قدّمت هوليوود على مدى تاريخها فناً تفرّدت به تفوقاً، ونقلت لمئات الملايين من البشر قصصاً مصورةً سحرت ألبابهم وآنستهم ولو للحظة، ليعيشوا شخصيات أخرى في عوالم مختلفة بعضها ترك بصمات على سلوكهم.
ولكن في الوقت نفسه، وإلى جانب الأفلام الرومانسية والتاريخية والخيال العلمي، خُلدت أعمال أبطالها مجرمون بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وعرفت هوليوود من أين تأكل الكتف فلم تقصر في نقل حياة أشرار وقتلة متسلسلين، وشخصيات سيكوباتية احترفت الكذب والخداع، ولعل أشهرهم في السنوات الماضية شخصية فرانك أندروود السياسي الفاسد في House of Cards.
@AntistarJV Meilleure série Netflix. Même Franck Underwood te juge. pic.twitter.com/2jMVxjAs2h
— Fitzcairn (@Fitzcairn_) May 26, 2017
إذ يستخدم الروائيون ومؤلفو السيناريو الشخصيات السيكوباتية في أعمالهم؛ لما تلعبه من دورٍ كبيرٍ في صناعة نجاحات ساحقة للروايات والأفلام.
كما يُدرك العاملون بمجال السينما الأساس الذي ينجذب به المشاهدون نحو هذه الشخصيات؛ فتراهم يحرصون على استغلال هذا الوتر النفسي الحساس، ويجيدون اللعب عليه بالطريقة الأمثل.
ولكن لا بد من طرح سؤال وبغض النظر عما إذا كان هدف هوليوود هو الربح المادي، ألم يساهم المشاهد في نجاح مثل هذه الإعمال لإقباله على مشاهدتها بنهم؟ ولماذا يفعل؟
ولكن، لماذا نحبُّ الأشرار والقتلة المتسلسلين في أفلام هوليود؟
الأمر ببساطة حسب التفسير العلمي، هو أنه عندما نشاهد الشخصيات السيكوباتية على الشاشة؛ نشعر بالتحرر مؤقتاً من مخاوفنا والتزاماتنا المعقدة تجاه الآخرين في عالمنا الحقيقي.
إذ تمثل رؤيتها نوعاً من التنفيس عن الرغبات المكبوتة والمقيدة داخلنا، بحكم التربية وثقافة وتقاليد المجتمعات التي نشأنا بها؛ فمفهوم السيكوباتية هو بشكلٍ ما مضاد للحَرج أو الخجل الاجتماعي.
في سلسلة House Of Cards التي تبثها شبكة Netflix، يلعب النجم السينمائي كيفن سبيسي دور فرانك أندروود، شخصية السياسي الغادر، والقاتل، الذي يتسم بالكذب، والخيانة، ويملك نزعة للانتقام وفعل أي شيء لكسب السلطة والنفوذ.
هناك أيضاً شخصية رامزي بولتون، أو رامزي سنو في سلسلة Game Of Thrones الشهيرة التي يتابعها الملايين حول العالم، وشخصية والتر وايت صانع ومروج المخدرات الكاذب والمخادع، والتي صُوّرت ببراعة في مسلسل Breaking Bad أحد أنجح المسلسلات التلفزيونية في التاريخ.
Happy Birthday Iwan Rheon!#GameOfThrones #GOT #Misfits #IwanRheon #RamsayBoltonhttps://t.co/OgZgNt4MYP pic.twitter.com/nzSD34YpQ6
— Famous Monsters (@FamousMonsters) May 13, 2017
فمن الواضح أن كل هؤلاء الشخصيات مرضى نفسيون نوعاً ما، ومن الواضح كذلك أن هذه المسلسلات، التي بُنيت حول شخصيات رئيسية سيكوباتية تتصف بالاختلال والاضطرابات النفسية، حققت نجاحات ونسب مشاهدات غير مسبوقة.
ماذا تعني الشخصية السيكوباتية؟
لكي نفهم الأسباب وراء جاذبية مثل هذه الشخصيات، وتحقيقها الشعبية والنجاح الكبير لدى متابعيها، علينا أولاً فهم المقصود بمصطلح السيكوباتية.
عندما يطرأ على مسامعنا لفظ “سيكوباتي”، يتبادر إلى أذهاننا فوراً التعريف الذي تُروجه لنا هوليوود، حول شخصية القاتل المتسلل، السادي، عديم الشفقة، مثل هانيبال ليكتور الذي قدمه أنطوني هوبكنز في صمت الحملان، وجيفري دامر، وجاري هيدنيك، وغيرهم من القتلة المتسلسلين الآخرين.
مع ذلك فالحقيقة هي أن نسبة ضئيلة جداً من المرضى النفسيين، الذين يطلق عليهم مُسمّى “سيكوباتيون” هم بهذه الدرجة من العنف.
فوفقاً للدكتور روبرت هير، الخبير البارز في العلاج النفسي، فإن الأشخاص السيكوباتيين هم أفراد يفتقرون في جوهرهم إلى القدرة على إقامة علاقة عاطفية مع الآخرين.
وهم يفتقرون إلى القدرة على التعاطف، لكنهم غير منفصلين عن الواقع؛ إذ إنهم يدركون تماماً عواقب أفعالهم، لكنهم لا يهتمون بعواقب هذه الأفعال على الآخرين، بل بنتائجها على أنفسهم فقط.
حياتهم العاطفية كما يرى الخبير النفسي ضحلة وسطحية، ويميلون عادةً إلى الهيمنة، واستخدام الخداع والتلاعب، وجاذبيتهم على الآخرين؛ بغرض السيطرة والتحكم فيهم.
