تعلَّموها من هوليوود.. محتجون حول العالم ينسخون فكرة اللافتات العملاقة للتشهير بالقتل الجماعي والفساد

منذ صدور فيلم Three Billboards Outside Ebbing, Missouri للمخرج مارتن ماكدونا في عام 2017، وهو يحقق نجاحات هائلة، وفاز حتى الآن بأكثر من 90 جائزة، وفاز بجائزتي أوسكار في الدورة الأخيرة.

ولكنَّ التأثير الأكبر لفيلم “3 لوحات إعلانية خارج إيبنغ، ميسوري”، يتمثل في أنه أصبح ملهماً للاحتجاجات حول العالم؛ إذ اقتُبست طريقة احتجاج بطلة الفيلم ونُفذت على أرض الواقع عدة مرات، بعضها في مكان لم يكن ليخطر ببال صناع الفيلم في الأغلب أو لم يرغبوا -على الأرجح- أن تُستخدم فيه أساليبهم.

الفكرة: تشهير بالمجرمين في لوحة عملاقة

يحكي الفيلم قصة أم مكلومة قُتلت ابنتها واغتُصبت وحرقت جثتها، وبعد مرور 7 أشهر لم تتوصل الشرطة للجاني وفشلت في تحقق العدالة، لتقرر اللجوء إلى أسلوب بسيط للاحتجاج وإبقاء قضية ابنتها حية.

قامت الأم بتأجير 3 لوحات إعلانية خارج المدينة التي تعيش بها، تحمل كل لوحة رسالة تهاجم الشرطة؛ لفشلها في القبض على الجاني، وتُذكّر الجميع بما حدث لابنتها، الأمر الذي أثار استياء المدينة. يصحبنا الفيلم مع هذه الأم ورحلتها لتحقيق العدالة في مواجهة الجميع بمفردها.

نجح الفيلم، وتوالى اقتباس الفكرة.

اقتباس رقم 1: ضد المتحرشين في هوليوود

ولكن، انقلب السحر على الساحر؛ إذ إن فيلم هوليوود المفضل تحول أداة للاحتجاج في مناطق مختلفة من العالم، من بينها هوليوود نفسها، التي استخدمت فيها اللافتات وبالألوان نفسه والعدد (3 لافتات) لمهاجمة أفعال صناع السينما الأميركية، أي الوسط الذي ينتمي إليه صناع الفيلم.

فالفيلم ألهم فنان الشارع المسمى سابو أن يحذو حذو بطلة العمل ويعلق 3 لافتات ضخمة في هوليوود، مهاجماً صمت هوليوود عن المتحرشين.

ومثل تلك الموجودة في الفيلم، كانت اللافتات باللون الأحمر ومكتوباً عليها بحروف سوداء، تحمل 3 رسائل شديدة اللهجة، جاء فيها بالترتيب “جائزة الأوسكار لأكبر متحرش بالأطفال تذهب إلى، جميعنا نعلم ولم يُقبض على أحد، أفصِحوا عن الأسماء على المسرح أو اخرسوا”.

أراد سابو أن يهاجم كل من شجّع التحرش الجنسي في هوليوود بصمته؛ إذ صرح كثيرون بأنهم كانوا على دراية بانحرافات المنتج الشهير هارفي واينستين الجنسية قبل أن يتم فضح الأمر، لكن لم يتحرك أحد.

أقيم حفل الأوسكار الأحد  4 مارس/آذار 2018، واستبق سابو الحفل بوضع اللافتات قبيل افتتاحه بـ4 أيام، موضحاً رغبته في تحطيم الوعظ الزائف الذي تتم ممارسته في أثناء الأوسكار، ومؤكداً أن الطريقة المعتادة بهوليوود هي التظاهر كأن شيئاً لم يحدث!

وقال هذا الفنان، الذي يوصف بأنه محافظ: “بدلاً من مهاجمة ترامب، الأحرى بهم أن يهاجموا ما يحدث في صناعتهم”.

المفارقة أن دانيال باتيسك، مدير الشركة البريطانية التي شاركت في إنتاج الفيلم مع شركة فوكس، كان مديراً في شركة ميراماكس فيلمز (الاستوديو الذي أسسه إمبراطور هوليود المتحرش هارفي واينستين)، ولكنه كان قد انضم إليها بعد تخلي واينستين عنها.

وقبل أيام، علّق باتيسك، الرئيس السابق لـ”ميراماكس فيلمز”، على فضائح هارفي وينشتاين، قائلاً إن الأشخاص الذين عملوا في ظل هذا المنتج “تضرروا عقلياً” من التجربة.

وقال دانييل باتسيك، لراديو “بي بي سي 5” على الهواء مباشرة أنه لم يفاجأ لسماع الادعاءات حول تسلُّط وينشتاين، ولكن لم يسمع من قبل عن أي من مزاعم التحرش الجنسي.

اقتباس رقم 2: ضد بطء العدالة من أجل ضحايا غرينفيل

في الرابع عشر من يونيو/حزيران عام 2017، استيقظت مدينة لندن على حدث مفجع؛ إذ احترق المبنى السكني المعروف باسم برج غرينفيل، المكون من 24 طابقاً، وامتد الحريق ليدمر الجزء الأكبر من المبنى، ويُزهِق أرواح 71 شخصاً.

أمرت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، يوم 22 من الشهر نفسه بفتح تحقيق عام في الواقعة. ومنذ أول جلسة عامة أُقيمت في سبتمبر/أيلول 2017 وحتى إعداد هذا الموضوع، لم تُوجِّه هيئة التحقيق الاتهام لأحد، رغم الشكاوى المقدمة ضد الهيئة المسؤولة عن المبنى بتقصيرهم في تزويد البرج بمعايير السلامة اللازمة.

