في بيت هادئ بضواحي مدينةٍ في شمالي إنجلترا، تجلس مورين، وهي أمٌّ لطفلتين، في الثلاثين من عمرها، حاملةً حجراً كبيراً أسود في راحة يدها.
كانت قد استخدمت الحجر للتو في طحن التوابل لإعداد وجبةٍ لعائلتها، لكنها قبل بضع سنوات كانت تستخدم نفس الحجر لغرضٍ مختلفٍ تماماً، كي الأثداء.
كانت تسخن الحجر وتضغطه على صدر ابنتها البالغة من العمر 8 سنوات، وكانت تتوقف فقط حين تبدأ الابنة بالبكاء، حين تترك حرارة الحجر كدمةً على جسد الطفلة.
“حين سألتني الشرطة لماذا أفعل هذا قلتُ لهم إنه تقليد“، شرحت مورين متذكرةً التحقيق معها بينما شرع موظفو دائرة الخدمات الاجتماعية المندهشون بالبحث على جوجل عن “كيِّ الأثداء”.
تهدف هذه الممارسةُ إلى إبطاء البلوغ العضوي لدى الفتيات القاصرات لتجنيبهن الانتباه غير المرغوب فيه للشباب، لكن الأطباء يقولون إن مفعول هذه الممارسة ضئيلٌ في تأجيل نمو الأثداء، وقد تُسبب شتى أنواع الأضرار العضوية والنفسية.
هذه الممارسة ليست مقتصرةً على هذه المدينة، فقد اكتشف تحقيقٌ قامت به صحيفة الغارديان البريطانية عشرات الحالات المشابهة في لندن، ليدز، إيسكس وولفرهامبتون.
لكن يبدو أن الحكومة البريطانية وبعض المنظمات غير الحكومية وموظفي الخدمات الاجتماعية كلهم غير واعين لهذه المسألة، أو أنهم ينكرون وجود مثل هذه الممارسة في المملكة المتحدة، وقد اتخذوا موقفاً مسبقاً تجاه البحث عن هذه الحالات أو متابعتها.
تقول الشرطة إن المشكلة الواضحة هي أنه من غير المرجح أن يخبر الأطفالُ الشرطة عن ممارسات ذويهم، وقلائل آخرون من خارج العائلة يمكن أن يعرفوا ما يحصل.
يقول آلان ديفز، رئيس قسم الممارسات الثقافية غير القانونية في شرطة العاصمة: “ما لا نتوقعه هو أن تدخل إحدى الضحايا إلى قسم الشرطة لتخبرنا ما يحصل معها. لو قال لنا الناس أين يحصل هذا، متى، من الضحية ومن المعتدي، عندها نستطيع القيام بفعل شيء حيال ما يجري”.

أما عضو البرلمان عن منطقة بيرمنغهام ياردلي جيس فيليبس فيقول: “الممارسات الثقافية مثل ختان الإناث، الممارسات التي تؤذي الأطفال أو البالغين تمثل مشاكل معقدة الحل، لكن يجب أن نقوم بكل ما في وسعنا لتوعية المجتمعات ضد هذه الممارسات، ونسعى لمحاسبة الذين يرتكبونها ونحمي الضحايا”.
كي الأثداء من إفريقيا إلى بريطانيا
تقول مورين إن كيَّ أثدائها حين كانت طفلةً في الكاميرون جعلها تقتنع أن هذا قد يساعد في حماية ابنتها من الأذى، خاصة حين لاحظت أن أثداء ابنتها بدأت بالنمو.
فالمنطقة التي كانت تعيش فيها لم تكن منطقةً جيدة، ولم يكن بوسعها أن تلعب في الخارج”.
تشرح مورين واصفةً عصابات الشباب التي كانت تتسكع في الشوارع، تتقاتل فيما بينها وتبيع المخدرات: “حين كنت تنظر إلى ابنتي لم تكن ترى الطفل بداخلها، كنت ترى المراهقة فقط، وكان هذا بالنسبة لي كابوساً حقيقياً”.
اتصلت مورين بأمها في الكاميرون، وهي التي أرشدتها خلال عملية الكيّ.
تقول ماري، وهي ناشطة اجتماعية محلية في جنوبي لندن “تقول بعض النساء إنهن يقمن بهذا لأن هؤلاء الفتيات معرضاتٌ للاغتصاب”.
وتقول كارين تازي، وهي الرئيسة التنفيذية لمركز موارد النساء والعائلات في وولفرهامبتون، التي تعمل على توعية النساء حول مخاطر هذه الممارسة: “ننظم مجموعاتٍ للحوار في معظم الأسابيع، وقد تحدثت بعض النساء عن كيِّ الأثداء. إنهن يفكرن في المسألة على أنها شبيهةٌ بالتطعيم الذي يكون مؤلماً ولكنه نافع”.
تضيف أنّ هذه الممارسة تترك آثاراً عضوية ونفسية وصحيةً شاملة خطيرة، إلا أنّ معظم الناس لا يدركونها.
وتتذكر جينيفر ميراج، الممرضة، رؤية عشرات الحالات لنساءٍ وفتياتٍ تم كيُّ أثدائهن، أثناء عملها في مستشفياتٍ في جميع أرجاء المملكة المتحدة. وتقول إنها رأت “نساءً لا يستطعن الإرضاع ويعانين من مشاكل مستديمة من الخُرّاجات والالتهابات، لأن القنوات الناقلة للحليب غير قادرة على نقل الحليب القليل الذي تفرزه أثداؤهن”.