كما يملكون شعوراً هائلاً بالكفاءة والاستحقاق، وتميل أفعالهم إلى أن تكون متهورة، وغير مسؤولة. فضلاً عن ذلك تنتابهم حاجة غير طبيعية للشعور بالإثارة؛ فيصبح لا مشكلة لديهم في انتهاك القوانين والقواعد الاجتماعية والأخلاقية.
لكن هذا بالتأكيد لا يعني أن جميع الأشخاص السيكوباتيين، ينتهي بهم المطاف بالزَّج في السجن. ففي الواقع يحيا الكثيرون منهم طوال حياتهم، من دون مواجهة أي مشكلاتٍ قضائية، أو قضاء أيٍ من الأوقات داخل الحبس.
لماذا قد يحدث هذا؟ في الغالب لأن السيكوباتيين أذكياء، ويتمكنون من الصعود إلى درجاتٍ عالية، واحتلال مناصب محورية ترتفع بهم لأعلى؛ حيث يمكنهم التأثير على غيرهم أو حتى صياغة وفرض قواعدهم الخاصة.
لماذا تروق لنا الشخصيات السيكوباتية؟
تُجسّد الشخصيات الشريرة عادةً، مناطق مظلمة في لا وعي المشاهدين؛ فقد نرغب أن نُعلّق ضميرنا ولو للحظة، نتخيل فيها أن نعيش حياةً أنانية بلا عاطفة، بدلاً من إطالة التفكير في عواقب اتخاذنا لقرارٍ ما، وتَحِدّ الالتزامات الأخلاقية من خياراتنا.
يمكننا ببساطة البتّ في أمورنا، على أساس سؤال واحد: هل هذا جيد بالنسبة لي؟
الأمر ببساطة هو أنه عندما نشاهد الشخصيات السيكوباتية على الشاشة؛ نشعر بالتحرر مؤقتاً من مخاوفنا والتزاماتنا المعقدة تجاه الآخرين في عالمنا الحقيقي.
تُمثل رؤيتها نوع من التنفيس عن الرغبات المكبوتة والمقيدة داخلنا، بحكم التربية وثقافة وتقاليد المجتمعات التي نشأنا بها؛ فمفهوم السيكوباتية هو بشكلٍ ما مضاد للحَرج أو الخجل الاجتماعي.
إضافةً إلى ذلك فإن السيكوباتيين ينعدم لديهم الشعور بالندم، الذي يشعر به الأشخاص الطبيعيين عند القيام بفعلٍ خاطيء.
ولا ينتابهم الإحساس بتأنيب الضمير حول الأشياء السيئة التي يقومون بها، بل ينصب تركيزهم في المقام الأول على أنفسهم، وربما يلومون الآخرين على كل إخفاقٍ، أو تصرفٍ خاطيء يقومون به.
تلمس تصرفاتهم مخاوفنا البدائية من الصيد، ورغبتنا الدفينة بعمق في اللا وعي، بأن نكون نحن من يَصطاد.
وتُجسد لنا قصصهم التي نُشاهدها في الدراما، مصائب ضحاياهم وسوء حظهم الذي قادهم؛ لأن يُصبحوا فريسةً لأولئك القتلة المتوحشين، في حين أننا ننعم بكوننا أكثر حظاً ربما، وفي أمانٍ بعيداً عنهم، أو على الأقل نعتقد أننا كذلك!
وقد يرجع سرُّ افتتاننا بهذه الشخصيات إلى غبطتنا لهم؛ نتيجة تحررهم من جميع القيود التي يفرضها المجتمع علينا، وظهورهم بحريةٍ تامة على طبيعتهم. عندما نُشاهد على سبيل المثال شخصاً يتصرف لمصلحته الخاصة بدرجةٍ متطرفة، غير عابثٍ بالقوانين والقواعد والأعراف الاجتماعية؛ يجعلنا ذلك نحسده بطريقةٍ ما، مُتمنّين في أعماقنا لو أمكننا القيام بذلك أيضاً.
كيف تُوقعنا هوليوود في حب شخصياتها الشريرة؟
You can watch the full movie #Logan in HD here > https://t.co/uryRtoYoyE #Xmen pic.twitter.com/Wx8FcfRblz
— Patricia Barron (@antonemdem) May 27, 2017
تأتي الشخصيات الشريرة في الأعمال الدرامية؛ فتخلق الصراع والإثارة والتشويق، بمجرد ظهورها خلال مشهدٍ ما. تُكسبها هوليوود الكاريزما الساحرة، والقوة، والثقة الكبيرة؛ فنجد مثلاً أن بعضاً من أشرار عملاقة القصص المصورة Marvel، هم أكثر شهرة وشعبية من الأبطال الخارقين الذين واجهوهم، مثل دكتور دووم في سلسلة Fantastic Four، وماغنيتو في سلسلة X-men.
وتُضيف هوليوود لهذه الشخصيات كذلك الجاذبية، التي تتسم بالسطحية نوعاً ما؛ إذ يقع معظمها في منطقة وسط بين الانطوائية والانفتاح.
كما تعمد إلى إبرازها في أدوار ذات نفوذٍ وسُلطة، تتمتع بثقة عالية بالنفس، ويبالغون في تقديرهم لأنفسهم، الأمر الذي يتمنى أن يملكه الكثير من البشر؛ فجميعنا يرغب في قرارة نفسه بالشعور بالرضا عن ذواتنا وإنجازاتنا.