هل يقف “الميكروويف” وراء مقتل دبلوماسيين أمريكيين بكوبا؟ هذه قصة السلاح الغامض

خلال العام المنصرم 2020 وقعت عدة أحداث أثارت الانتباه إلى سلاح جديد يتسبب في الوفاة وبشكل سريع دون أن يعرف السبب، وكان الدبلوماسيون الأمريكيون وعملاؤهم هم المستهدف.

اللغز الذي حيَّر الكثيرين باتت معالمه واضحة الآن بعد التوصل إلى نتائج بأن ما كان يعرف بـ”متلازمة هافانا” سببه هو أسلحة الميكروويف.

خبراء أمريكيون بارزون قالوا إنّ عدداً من الدول عكفت في السنوات الأخيرة على تطوير أسلحة ميكروويف محمولة، واستخدمتها لتتسبب في موجة غامضة من إصابات الدماغ بـ”متلازمة هافانا” لدى الدبلوماسيين والعملاء الأمريكيين، بحسب ما ذكرت  صحيفة The Guardian البريطانية.

كما صنعت شركةٌ أمريكية نموذجاً أولياً لتلك الأسلحة من أجل سلاح مشاة البحرية عام 2004. وكان الهدف من السلاح “ميدوسا” أن يكون صغير الحجم بما يكفي لوضعه داخل سيارة، وحتى يتسبّب في “تأثير إعاقة مؤقت، مع احتمالية ضئيلة لحدوث وفاة أو إصابة دائمة”.

ما قصة هذه الأسلحة؟

وليست هناك أدلةٌ على أن البحث اجتاز مرحلة النموذج الأولي، كما أنّ التقرير المنشور عن حالته قد تم حذفه من موقع البحرية الأمريكية. بينما قال علماءٌ مطلعون على المشروع إنّ الاعتبارات الأخلاقية -التي حالت دون إجراء التجارب على البشر- قد أسهمت في تأجيل المشروع. لكنهم أضافوا أنّ تلك الاعتبارات لم تُعِق خصوم الولايات المتحدة عن المضي قدماً في التجارب، ومنهم روسيا وربما الصين.

إذ قال جيمس غيوردانو، أستاذ علم الأعصاب في المركز الطبي بجامعة جورجتاون: “إن حالة هذا العالم كانت شبه مهجورة داخل الولايات المتحدة، لكنها لم تُهجر في الدول الأخرى”.

يعيشون فقراء ويموتون كالأغنياء.. كيف نجحت كوبا في التصدي للوباء؟

وقد عمل غيوردانو زميلاً بارزاً في التقنية والأمن الحيويين بالكلية الحربية البحرية الأمريكية، وجُلِبَ كمستشارٍ حكومي أواخر عام 2016 بعد إصابة عشرات الدبلوماسيين الأمريكيين في هافانا. وشارك بعدها في تقييم قيادة القوات الخاصة الأمريكية لتحديد الدول التي تُطوّر هذه التقنية ومدى التقدم الذي أحرزته.

وأردف غيوردانو: “اتضح أنّ العمل الذي جرى في عهد الاتحاد السوفييتي قد تبنّته الدولة الروسية من جديد إلى جانب وكلائها”، مضيفاً أنّ الصين طوّرت أيضاً أجهزة طاقة موجهة لاختبار هيكل مختلف المواد، مع تقنية يمكن تكييفها للأسلحة. إذ وقعت موجةٌ ثانية كبرى من إصابات الدماغ بين الدبلوماسيين وضباط الاستخبارات الأمريكية داخل الصين عام 2018.

وليس غيوردانو مُخوّلاً بإعطاء تفاصيل عن أسماء الأسلحة التي طورتها كل دولة، لكنه قال إنّ الأسلحة الجديدة تستخدم ترددات الميكروويف، وتستطيع تعطيل وظائف الدماغ بدون إحساسٍ بالحرق.

وأردف: “كان هذا الأمر مهماً -ومخيفاً- بالنسبة لنا، لأنّه مثّل حالة تقدم وتطور لم يتوقّع أحد أن تحققها تلك الأجهزة”.

علاقة هذه الأسلحة بمتلازمة هافانا؟

وفي حال نجاح أحد خصوم الولايات المتحدة في تصغير تقنية الطاقة المُوجّهة الكافية لإلحاق الضرر بالأنسجة عن بُعد، فسوف تكون تلك الأسلحة هي أفضل تفسير مقنع لمتلازمة هافانا.

