هل يؤدي اصطفاف الغرب ضد روسيا إلى تفاقم الأزمة الأوكرانية؟

يثير تصاعد العقوبات الغربية ضد روسيا إثرغزوها لأوكرانيا، تساؤلات حول ما إذا كان هذا النهج سوف يؤدي لتفاقم الأزمة الأوكرانية أم حلها.

ففي السنوات الأخيرة، ازداد تغليب القوى العظمى في العالم لمصالحها المحدودة ومنافستها المحتدمة مع بعضها البعض على سلامة النظام الدولي الأوسع؛ حسبما ورد في تقرير لموقع Responsible Statecraft الأمريكي.

إذ تصر الولايات المتحدة على مبادئها التي تعتبرها “السامية” دون معالجة حقيقية للمخاوف الأمنية لخصومها، وتنتهج روسيا إجراءات مُزعزِعَة للاستقرار لكسب ميزة في منافستها غير المتكافئة مع الغرب، وبدلاً من تبني دور المدافع عن العولمة والتعددية، اختارت الصين طريق الحزم واتجهت إلى مواجهة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة.

يقول تقرير Responsible Statecraft “في مثل هذا السياق، يجب أن تُسهِم القوى الوسيطة بدور مثالٍ في كبح جماح دوافع أقوى دول العالم. ومع ذلك، في الأزمة الحالية بشأن أوكرانيا، اختار الحلفاء الأوروبيون الأطلسيون (باستثناء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لفترة) إعطاء الأولوية لإظهار (الوحدة)، بدلاً من اتباع الدبلوماسية الإبداعية مع روسيا التي ربما كانت ستُجنِب العالم الحرب”.

ماكرون كان استثناءً 

إنَّ تبجيل الوحدة الأوروبية أو الغربية على الجوهر له ثلاثة مصادر على الأقل. الأول يتعلق بالدور الضخم الممنوح للعقوبات الاقتصادية في السياسة الغربية. خلال التوغل الروسي الأولي في أوكرانيا قبل ثماني سنوات، مثّلت العقوبات ضد روسيا أحد الأمثلة القليلة على الوحدة بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، في وقت كان الاتحاد يواجه فيه انقسامات داخلية بشأن سياسة الهجرة وحوكمة منطقة اليورو. وبالتالي كانت هناك دافع للإبقاء على هذه العقوبات سارية، حتى لو لم تنجح في تغيير سلوك موسكو.

وبالمثل، في الأزمة الحالية، يُنظَر إلى العقوبات على أنها أداة رئيسية بسبب عدم رغبة الغرب في الالتزام بالدفاع العسكري عن أوكرانيا، ويُنظر إلى الوحدة عبر الأطلسي على أنها ضرورية لضمان فاعليتها. 

وعلى الرغم من الدرجة الكبيرة من التنسيق الغربي التي ظهرت عندما سنت الدول الغربية عقوبات جديدة رداً على اعتراف روسيا بالجمهوريتين الانفصاليتين في دونيتسك ولوهانسك، ثم عقوبات أشد بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، ولكن هناك بالفعل إجماع متزايد على أنَّ هذه الإجراءات لن تمنع موسكو من السعي لتحقيق ما ترى أنه مصلحتها الأساسية في تجنب الهزيمة الجيوسياسية في أوكرانيا.

الغرب يتجاهل مخاوف روسيا 

هناك لازمة شائعة تتمثل في أنَّ الدول الاستبدادية تسعى إلى دق إسفين في التحالف عبر الأطلسي وبين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. نتيجة لذلك، يُنظَر إلى الحفاظ على التضامن الغربي والأوروبي على أنه هدف سياسي جوهري في حد ذاته. 

ومع ذلك، فإنَّ وجهة النظر هذه تفترض خطأ أنَّ موسكو تنتهج استراتيجية متماسكة في حين أنَّ سلوكها في الواقع هو في الغالب رد فعل.

