كيف وضعت المقاومة إسرائيل في مأزق سياسي وعسكري؟ هآرتس: لا يمكن محو إنجازات حماس

أجبر استعراض حماس لقدراتها في الأيام الأخيرة، والذي تُوِّجَ برشقات الصواريخ الكبيرة على أماكن مختلفة بالأراضي المحتلة، الجيش الإسرائيلي على نشر مزيد من القوات والتهديد باجتياح غزة يوم الأربعاء 12 مايو/أيار، وإلى جانب البحث بكل الطرق عن نصر -حتى لو مؤقتاً- يغير به المعادلة التي فرضتها حركة المقاومة عليه في هذه المعركة.

المأزق السياسي والعسكري الذي وُضع فيه نتنياهو دفعه للجوء إلى استهداف مناطق سكنية في قطاع غزة، واستهداف عدد من القادة العسكريين التابعين لحركتي حماس والجهاد الإسلامي والترويج لهذا الأمر على أنه نصر عسكري، لكن يبدو الترويج لذلك صعباً، فالإسرائيليون ليسوا مقتنعين تماماً، وهذا هو أحد الأسباب التي قد تدفع إلى استمرار تفجُّر الأوضاع، بحسب تقرير لصحيفة Haaretz الإسرائيلية.

لا أحد يرغب في التصعيد

وبما أنَّ إسرائيل وحركات المقاومة في غزة ليستا مهتمتين بدخول مواجهة أوسع نطاقاً، ولا تتوقعان نصراً أو هزيمةً ملموسة، يمارس الطرفان في الوقت الراهن ألعاباً ذهنية. مشكلة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، هي أنَّ حماس لديها سلسلة انتصارات أكثر إثارة للإعجاب حتى الآن. فالحركة المسلحة استأثرت بالنضال الفلسطيني من أجل القدس، ودفعت ملايين الإسرائيليين في وسط البلاد إلى الركض نحو الملاجئ، وعطَّلت حركة الطيران في مطار بن غوريون الدولي.

متظاهرين على حدود قطاع غزة/ الأناضول

حققت حماس أيضاً انتصارات تكتيكية، من ضمنها قصف منظومة القبة الحديدية الدفاعية بعدد هائل من الصواريخ، تسبب بعضها في أضرار كبيرة. كما نصبت كميناً بصاروخ مضاد للدروع عند الحدود، أسفر عن مقتل جندي من لواء مشاة ناحال. وما تزال إسرائيل تبحث عن رد ملائم؛ على أمل التباهي بانتصارها الخاص.

وبحسب الصحيفة الإسرائيلية فإن على نتنياهو أن يحسم أمره قريباً بين فرض مزيد من الضغوط العسكرية وتقديم تنازلات بشأن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، بشروط دون المستوى الأمثل. وكما هو الحال مع العمليات المماثلة في الماضي، فإنَّ فعالية الغارات الجوية الإسرائيلية على غزة عرضة للتراجع كلما طال أمدها. في الوقت نفسه، هناك قلق مُتنامٍ من ارتكاب الجيش الإسرائيلي أخطاء، من شأنها أن تُوقِع خسائر على الجانب الإسرائيلي، أو أن تُوقِع عدداً كبيراً من القتلى المدنيين الفلسطينيين بما من شأنه أن يثير انتقادات دولية لإسرائيل.

في الوقت نفسه هناك مشكلة أخرى، وهي أنَّ ما حققته حماس وباقي الفصائل في غزة حتى الآن قد يغري قادتها ويقنعهم بالاستمرار في إطلاق الصواريخ على إسرائيل لبضعة أيام أخرى. وسقوط مزيد من الضحايا المدنيين سيفرض مزيداً من الضغوط على الحكومة الإسرائيلية لتنفيذ التهديدات التي يطلقها السياسيون منذ 15 عاماً، بإطلاق هجوم بري واسع النطاق يهدف إلى إسقاط حكومة حماس بقطاع غزة، الأمر الذي فشلت فيه إسرائيل 3 مرات في السابق.

نتنياهو والهروب من الفخ

حاول نتنياهو تفادي هذا الفخ طوال سنواته في رئاسة الوزراء. فتجنَّب خلال العمليتين الكبيرتين في غزة خلال عهده، التوغل البري تماماً أو اكتفى بعملية برية محدودة ركَّزت على تدمير الأنفاق الهجومية العابرة للحدود. وامتدت حملة إسرائيل في غزة عام 2014 إلى 51 يوماً، ولم تنتهِ إلا بعدما اغتالت إسرائيل عدداً من كبار قادة الجناح المسلح لـ”حماس”، ودمَّرت الأبراج التي تضم مقرات الحركة.

