يحبون غناء “العيطة”.. شباب مغاربة يؤسسون “كباريه الشيخات” ويخرجون للعلن بلباس نسائي!

ليس سهلاً في مجتمع تقليدي مثل المغرب أن تخرج إلى العلن بزي أو مظهر نسائي، مثلما فعلت فرقة غنائية شبابية أطلقت على نفسها اسم “كباريه الشيخات“، عندما قدّمت مؤخراً عرضاً أمام الجمهور، في مهرجان البولفار للموسيقى الشبابية بمدينة الدار البيضاء (غرب المغرب).

والشيخات، هو اسم يطلق على مغنيات للتراث الشعبي في المغرب.






هذا الموقف الذي اعتبره البعض جريئاً، لم يسْلم من ردود فعل متباينة، خصوصاً على الشبكات الاجتماعية؛ إذ انقسم النشطاء بين من هاجم الفرقة ورجالها ومن أشاد بالتجربة الفريدة، التي انطلقت سنة 2014 بمبادرة مِن مخرجها غسان الحكيم رفقة فرقة “جوق التمثيل البيضاوي”.






حب العيطة ومحاكاة البيضاوي


والعيطة هو فن غنائي مغربي قديم، يعتمد على غناء أشعار بدوية كان يغنيها الرحالة قديماً في البادية.

يوضح غسان الحكيم، مخرج الفرقة والعضو المؤسس لها، أن “كباريه الشيخات” هو عمل من أعمال فرقة جوق التمثيل البيضاوي (نسبة إلى الدار البيضاء)؛ إذ كانت الفكرة في البداية، هي إعداد مسرحية عن رجال يحبون فن العيطة، ويختبئون في أحد حمامات المدينة القديمة المهجورة للتدرب على الغناء هناك.

وأضاف الحكيم، في تصريح لـ”عربي بوست”، أن الفرقة تتكون من 20 ممثلاً، غالبيتهم هواة، “عملت معهم في إطار إحدى الورشات التي كنت أشرف عليها، ومنذئذ لم نتوقف عن العمل معاً؛ بل قاموا بتأسيس فرقة جوق التمثيل البيضاوي”.

هنا يستحضر غسان وفرقته تاريخ مجموعة من الفرق الوطنية، في عهد الاستعمار الفرنسي، أطلق عليها مؤسسوها أسماء المدن المغربية وتعكس انتماء أولئك المؤسسين، ما يعني “أننا بتسمية جوق التمثيل البيضاوي، نذكّر جمهورنا بأسلافنا الممثلين والمؤلفين والمخرجين، بالإضافة إلى أن جُل أفراد المجموعة أو الجوق، من أشد المعجبين بالعمل الجبار الذي قام به الفنان الراحل بوشعيب البيضاوي وفرقته الكواكب، وما نحن إلا مقلدون لهؤلاء العظماء”، يقول مخرج “كباريه الشيخات”.

ويشدد المصدر ذاته على أن بوشعيب البيضاوي، “عضو دائم في (كباريه الشيخات)، نتذكره كلما أتيحت لنا فرصة إظهار منتوجنا المسرحي الغنائي؛ لأنه ملهمنا في عملنا، وكل ما نقوم به هو من أجل إحياء ذكراه”.

روح الشيخات من دون استفزاز



وعن شكلهم “اللافت” في عروضهم، وخروجهم للعلن بعدما كانت عروضهم بأماكن مغلقة، يؤكد غسان الحكيم أنهم قبل أن يصعدوا لخشبة البولڤار، “تلقينا العديد من التحذيرات من بعض الأصدقاء القلقين على سلامتنا، لكن لم نكترث لذلك؛ علماً منا أن عملنا يجب أن يظهر للعيان، ولم نفاجأ حين رأينا أول الراقصين، وأول الوجوه المفاجأة، وأول المزغردين، وأول الشجاعات اللاتي أطلقن شعورهن؛ إذ كل هذا الحب والطاقة الإيجابية جعل منا أسوداً فوق الركح”.

كما يرى الحكيم، أن “(كباريه الشيخات) لا يهدف إلى استفزاز الناس”، وأنهم “لا يتشبهون لا بالنساء ولا بالرجال ولا بأي شيء آخر”؛ بل يعملون على تشكيل سياق مغاير “يمزج بين قصص وأغاني الجدات، وما نعيشه اليوم كشباب ينكر ذاته ولا يعلم أي الطرق يسلك؛ إنه سبيل الفرقة المعتدل والمليء بالخيال والفرح والحب والسخرية”.

ويستطرد مخرج فرقة التمثيل البيضاوي، أن “(كباريه الشيخات) له مهمة الآن، تتمثل في ضخ روح الشيخات في جميع المواطنين، حتى المتعصبين منهم؛ لأن الحوار سيمكننا من إيجاد أجوبة لمشاكلنا الوجودية”.

في البدء غابت الأنثى



بالرجوع إلى تاريخ بعض الأشكال الفرجوية في المغرب، خصوصاً في بداية القرن العشرين، نجد أن الكثير من الفرق التمثيلية التي تم تأسيسها كانت رجالية بالدرجة الأولى، بحكم أن المجتمع المغربي محافظ وتقليدي ولا يسمح للأنثى بأن تكون ضمن فرق فرجوية تجمع بين التمثيل والغناء عادة.

لذلك، تمت الاستعانة بالرجال لأداء أدوار نسائية في كثير من التمثيليات آنذاك، وهو ما يشير إليه الكاتب والناقد المسرحي، حسن المنيعي، في كتابه: “أبحاث في المسرح المغربي”، وهو يتحدث عن فرقة الجوق الفاسي، التي كانت تضم باقة من الشباب، وتابع: “منهم من اشتُهر بالغناء والقيام بأدوار النساء؛ لانعدام العنصر النسوي حينذاك كالحاج محمد بوعياد”.

الرأي نفسه يؤكده أحمد مسعاية، الكاتب والناقد الفني، في حديثه لـ”عربي بوست”، بقوله: “في البداية قبيل استقلال المغرب وبعده بقليل، لم يكن ممكناً للمرأة أن تمثل، فكان الرجال يقومون بأدوار نسائية، خصوصاً مع فرقة عبد الله شقرون، ومع بوشعيب البيضاوي، لذلك كان الأمر مرتبطاً بما هو اجتماعي”.

شكل جريء


لكن الآن، بحسب مسعاية دائماً، “المسألة مختلفة تماماً عن سنوات الخمسينيات والستينيات”؛ إذ أصبح ظهور الممثل/الرجل بمظاهر النساء في عروض مسرحية أو غنائية، “يتخذ شكلاً استيطيقياً أكثر مما هو اجتماعي”، يضيف الناقد الفني، والمدير السابق للمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط (غرب).

كما يرى الكاتب والناقد الفني أن فكرة “كباريه الشيخات” تسعى اليوم إلى، “طرح مواضيع جريئة، تجعل المتفرج في مجتمع محافظ يطرح الأسئلة على نفسه؛ فعندما تلعب المرأة دور الرجل والعكس، فإن الأمر يزعج مجتمعنا التقليدي، زيادة على ما يمكن أن تمرره المسرحية بين السطور من رد الاعتبار للشيخة، التي ما زال الناس ينظرون نحوها بازدراء مع أنها فنانة في الأول والأخير”.

ويشير أحمد مسعاية، الكاتب والناقد الفني، إلى أن الشكل الذي ظهر “كباريه الشيخات”، هو، “في حد ذاته متداول في المسرح الغربي، ولا سيما في ألمانيا، له معنى وهدف خلخلة الثوابت في المجتمع”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top