اندلعت عدة مظاهرات غاضبة تندد بسوء تعامل الحكومة البريطانية مع الأمر، وبطء سير التحقيقات. مرت 8 أشهر منذ اندلاع الحريق دون أي تطورات، فما كان من مجموعة العدالة من أجل غرينفيل إلا أن ذكّرت الناس والحكومة بالأرواح التي ذهبت سدى، وبتقصير الحكومة في تحقيق العدالة للضحايا.

قررت المجموعة أن تسير على خطى فيلم Three Billboards Outside Ebbing, Missouri، ووضعت 3 لوحات شبيهة لما جاء في الفيلم على شاحنات، تجولت بمدينة لندن لتذكير الناس بما حدث، وللضغط على الحكومة لاتخاذ إجراءات فعالة عادلة.

حملت اللوحات 3 رسائل: “71 قتيلاً، ولم يُقبض على أحد بعد، كيف ذلك؟”. لاقى الاحتجاج تغطية إعلامية واسعة، على أمل أن يتم تحقيق العدالة العاجلة.

اقتباس رقم 3: ضد القتل الجماعي في المدارس

في واحدة من أفظع حوادث إطلاق النار المدرسية بأميركا، قُتل 17 شخصاً في حادث إطلاق النار بمدرسة مارجوري ستونمان دوغلاس الثانوية بمدينة باركلاند في ولاية فلوريدا.

ففي عيد الحب، الموافق 14 فبراير/شباط 2018، توجه المتهم نيكولاس كروز الذي يبلغ من العمر 19 عاماً، إلى المدرسة وأطلق جرس إنذار الحريق، ثم فتح النار على كل من قابله في أروقة المدرسة، تخلّص كروز من سلاحه واختبأ بين الطلبة في أثناء عملية الإخلاء بعد وصول قوات الشرطة، ثم أُلقي القبض عليه قرب المدرسة.

الحادث ليس الأول من نوعه في الولايات المتحدة، وقد جاء بعد أن تكررت المطالبة بوضع قوانين للسيطرة على تداول الأسلحة وبيعها، لكن لم تكن هناك استجابة.

ماركو روبيو عضو مجلس الشيوخ عن ولاية فلوريدا، والذي يتلقى تمويلاً من الاتحاد القومي للأسلحة NRA، قال بعد الحادث إأن كل القوانين التي تم اقتراحها لم تكن لتمنع أياً من حوادث إطلاق النار.

جاء الرد على روبيو عن طريق منظمة آفاز المدنية، المهتمة بحقوق الإنسان وإيصال صوت الجماهير لصانعي القرار.

استوحت المجموعة فكرة الفيلم وقاموا بوضع 3 لوحات مماثلة على 3 شاحنات تجولت بمدينة ميامي فلوريدا، وأمام مكتب روبيو؛ للاحتجاج على تصريحاته. “قُتلوا في المدرسة، ولا تزال السيطرة على الأسلحة منعدمة، كيف ذلك ماركو روبيو؟!”.

الرسائل الثلاث التي وُضعت على الشاحنات، وجهت اللوم لهذا المشرع الأميركي لعرقلته محاولة إصلاح الأمر.

رأى روبيو الشاحنات بالفعل، وقال “انهم يتهمونني بكوني مسئولاً عما حدث، هذا حقهم بالطبع، أنا لا أنتقدهم”.

اقتباس رقم 4: ضد مجرمي الحرب في سوريا

استخدمت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان، الخميس 22 فبراير/شباط 2018، 3 لوحات معلقة على شاحنات للتحرك أمام مبنى الأمم المتحدة بنيويورك، تتضمن 3 رسائل: “500 ألف قتيل في سوريا، ولم يتُخذ أي إجراء، كيف ذلك يا مجلس الأمن؟!”.

وجاء هذا الاحتجاج لمطالبة مجلس الأمن باتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف العنف في سوريا والسماح بتقديم المساعدات اللازمة للمتضررين، وذُيّلت الرسائل بهاشتاغ أنقذوا الغوطة.

اقتباس رقم 5: ضد الفساد المنظَّم في مالطا

لعل من أبرز الاحتجاجات التي تأثرت بالفيلم، ما حدث في جزيرة مالطا المتوسطية؛ فقبل ما يزيد قليلاً على 4 أشهر، قُتلت الصحيفة دافني كاروانا غاليزيا؛ بسبب عملها الذي كشف عن الفساد المنظم للحكومة. ونصبت حركة شعبية غير حزبية تقودها نساء تسمى “احتلال العدالة مالطا”، 3 لوحات لإحياء ذكرى وفاة غاليزيا.

ونقلت الصحافة المالطية عن المجموعة قولها: “لقد استلهمنا الفيلم؛ لأنه مع تجاهُل الحكومة المالطية سيادة القانون، أصبحت الحياة بمالطا في الوقت الراهن، تشبه إلى حد كبير العيش في فيلم مافيا”.
ونشروا 3 لافتات حمراء، كُتب عليها: “قتل صحفي. لا عدالة “، و”سرقة بلد ما. لا عدالة”؛ و”لا استقالات. لا عدالة”.

وفي غضون ساعات، أُزيلت لوحات الإعلانات، وقالت سلطات التخطيط المالطية إنها تنتهك النظم؛ لأنها تلقت إشعارات إزالة، ولكن -كما أشارت صحيفة تايمز أوف مالطا المحلية- “لا يزال نحو 40 لوحة غير قانونية موجودة في جميع أنحاء الجزيرة” على الرغم من تلقي إشعارات مماثلة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top