مدينة اللد
قوات حرس الحدود الإسرائيلية تنتشر في مدينة اللد – رويترز

لكن هذه المرة، تحاول إسرائيل فعل هذه الأمور الأخيرة أولاً، إذ بدأت بتدمير الأبراج في اليوم الأول من الحملة، وأتبعت ذلك بعمليات القتل المستهدف في اليوم الثاني. تريد إسرائيل إظهار ما يكفي من ردع؛ لكسر الروح المعنوية لحماس وإجبارها على وقف القتال. وكبار قادة الجيش الإسرائيلي ليسوا بأكثر حماسة من نتنياهو لشن عملية برية، لكن حتى الآن لم يتحقق شيء من هذا،

فقد ركزت إسرائيل على مدار العامين الماضيين، بصورة أكبر، على تحسين قدرة الجيش الإسرائيلي على الهجوم من على بُعد اعتماداً على معلومات استخباراتية دقيقة. ولم تُختَبَر القدرات البرية للجيش الإسرائيلي منذ سنوات كثيرة.

الضفة الغربية
قوات من جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال اجتياحها لإحدى المدن/ رويترز

يستعد بعض كبار المسؤولين الإسرائيليين لحملة طويلة، قد تستمر لأسبوع، في حين يعيد نتنياهو تأكيد وعوده الفارغة بـ”أنَّنا سنضرب حماس بضربات لم تحلم بها”. لكنَّ إسرائيل لا تهدف حقاً إلى هزيمة حماس –وهو هدف لا يمكن بالضرورة تحقيقه- بل إلى ردعها من خلال انتزاع ثمن باهظ بما يكفي لجعلها تُوقِف هجماتها على المديين القصير والطويل، كما تقول الصحيفة الإسرائيلية.

ويبدو أنَّ الردع تلاشى شيئاً فشيئاً على مدى السنوات السبع التي مضت منذ حرب غزة عام 2014، إلى أن اشتعلت المواجهات الحالية، مما أصاب إسرائيل بدهشة مما فعلته حماس، لأنَّها لم تتوقع نوايا الحركة مقدماً.

تظاهرات عرب 48

ويبدو في الوقت الراهن –وما يزال ممكناً أن يتغير هذا- أنَّ قيادة حماس توافق على وقف إطلاق النار بعد النجاحات التي تحققت رغم سقوط عدد من رجالها.

وبحسب الصحيفة الإسرائيلية فعلى المدى الطويل، هناك سؤال آخر مقلق بالنسبة لتل أبيب وهو متعلّق بما تتعلمه طهران وبيروت حالياً من نجاح حماس في مهاجمة الجبهة الداخلية الإسرائيلية. وعدد القذائف والصواريخ في أيدي الفلسطينيين ليس قريباً بأي شكل من الأشكال من العدد الموجود في ترسانة حزب الله على الجبهة الشمالية لإسرائيل، دون حتى أن نضع في الاعتبار صواريخ الحزب عالية الدقة.

أيضاً ثمة مشكلة أخرى لها علاقة بالجبهة الداخلية التي بدت ضعيفة للغاية. فالمستوى السياسي بالكاد يعمل، وثقة الإسرائيليين بقادتهم باتت ضعيفة، وعدم المساواة في الحماية من الصواريخ واضحة للجميع، إذ يكتشف كثير من الإسرائيليين، على الأقل أولئك الذين يعيشون في وسط البلاد، الآن فقط معنى الحرب. يضع هذا تباهي إسرائيل المعتاد بقوة جيشها ومكانته في المنطقة موضع شك.

انتقلت بؤرة الاحتجاجات، مساء الأربعاء 12 مايو/أيار، إلى داخل الخط الأخضر مثل مدينة اللد. وقد تكون هذه الأحداث سبباً وجيهاً بما يكفي لإسرائيل كي تسعى لإنهاء الحرب على غزة والتركيز على ما يدور بالداخل.

كانت الاحتجاجات التي وقعت في مدن اللد والرملة وعكا ومدن أخرى غير مسبوقة، وقد طلب عمدة اللد، لأول مرة في تاريخ المدينة، من الجيش التدخل. استجابت الحكومة جزئياً، فسمحت بنشر العديد من سرايا حرس الحدود التي كانت متمركزة في الأصل بالضفة الغربية.

إضافة إلى ذلك، فُرِض حظر تجول صارم في “اللد” مساء الأربعاء، وهو إجراء لم تشهده إسرائيل حتى في ذروة جائحة فيروس كورونا. استُؤنِف العنف لاحقاً، حين هدَّد الاستفزازيون من اليمين المتطرف اليهودي بالتدخل.

وبحسب الصحيفة الإسرائيلية فإن هذه هي الفوضى التي لا يمكن أن تتقبلها إسرائيل طويلاً أو تتحملها.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top