وقد أشار المشككون في نظرية أسلحة الميكروويف إلى جهود الولايات المتحدة التي استمرت منذ عقود لبناء هذا الجهاز، سواء أثناء الحرب الباردة أو بعدها، دون إحراز أي نجاح مؤكد. كما جادلوا بأنّ سلاحاً قادراً على إلحاق إصابة دماغية عن بُعد سوف يكون من الصعب للغاية استخدامه في المناطق الحضرية.

لكن جيمس لين، أحد خبراء طاقة الميكروويف، قال إنّه لا حاجة إلى جهاز ضخم من أجل تركيز الطاقة على منطقةٍ صغيرة وتسخينها لدقيقة، قبل إحداث “موجة ضغط حرارية” تصل إلى الدماغ متسببةً في ضررٍ للأنسجة الرخوة.

ومن الممكن بشكلٍ أوّلي أن يشعر الهدف بموجة الضغط في صورة صوت؛ إذ نقل العديد من الدبلوماسيين، والعملاء، والجنود، والمسؤولين الأمريكيين الذين تجري دراسة أعراضهم ضمن تحقيق متلازمة هافانا أنّهم سمعوا أصواتاً غريبة في بداية الهجمات.

اللقاحات

وأردف لين، الأستاذ الفخري في قسم الهندسة الكهربائية وهندسة الحاسوب بجامعة إلينوي: “يمكنك بالتأكيد تجهيز نظام داخل حقيبتين كبيرتين، ووضعهما داخل شاحنة صغيرة أو سيارة تعمل بالدفع الرباعي. وهذا ليس شيئاً سيتطلّب منك مساحةً أو معدات كبيرة لفعله”.

وقد جرى تطوير مشروع سلاح الميكروويف لمشاة البحرية الأمريكية في البداية على يد شركة تُدعى WaveBand Corporation. وحمل السلاح اسم ميدوسا، واستخدم نفس التقنية التي اقترحها الأستاذ لين: تأثير الميكروويف الصوتي، الذي يُرسل نبضات ميكروويف سريعة ترفع حرارة الأنسجة الرخوة في الدماغ قليلاً، مما يُحدث صدمةً داخل الجمجمة.

وحصلت الشركة على 100 ألف دولار لصُنع النموذج الأولي، الذي نصت المواصفات المذكورة في العقد على أن يكون “محمولاً، ولا يستهلك الكثير من الطاقة، ويمكن التحكم في نطاق تغطيته، مع القدرة على تبديل نطاقه من الحشود إلى الفرد، ويُسبّب أيضاً تأثير إعاقة مؤقت، إلى جانب تقليل احتمالية أن يتسبّب في إصابة مميتة أو دائمة، بدون أن يسبب ضرراً على المنشآت أو يُصيب مستخدميه بنيران صديقة”.

وقال الرئيس التنفيذي السابق للشركة ليف سادوفنيك إنّه مقيدٌ في الأمور التي يستطيع قولها عن المشروع، لكنه أوضح أنّ الآثار الفورية للإصابة قد تشمل الارتباك وانطباعاً بسماع الأصوات.

وأردف سادوفنيك أنّ الجهاز القادر على التسبب في أعراض متلازمة هافانا قد يكون محمولاً نسبياً: “من شبه المتصور أنّك ستستطيع إخفاء الجهاز داخل سيارة أو شاحنة، لكنه لن يعمل على مسافةٍ بعيدة للغاية. ومع ذلك، تستطيع استخدامه عبر الحائط، من غرفةٍ مجاورة في فندق مثلاً”.

بينما أوضح سادوفنيك أنّ النموذج الأوّلي لميدوسا لم يكن قوياً بما فيه الكفاية لإحداث ضررٍ دائم، كما أنّه أمرٌ غير مسموح. لكنه أوضح أن روسيا كانت أكثر تقدماً في فهم التأثير البشري لأسلحة الميكروويف، ويرجع ذلك جزئياً لأنّها لم تُواجه نفس القيود الأخلاقية.

في حين قال غيوردانو إنّ الأعراف السياسية والأخلاقية في روسيا والصين تخلق “فرصاً فريدة من نوعها لإحراز تقدم في العلوم البيولوجية والتقنية بطرق قد يعجز المتواجدون داخل الولايات المتحدة وحلفاء الناتو عن تحقيقها”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top