دمرت إسرائيل منزله 4 مرات.. قصة الفلسطيني الذي تحول لضيف دائم على مدارس الأونروا كلما قامت الحرب؟

المفتاح هو الشيء الوحيد الذي تبقى لهذا الأب الفلسطيني من منزله الذي دمرته إسرائيل للمرة الرابعة في حياته، لتكون مأساته نموذجاً لبشاعة سياسة تدمير منازل الغزاويين التي ينفذها الجيش الإسرائيلي.

جلس مثقال السرساوي، الذي يبلغ من العمر 40 عاماً، على أحد المقاعد المخصصة للتلاميذ في إحدى حجرات الفصول الدراسية، حيث يعيش الآن مع أسرته، وأخذ يروي كيف سوَّت غارات الاحتلال منزله بالأرض للمرة الرابعة الأسبوع الماضي، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The Independent البريطانية.

لمَّا كان منزل مثقال يقع بالقرب من السياج الحدودي لإسرائيل، فإن الغارات الجوية الإسرائيلية دمَّرته عدة مرات، خلال حروب 2008، و2012، و2014، على غزة،  وآخرها الأسبوع الماضي.

وحسب الصحة الفلسطينية بغزة، فقد أسفرت الحرب عن مقتل 243 فلسطينياً، بينهم 66 طفلاً، و39 سيدة، و17 مُسناً، إضافة إلى إصابة 1910 أشخاص بجروح مختلفة.

وأفادت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” بأن الهجمات الإسرائيلية أدت إلى نزوح أكثر من 75 ألف فلسطيني عن مساكنهم، ولجأ منهم 28 ألفاً و700 إلى مدارس الوكالة، إما بسبب هدم بيوتهم، أو هرباً من القصف، فيما لجأ الآخرون إلى بيوت أقربائهم في مناطق فلسطينية أخرى.

وتظهر إحصاءات حكومية اتساع حجم عملية تدمير منازل الغزاويين التي نفذها الجيش الإسرائيلي إذ تعرضت 1447 وحدة سكنية في غزة للهدم الكلي بفعل القصف الإسرائيلي، إلى جانب 13 ألف وحدة سكنية أخرى تضررت بشكل جزئي بدرجات متفاوتة..

وهدم الجيش الإسرائيلي، بشكل كلي، 205 منازل وشقق وأبراج سكنية، ومقرات 33 مؤسسة إعلامية، فضلاً عن أضرار بمؤسسات ومكاتب وجمعيات أخرى.

وبلغت الخسائر المادية أكثر من 322 مليون دولار خلال الأيام العشرة الأولى من التصعيد.

بعد تدمير منازل الغزاويين لا مكان لهم سوى مدارس الأونروا

في كل مرة يقع على منزله هجوم من هذا النوع، تلجأ عائلته إلى المدارس التي تديرها وكالة اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة (الأونروا) والتي تتحول في أوقات الحرب إلى ملاجئ مؤقتة.

هذا الأسبوع، في إحدى المدارس الواقعة في مخيم الشاطئ بالقرب من ساحل غزة، أعدَّ اللاجئون غرف نوم من مكاتب مدرسية وبطانيات مقلوبة، لتصبح أشبه بالغرف التي يتحصن بها الأطفال خلال لعبهم ونومهم.

يقول السرساوي في مزاح ظاهري يختلط بالحزن: “قُصِف منزلي مرات عديدة، لذا أصبحت أعرف الأونروا جيداً وحفظت أرقام هواتفهم عن ظهر قلب. الآن أصبحت بلا مأوى مرة أخرى، ولا يوجد أحد لمساعدتي في توفير الطعام والماء. إنه إذلال. ما الهدف من ذلك؟”.

ذبح الفلسطينيين
بناء دمرته إسرائيل على رؤوس ساكنيه في قطاع غزة – رويترز

يقول السرساوي إن إعادة بناء المنزل في كل مرة كلفته منذ عام 2008 ما يقرب من 100 ألف دولار، وعلى الرغم من أنه تلقى بعض المساعدات الدولية، فإن المبلغ الذي تكلف إنفاقه يظل ضخماً على أب لطفلين يبلغ مجموع ما يكسبه سنوياً نحو 7 آلاف دولار من عمله في طحن البهارات وبيعها.

ويروي السرساوي قائلاً: “بعد حرب 2012، أعدت بناء منزلي، لكنني لم أهنأ به إلا لستة أشهر قبل أن يهدموه مرة أخرى. أخذ الأمر منِّي ثلاث سنوات لإعادة بناء المنزل بعد حرب 2014. والآن، في عام 2021، [قصفوه مرة أخرى]، ماذا أفعل؟”.

وفقاً للأمم المتحدة، فقد نزح أكثر من 72 ألف شخص من منازلهم في غزة بسبب القصف الإسرائيلي العنيف على القطاع منذ 10 مايو/أيار.

وفي حين تمكَّن البعض من العودة إلى ديارهم بعد وقف إطلاق النار، قال مسؤولون بالأمم المتحدة لصحيفة The Independent إن نحو 8 آلاف شخص أصبحوا بلا مأوى لأن منازلهم تدمَّرت.