وتضيف أن العديد من النساء كنّ يعانين من “التهابات حمراء مؤلمة ومن عدم القدرة على الارتباط مع أطفالهن عبر الإرضاع”، وأن التشخيص بسرطان الثدي كان شائعاً بين النساء اللاتي تعرضن لكيِّ الأثداء
وهو ما تؤكده كاثي أبا فودة، التي تعرضت لكيِّ الأثداء في الكاميرون، البلد الذي يُعتقد أنه منشأ هذه الممارسة، إذ تقول إنه كانت ثمة حالاتٌ لنساءٍ تعرضن لكيِّ الأثداء وأصبنَ لاحقاً بسرطان الثدي.
وتضيف فودة: “فقدنا امرأة شابة خلال الشهر الماضي، كانت قد تعرضت لكيِّ الأثداء وقد ماتت بسرطان الثدي في عمر الرابعة والعشرين. لا أدري لِمَ لمْ يقم أحدٌ بإجراء دراسةٍ حول الرابط بين الاثنين”.
المشاكل النفسية أيضاً شائعة بعد عملية كيِّ الأثداء، ويمكن أن تستمر هذه المشاكل لسنوات، بحسب ما تقول فودة: “حين رُزقت بطفل عادت إليّ كل آثار الصدمة”، شارحةً أنها كلما حاول الطفل أن يصل إلى ثديها شعرتْ بالهلع، وكأن أحدهم على وشك أن يؤذيها.
لكنَّ بعض النشطاء الاجتماعيين في بريطانيا يبدون غير واعين لهذه المخاطر.
تقول ماري: “لم أرَ أي بحثٍ يقول إن كيَّ الأثداء ممارسةٌ ضارةٌ، وحتى الآن لم أكن قد سمعتُ أنها مرتبطة بالسرطان”، مضيفةً أن بعض النساء يقلن إن هذه الممارسة تقوّي الرابطة بين الأم وابنتها. فالشيء الوحيد هو أن الحلمة تتجه نحو الداخل تقريباً، وهو ما يصعب الإرضاع للغاية.
تقول ليلى حسين، الناشطة المعارضة لختان الإناث، التي تقدم أيضاً علاجاً نفسياً للناجيات من كيِّ الأثداء، إن “ختان الإناث وكيَّ الأثداء يعودان ليتحكّما في أجساد النساء لاحقاً”.
أما ماري ستيلا من وولفرهامبتون فتقول إنّ “المجتمع بأسره بحاجةٍ إلى توعية، لأنّ خلفيتنا الثقافية تجعلنا نفكر ألّا ضرر من القيام بهذه الأفعال”.
ويقول نذير أفضال، النائب العام السابق لشمال غرب إنجلترا، إنّ إصدار قانونٍ خاص ضد كيِّ الأثداء يمكن أن يوفر مساعدة، مستشهداً بالتجربة السابقة المتعلقة بتجريم الزواج بالإكراه، “أحياناً تحتاج إلى تغيير القانون لترسل رسالة معينة”.
لكن آخرين يعتقدون أن مثل هذا القانون سيكون له أثرٌ كارثي، وسيجعل من مثل هذه الممارسة سريةً أكثر، فتقول ماري: “أنظر إلى ختان الإناث: منذ عام 1985 وحتى الآن ما زالوا يبحثون عن شخصٍ يمكن أن يحاكموه على هذه الجريمة. أليس هذا سخيفاً؟ تراهم يلفون ويدورون بشكل مثيرٍ للشفقة، متسائلين: هل تعرفون أحداً يخضع لختان الإناث؟ وإن وجدوا طفلةً تعرضت له فسوف يحاصرونها بالأسئلة، هذا ليس دعماً، أليس كذلك؟”.
تقول تازي إن التدخل يجب أن يكون دقيقاً “تحتاج المزيد من المنظمات إلى امتلاك الموارد والمناسبات لدفع هذه المجتمعات الصغيرة إلى الكلام، لأنها إن لم تتكلم فستكون دائماً ثمة جريمةٌ خفية، لكن كلما تحدثنا عنها أكثر أصبح بالإمكان إيجاد حلول أكثر”.
تكمل: حين بدأنا كنا نقيم جلساتٍ للحديث عن كيِّ الأثداء وختان الإناث، ولم يكن أحدٌ يحضر هذه الجلسات. لكنهم رأونا، كنا هناك بشكل دائم، ونحاول أن نعمل معهم حول الموضوع دون أن نجرِّمهم، وهم الآن أكثر انفتاحاً على الكلام عن الموضوع.
في حالةِ مورين، احتجز موظفو الخدمات الاجتماعية ابنتها لمدة عشرة أيام، ثم أعادوها لعائلتها. لم تواجه مورين تهماً جنائية، وحصلت فقط على تحذيرٍ من الشرطة.
تقول مورين: “أتى موظف خدمات اجتماعية مرةً في الأسبوع، لشهر أو شهرين، وهذا كل ما في الأمر. بعد هذا أسقطوا القضية”. ونقلت مورين ابنتها إلى مدرسةٍ أخرى.
وتضيف مورين بأسى وهي تضرب كفّيها ببعضهما أسفاً: “لو كنت أعرف قوانين هذا البلد لكنت أبقيتُ ابنتي في البيت لمدة ثلاثة أيام (بدلاً من إرسالها فوراً إلى المدرسة) حتى تختفي تلك الكدمات، ما كانوا ليعرفوا أبداً”.