السينما والسياقة وأشياء أخرى.. المخرجة هيفاء منصور ترصد مشاهد مرحلة ثورية يعيشها السعوديين

على باب متجر الفيديو المتواضع بضواحي الرياض كانت هيفاء تنتظر أي عامل يخرج لتترجاه أن يمدها كتالوجاً لتتصفحه فالمكان ممنوع أن تدخله النساء.. تختار من بين أسماء الأفلام ما يمكنه أن ينقلها إلى أماكن بعيدة حيث تحلم بالحرية.  

هيفاء منصور، أول مخرجة سعودية، تعلمت حب الأفلام في بلد يجرِّم دور السينما، بوفضل جاكي شان وبوليوود وديزني، اكتشفت عالماً آخر وراء الحدود كما تكتب في The New York Times. شكَّلت تلك الفيديوهات الأساس لحلم مجنون راودها بصناعة فيلمها الخاص يوماً ما.

تلك الفتاة الصغيرة التي كانت تتوق لدخول متجر الفيديو في بدايات التسعينيات أصبح مسموحاً لها الآن دخول السينما في مختلف أنحاء المملكة لمشاهدة أحدث الأفلام، كأي يوم عادي في أي مكان بالعالم، ففي 18 أبريل/نيسان، سمحت الحكومة السعودية بعرض فيلم “Black Panther” في دور السينما لأول مرة منذ عقود، ويُعَد ذلك جزءاً من الإصلاحات الثقافية التي تجتاح السعودية.

ثورة على الماضي

على مدار عقود، منع السعوديون تحت وطأة القواعد التقييدية الصارمة للغاية من ممارسة الأمور العادية جداً مثل الذهاب إلى السينما، أو قيادة السيارات، أو حضور حدثٍ رياضي، أو الاستمتاع بالموسيقى في مكانٍ عام.

المخرجة هيفاء منصور تعتبر أن بلادها تقترب أخيراً من الوضع الطبيعي، قد لا يبدو ذلك حدثاً جللاً بالنسبة للعالم الخارجي، لكنَّه مرحلةٌ ثورية بالنسبة للسعوديين الذين “كرَّسوا حياتهم للسعي وراء نهجٍ طبيعي أكثر إزاء الفنون وتحسين وضع المرأة في المجتمع”.

صنعت هيفاء العديد من الأفلام، منها الوثائقية والقصيرة والأفلام الروائية، حول المحنة التي تعيشها المرأة في العالم العربي. ففي عام 2010، كتبت فيلم “وجدة” وأخرجته، وكان أول فيلم روائي يُنتَج داخل المملكة، وأول فيلم سعودي يترشح للحصول على جائزة الأوسكار.

تدور قصة الفيلم حول فتاة تحلم باقتناء دراجة ووالدتها التي تشعر بالوحدة وتتحدد حركتها يومياً بسائقٍ وقح وزوج غير مبال، ولاقى الفيلم صدى لدى الجماهير في مختلف أنحاء العالم “أردت أن أُصوِّر آمالي وأحلامي للنساء والشباب في مختلف أنحاء السعودية” كما تقول.

مخرجة تحت القيود

كونها امرأة سعودية ومخرجة أفلام، عاشت المخرجة سنواتٍ تحت القيود التي فرضتها السعودية على صناعة الأفلام وعلى حياتها اليومية قبل السفر مع زوجها -وهو دبلوماسي أميركي- للدراسة وصناعة الأفلام.

اضطررت إلى إخراج المشاهد الخارجية لفيلم “وجدة” وهي في شاحنة، عبر شاشة وجهاز اتصال لاسلكي، التزاماً بقواعد الفصل بين الجنسين الصارمة. لم تستطع بدء شركة دون وليٍّ ذكر من عائلتها، إضافة إلى أنها اضطرت إلى تعيين مديري إنتاج ذكور كما تحكي بسخط كبير “كان من المثير للسخط الاعتماد على أشخاص أقل تأهيلاً تُنسَب إليهم أعمال بإمكاني إنجازها بمفردي”.