العقوبات الغربية ضد روسيا
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين/رويترز

ترسَّخ النظام الأمني ​​في أوروبا بعد الحرب الباردة بطريقة تستثني روسيا إلى حد كبير؛ مما يترك لموسكو مصلحة قليلة في الحفاظ على الوضع الراهن. ويمكن لأعضاء الناتو والاتحاد الأوروبي استخدام قوتهم التفاوضية الجماعية لممارسة نفوذ كبير في أوروبا الشرقية على حساب روسيا. لذا يتمثل رد موسكو الطبيعي في السعي إلى تعطيل قدرة الغرب على ممارسة نفوذه الجماعي. 

ومع ذلك؛ نظراً لأنَّ سلوك موسكو التخريبي يُنظَر إليه على أنه نتيجة لنوع من محاولة إفشال النظام، فإنَّ الدول الغربية تعطي الأولوية لإظهار “الوحدة” و”العزم” على بناء نظام أمني أوروبي أكثر شمولاً. وهذا يخلق حلقة مفرغة من المواجهة مع عدم وجود نهاية واضحة للعبة؛ مما يترك الهدف النهائي للوحدة الغربية غير واضح.

العقوبات الغربية ضد روسيا، هل تكون رهاناً خاطئاً؟

وأخيراً، دَعمَ الهيكل المتطور للسياسة العالمية الأساس المنطقي لمزيد من الوحدة بين الدول الغربية. خلال الحرب الباردة، على الرغم من أنَّ الأهداف الأساسية للكتلة الرأسمالية كانت جيوسياسية، لكنَّ الوسائل المُستخدَمة لتحقيق تلك الأهداف كانت اقتصادية إلى حد كبير. اعتمدت مهمة احتواء الاتحاد السوفييتي على الحفاظ على حزام من الاقتصادات المتكاملة والغنية على طول حافة أوراسيا، وعلى الأخص في أوروبا.

ولكن الاتحاد السوفيتي كان قادراً على التغلب على الحصار الغربي، ولكن قدرة بوتين في التغلب على العقوبات الغربية على روسيا تبدو أقل، بالنظر إلى انفتاح اقتصاد بلاده على الغرب.

مع تقديس الوحدة من أجل الوحدة، تعرضت جهود ماكرون لتفادي أزمة كارثية من خلال الدبلوماسية لانتقادات حادة. ومن المؤكد أنَّ الرئيس الفرنسي قد قدّم لنفسه القليل من الخدمات في السنوات الأخيرة؛ إذ دشّن تقارباً فرنسياً-روسياً منفصلاً له تأثير ضئيل على ما يبدو، واصفاً حلف الناتو بأنه “ميت دماغياً”، واقترح (ومعه ألمانيا) إعادة إطلاق الحوار بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، خلال المجلس الأوروبي في يونيو/حزيران 2021، دون استشارة الشركاء الأوروبيين. 

لكن جهود ماكرون الأخيرة لإيجاد حل دبلوماسي للأزمة المتعلقة بأوكرانيا جاءت بالتنسيق مع الحلفاء الغربيين، ومع ذلك لا تزال مجموعة من الأصوات الأوروبية ترفض أية فكرة مفادها أنَّ على أوروبا السعي بنشاط إلى تحقيق رؤيتها الخاصة للأمن القاري، حتى بطريقة مكملة لحلف شمال الأطلسي (الناتو).

الغرب يدعو للحفاظ على القواعد الدولية ولكنه يخترقها

في مواجهة أخطر أزمة أمنية في القارة الأوروبية منذ عقود، انحصرت السياسة الخارجية للدول الغربية إلى حد كبير في مناشدات خطابية وعاطفية “للحفاظ على النظام الدولي القائم على القواعد”. 

لكن ما يزيد من سخرية الموقف أنَّ الدول الغربية راوغت حول هذه القواعد وخرقتها في مناسبات عديدة منذ سقوط جدار برلين. وعلى سبيل المثال سبقت أن غزت الولايات المتحدة العراق في عام 2003 بالمخالفة للقانون الدولي، ولم تتعرض لعقوبات مثلما يحدث مع روسيا الآن.

إذا كشفت هذه الأزمة عن أي شيء، فهو أنَّ الوحدة الغربية ستظل على الأرجح شرطاً كافياً لدعم النظام في أوروبا، ناهيك عن القيود التي ستواجهها القيم الليبرالية والهيمنة الغربية في نظام دولي متعدد الأقطاب وعالمي حقاً.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top