لاجئو الحرب الماضية ما زالوا هناك 

يضطر الأشخاص الأشد فقراً إلى السكن في الحجرات الدراسية التابعة لمدارس الأونروا إلى أن يتمكنوا من تأمين مساعدات مالية لاستئجار شقق سكنية يقطنونها لحين إعادة بناء منازلهم، لكن هذه العملية قد تستغرق سنوات.

يأتي ذلك فيما يخنق حصارٌ مصري إسرائيلي قطاع غزة من الجهتين منذ 13 عاماً بعد أن سيطرت حركة حماس على القطاع، كما يفرض الحصار قيوداً مشددة على جلب مواد البناء إلى القطاع.

تشير تمارا الرفاعي، وهي واحدة من المتحدثين باسم الأونروا، إلى أن الوكالة التابعة للأمم المتحدة كانت لا تزال تحاول مساعدة العائلات التي نزحت خلال حرب عام 2014 وتعيش إلى الآن في ملاجئ مؤقتة.

لكن الآن، بعد سبع سنوات، سينضم إليهم آلاف آخرون ممن أصبحوا أيضاً بلا مأوى.

بناء على ذلك، قالت تمارا لصحيفة The Independent، في إشارة إلى نداء أطلقته الوكالة وطالبت فيه دول العالم بالتبرع عاجلاً: “لهذا السبب تسعى الأونروا لتوفير مساعدات نقدية طارئة للأشخاص الذي دُمِّرت منازلهم أو تضررت بشدة، لمساعدتهم على الاستئجار لحينِ إصلاح منازلهم”.

تدمير منازل الغزاويين
قوات الإحتلال تقتحم المسجد الأقصى/رويترز

وتضيف: “إذا استحضرنا كذلك أن الاقتصاد محطم ومعدلات البطالة مرتفعة، سيتبين لنا أن فرص نجاح اللاجئين الفلسطينيين الذين يعانون الفقر المدقع في إعادة بناء منازلهم فرصٌ ضعيفة للغاية”.

في العدوان الإسرائيلي الأخير، شنَّت إسرائيل مئات الغارات الجوية على غزة، فيما أطلقت فصائل المقاومة الفلسطينية أكثر من 4 آلاف صاروخ باتجاه المدن المحتلة.

وتقول وزارة الصحة الفلسطينية إن الهجمات الإسرائيلية قتلت 248 فلسطينياً، منهم 66 طفلاً و29 امرأة، فيما أعلنت السلطات الإسرائيلية مقتل 12 شخصاً، منهم طفلان وجندي.

من جهة أخرى، يخشى عديد من النازحين احتمالَ تجدد العدوان الإسرائيلي مرة أخرى رغم جهود وقف إطلاق النار.

هذه المخاوف محسوسة بشدة في المدرسة التي اتخذها مثقال السرساوي ملجأ، جنباً إلى جنب مع نحو 200 آخرين، تعيش كل أسرة منهم في حجرة دراسية. وهناك، يزحف الرضع على البطانيات المتناثرة على الأرض وينشغل الأطفال بالرسم على الحوائط والسبورات واللعب بما تطاله أيديهم من أدوات التدريس.

يقسمون المدرسة بالبطاطين

لجأ الآباء إلى اتخاذ مطابخ مؤقتة عن طريق تقسيم الزوايا بالبطانيات، ويحاولون فيها طهي أي طعام متوفر بالغلايات. لكن النوم على الأرض أسفل المكاتب الدراسية ليس حلاً طويل الأمد، وكل أسرة في المدرسة تطلب معونة مالية تتيح لها الاستئجار حتى العثور على منزل دائم.

يقول نازح آخر، من عائلة سكر الفلسطينية، وهو يبلغ من العمر 30 سنة، فيما أبناؤه الأربعة يجلسون بجواره: “فقدت مزرعتي في حرب عام 2012، ثم منزلي في حرب عام 2014، ومرة أخرى الأسبوع الماضي بسبب الغارات الجوية”.

كان يعمل نجاراً، ويعيش بالقرب من حي الشجاعية شرقي غزة، وهو يحمد الله أنه استطاع إخراج أطفاله الأربعة من جحيم النيران التي اشتعلت في منزله بعد قصف مباشر له في الأيام الأولى من العدوان الأخير.

فرَّت الأسرة إلى مناطق وسط غزة، التي اعتقدوا أنها ستكون أكثر أماناً لهم، وخيَّموا في مبنى غير مكتمل البناء في شارع الوحدة، الذي يعد طريقاً رئيسياً في منطقة غزة ومنطقته مكتظة بالسكان.

لكن في 16 مايو/أيار، لاحقت الغارات الجوية الإسرائيلية هذا الشارع أيضاً، ما أسفر عن مقتل عشرات، منهم عدد كبير من الأطفال، وقد دفع ذلك الأسرة إلى الهروب إلى إحدى المدارس التابعة للأونروا.

يقول سكر بصوت مختلج: “ليس لديَّ فكرة عما سأفعله في حياتي. أنا مشرد وأعيش صدمة ولا أعرف إلى أين أذهب بأطفالي هؤلاء. وأنا أسأل نفسي طيلة الوقت ما هو الخطأ الذي ارتكبه أطفالي حتى يحدث لهم شيء كهذا؟”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top