم عائلة البشيتي. ومع ذلك بسبب ارتفاع نفقات القضية والضغوط الهائلة التي تواجه الأسرة في ظلِّ غياب أيِّ دعمٍ رسمي فلسطيني، لم يكن أمام البشيتي خيارٌ سوى الامتناع عن متابعة القضية.
وفي أعقاب القضية زادت سلطة الاحتلال الإسرائيلي من ضغوطها على محمد، وبدأت في مداهمة منزله في القدس بشكلٍ متكرِّر. وبحلول الوقت الذي بلغ فيه هشام 13 عاماً، بدأ الجيش الإسرائيلي في التضييق عليه، كما حدث لاحقاً مع حاتم وعبدالرحمن.

قال محمد: “أولادي الثلاثة وشقيقتهم بيلسان لم يتمتَّعوا بطفولةٍ هادئة. بل على العكس، اتَّسَمت طفولتهم بمداهماتٍ واعتقالاتٍ وضرب وتعذيب وإقامة جبرية”. وأضاف أن “سلطات الاحتلال الإسرائيلي تسعى إلى كسرهم لأنهم يؤدون صلواتهم في المسجد الأقصى بانتظام ويحافظون على علاقةٍ اجتماعيةٍ جيِّدة مع سكَّان البلدة القديمة، وهو أمرٌ لا يحبِّذه الاحتلال”.
الديون تتراكم على الأسرة
ومن بين أسباب التضييق على الأسرة هو دور أفرادها في الانتفاضة في القدس الشرقية في عام 2017 حين قامت السلطات الإسرائيلية بتركيب أبواب كهربائية وأجهزة الكشف عن المعادن على بوابات الأقصى، إذ هبَّ أبناء البشيتي لدعم المتظاهرين الذين اعتصموا عند بوابة النذر، وقدَّموا لهم البطانيات والطعام والماء، وكانوا يحرسون المنطقة وينظِّفونها قبل اعتصام اليوم التالي.
يعمل محمد مساعداً لرجلٍ مُسِن، وقبل بضعة أشهر تولَّى عمل ابنه هشام، الذي عمل حارسَ أمن، من أجل توفير راتبه أثناء وجوده في السجن. لكن الديون تتزايد يوماً بعد يوم. ومع كلِّ اعتقالٍ جديد، على البشيتي أن يدفع غراماتٍ وكفالاتٍ وأتعاباً قانونية، بالإضافة إلى عددٍ لا يُحصى من النفقات التي أثقلت كاهله.
لا ينفك محمد يفكِّر في الطريقة التي سيتعامل بها مع الالتزامات المالية التي يتعيَّن عليه تغطيتها، ويبحث باستمرار عن ضامنين في كلِّ مرة يبحث فيها عن اقتراضٍ جديد. ومنذ سنوات يقضي محمد معظم وقته في المحاكم ومراكز الاستجواب رهن الاحتجاز، وفي البنوك لطلب قروض لمساعدته على تحمُّل تكاليف اعتقال أبنائه.
قال: “لديَّ خزانةٌ مليئة بالوثائق المتعلِّقة باعتقال أبنائي الثلاثة تعرض مداولات المحكمة وأوامر الاعتقال وتفتيش المنزل والغرامات والرسوم”. وأضاف: “لكن هذا فقط يضيف إلى تصميمي وعزمي على التمسُّك بشدة بهذا المنزل المجاور لأحد أقدس الأماكن في العالم”.
الاعتقال وقت الأذان
كانت بيلسان، البالغة 11 عاماً، جالسةً بجوار أبيها، وتستمع باهتمامٍ لما كان يقوله، قبل أن يضطروا للعودة إلى شعفاط من أجل الامتثال لإقامتهم الجبرية مع عبدالرحمن. شهدت بيلسان منذ طفولتها المبكِّرة المضايقات الإسرائيلية لأسرتها، بما في ذلك سجن والدها والاعتقالات المستمرة لإخوتها التي يبدو أنها لن تنتهي أبداً.
قالت بيلسان: “كنت أربط صوت أذان مؤذِّن المسجد الأقصى بتوقيت مهاجمة الجيش لمنزلنا واعتقال أحد إخوتي”. وأضافت: “في كلِّ مرة أشتري ملابس جديدة لأرتديها في نزهةٍ أو في مكانٍ ما، لا يحدث ذلك. الآن أشتري ملابس جديدة لأرتديها حين أذهب لزيارة أخي هشام في السجن، لأن السجن أصبح الوجهة الوحيدة التي أذهب إليها”.
تحدَّثَت بيلسان عن تجربتها الخاصة مع الجيش الإسرائيلي وقوات المخابرات الإسرائيلية، إذ داهمت القوات المنزل ذات يوم بينما كانت بمفردها وفتَّشَت المكان لأنها أخبرتهم مراراً أنها بمفردها ولم يكن هناك أحدٌ يعتقلونه.
وقالت: “كان دقُّ الباب مخيفاً للغاية، وكان عليَّ أن أفتحه. حاولت السيطرة على نفسي في البداية، لكن حين جاءت والدتي بدأت في البكاء بشكل هستيري”. وتابعت: “أتمنَّى أن أعيش حياةً سليمة مثل الأطفال العاديين في أيِّ مكانٍ في العالم، لأن مهاجمة منزلنا وتفتيشه واعتقال إخوتي يخيفني”.

وبينما كان محمد يتحدَّث، استمعت زوجته بينار، ثم بدأت تتحدَّث بصوتٍ هادئ، لكن صوتها انكسر وهي تأتي على ذكر سنوات التعدي على أبنائها، خاصةً عند ذكر ابنها المريض عبدالرحمن، الذي اعتُقِلَ 20 مرة خلال عامٍ واحد، ولا يزال مشهد اعتقاله الأخير حياً في ذهنها.
اعتُقِلَ عبد الرحمن فجر يوم 4 يناير/كانون الثاني بينما كان هو وشقيقه حاتم واثنان من أصدقائهما يأكلون على سطح المنزل. هاجمت قوة شرطة يمام، وهي وحدة مكافحة الإرهاب الإسرائيلية، المنزل، وسمعت بينار عبارة “ابق مكانك”. ثم هرعت إلى الخارج لتجد الشبان الأربعة على الأرض مُكبَّلين بالأصفاد، وطلب منها عبدالرحمن تزويده بالماء ومجموعة أدوية السكري الخاصة به. ولدى اعتقاله، نُقِلَ عبدالرحمن إلى المستشفى.
وعلم والداه لاحقاً من الطبيب المسؤول أنه وصل من مركز الاستجواب في القدس الغربية في وضعٍ حرجٍ للغاية كان من الممكن أن يؤدِّي إلى فقدان بصره أو دخوله في غيبوبة أو حتى الموت. ظلَّ ابنهما في الحبس الانفرادي لمدة 20 يوماً قبل إطلاق سراحه ووضعه رهن الإقامة الجبرية، حيث يمكن استدعاؤه للاستجواب في أيِّ وقت.
وخلال اعتقاله الأخير، فقد عبدالرحمن 10 كيلوغرامات من وزنه. ومع قلق بينار بشأن تدهور حالة عبدالرحمن الصحية، فإنها قلقةٌ أكثر على ابنها هشام، الذي كان محتجزاً في سجن ماجدو منذ أربعة أشهر.