بعد ست سنوات من ذلك، ومع التغييرات التي طرأت على قواعد الولاية، تستطيع الآن إنشاء شركتها الخاصة هذا العام باسمها الخاص: هيفاء المنصور للإنتاج.

أول مشاريع هيفاء الإنتاجية سيكون باسم “المرشح المثالي – The Perfect Candidate”، ويروي قصة طبيبة شابة تعمل بمكتب بالبلدية بينما يتجول والدها بالبلاد مع الفرقة الموسيقية الوطنية السعودية التي أعيد تشكيلها وكانت محظورة بموجب قوانين تحظر العروض الموسيقية في الأماكن العامة.

قصة الفيلم تشجع طموح المرأة في المجال السياسي وتحتفي بفنون السعودية المفقودة وعودة الموسيقى إلى المدن الصغيرة، حين كانت تجمع الأموال للفيلم، كان الشركاء المحتملين يَشكُّون في إمكانية تصوير الفيلم بالمملكة. أما الآن، فالناس متحمسون “وهذا يجعل أفلامي استثماراً أكثر أماناً، ويجعل المملكة تبدو كمكانٍ عادي للتصوير به” تقول المخرجة بحماس طفولي.

وترفع القيود..

تغمرها السعادة لأنَّ فيلم “Black Panther” كان أول فيلم يُعرَض رسمياً في المملكة في وقت سابق من هذا الشهر. فهو يُمثِّل كل شيءٍ تحبه في السينما، ويُقدِّم للجمهور رواياتٍ حول الهوية والسياسة والتنوع من خلال فيلم حركة مثير.

خوض تجربة ظاهرة كتلك في المجال العام وسط الأصدقاء والعائلة، والضحك وأن تُطلِق العنان لنفسك مع أناسٍ لا تعرفهم، كل ذلك يُعد مزية حسب المخرجة. ويُذكِّرها بوالدها حين حوَّل فناء منزلهم إلى سينما مؤقتة منذ سنوات.

التغييرات البسيطة التي أشهدها في المملكة العربية السعودية تذهب إلى ما هو أبعد من الأفلام، وبشكلٍ جزئي تدفع البلاد في اتجاه جديد كلياً، فرفع الحظر عن قيادة المرأة كان حلماً سعت إليه هيفاء وغيرها من السعوديات حتى يئسن.

حظر السياقة كان مصدر إلهام لها لصناعة فيلم “وجدة”، إذ استكشفت من خلاله المحنة التي تعاني منها المرأة من خلال شخصية فتاة تريد اقتناء دراجة. كانت الشخصية تريد فقط أن تتحكم هي في حركتها وتجري بنفس السرعة مثل أصدقائها الفتيان. كانت والدتها تخضع لقيود سائقها الخاص، وهو ما كان أحد جوانب الحياة اليومية الأكثر إحباطاً للمرأة السعودية اليومية. ولحسن الحظ، كما تؤكد هيفاء فإنَ شخصية السائق الفظ ستُنفى إلى كتب التاريخ السعودية في يونيو/حزيران المقبل حينما تُمنَح المرأة حقوقها في القيادة للمرة الأولى منذ عام 1957.

عينت مؤخراً هيفاء منصور من طرف عواد صالح العواد، وزير الثقافة والإعلام بالسعودية، مع مجموعة من 13 رجلاً وامرأتين، في مجلس الإدارة الجديد للهيئة العامة للثقافة بالمملكة، تحكي أنها عندما وصلت إلى الرياض قادمة من لوس أنجلوس لحضور أول اجتماع رسمي في أبريل/نيسان، كانت المدينة مختلفة بالفعل.. كانت النساء في كل مكان، يعملن في المحلات ويرتدين ملابس ذات ألوان زاهية، ولا يخشين أن يراهن أحدٌ.. ساعتها فقط تذكرت هيفاء منصور تلك الفتاة التي كانت تنتظر خارج متجر الفيديو.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top