يعكف خبراء من دول المغرب العربي، على إعداد مشروع مشترك لإدراج طبق الكسكس، ضمن التراث العالمي الإنساني، على مستوى منظمة اليونيسكو، وتأتي المبادرة المشتركة بين هذه الدول لتجاوز التجاذبات حول ملكية الوجبة التقليدية الأشهر في شمال إفريقيا.
ويعد الكسكس أو الكسكسي، الطبق الأكثر حضوراً على موائد سكان المنطقة المغاربية، سواء في الأيام العادية أو المناسبات، ويكتسب رمزية خاصة تتعلق خصوصاً بالدفء العائلي والتكاتف الاجتماعي.
مشروع مغاربي مشترك
وكشف مدير المركز الجزائري، لبحوث ما قبل التاريخ، والإنثروبولوجيا التاريخية، سليمان حاشي عن التحضير لمشروع مغاربي مشترك، يهدف إلى تصنيف طبق الكسكسي ضمن قائمة التراث الإنساني العالمي على مستوى منظمة اليونيسكو.
ونقل الموقع الإلكتروني لقناة تي في 5 موند الفرنسية، عن وكالة الأنباء الجزائرية، أن حاشي صرَّح بأن “خبراء من دول مغاربية لم يحددها بدقة، يعملون على ضبط واستكمال تفاصيل المشروع”، وأكد على البعد الجهوي للمشروع بقوله: “ملف إدراج الكسكس في التراث العالمي مشروع مشترك لدول المغرب العربي”.
وأفاد ذات المصدر، بانعقاد اجتماعات لهؤلاء الخبراء حول الموضوع في آجال قريبة.
طبق المحن والأفراح
تختلف تسميات الطبق الأصيل، بين الدول المغاربية، ولكن المعنى واحد، فالكسكس أو الكسكسي أو سكسو عند أمازيغ شمال إفريقيا أو البربوشة أو النعمة في بعض مناطق الجزائر كلها، تعني ذلك الطبق المعد من طحين القمح الصلب، في شكل حبيبات صغيرة متكافئة الحجم، ويؤكل بالملاعق في أوانٍ خشبية أو من الفخار.
ويتم إعداد الكسكس، بانتقاء أجود أنواع الخُضر (الجزر، الكوسة، اللفت، البطاطا)، ولحم الضأن أو الدجاج وحتى السمك في بعض المناطق.
ولم يغادر الكسكسي أطباق سكان شمال إفريقيا، في مختلف مراحل حياتهم، حيث كان وجبة الفقراء نظراً لسهولة الحصول على مادته الأولية (القمح المطحون أو الدقيق)، ووجبة المناسبات الدينية والأفراح.
وتعتبر وجبة أصلية ورمزاً للتكاتف والتعايش الاجتماعي في الوقت ذاته، لأن طريقة تناوله دائماً ما كانت تتم بتشارك 6 أشخاص في صحن عملاق (القصعة)، في الأعراس وختان الأطفال والعقيقة وغيرها من المناسبات الاجتماعية.
وفي الجزائر كما في المغرب وتونس وليبيا وموريتانيا، يعتبر الكسكسي سلطان يوم الجمعة، إذ تختاره غالبية العائلات كوجبة للغداء، ويتناول بشكل جماعي بين أعضاء العائلة الواحدة.
وفي السياق أكد يوسف، وهو جزائري مغترب في كندا: “أكثر شيء أشتاق إليه في غربتي، هو كسكس أمي يوم الجمعة”، وقال لعربي بوست “الكسكس بالنسبة إلي هو بطاقة هوية النمط الغذائي الجزائري، أو المغاربي بشكل عام، لا يمكن أن تتحدث مع أجبني عن أكلات بلدك دون أن تبدأ بالكسكس”.
لماذا المشروع مغاربي؟
قد يتساءل البعض، عن سبب تقدم خبراء من دول مغاربية، بمشروع لتصنيف هذه الوجبة البسيطة والضاربة في جذور التاريخ، بمشروع مشترك لليونسكو، والجواب يكمن في الخلاف حول الملكية الأصلية للطبق بين هذه البلدان، حيث غالباً ما تدعي كل من الجزائر والمغرب وتونس انفرادها بملكية الطبق.
وقالت الباحثة في مركز بحوث ما قبل التاريخ والإنثروبولوجيا التاريخية، لوكالة الأنباء الجزائرية، لويزة غاليز: “إن الكسكس طبق يعود إلى آلاف السنين، وهو ملك لشعوب عدة. وأوضحت أن الكسكس يعود إلى العصور القديمة”.
وقالت إن “أدوات قريبة من تلك التي تستخدم في صناعة الكسكس عثر عليها في قبور تعود لحكم الملك البربري ماسينيا” (202-148 قبل الميلاد)، الذي وحّد مملكة نوميديا، التي تضم شمالي الجزائر، وأجزاء من تونس وليبيا اليوم”.
وأضافت: “سمحت حفريات في منطقة تياريت (250 كيلومتراً جنوب غربي الجزائر) باكتشاف هذه الأدوات العائدة إلى القرن التاسع، ولا سيما قدر للكسكس”.
وسبق للجزائر أن تقدمت في صيف 2016، بطلب لليونسكو من أجل تصنيف أغنية الراي ضمن التراث العالمي، وهو ما أثار حفيظة المغرب، التي تدعي بدورها أحقيتها بملكية هذا الطابع الغنائي.
الكسكس يوحِّد ما فرَّقته السياسة
واعتبرت الباحثة لويزة غاليز، أن إدراج الكسكس ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، سيعزز الروابط بين الشعوب المغاربية.
وهو طرح يتفق فيه إلى حد بعيد شعوب المنطقة المغاربية، الذين يؤكدون أن لديهم نفس الثقافات، ويتطابقون في العادات والتقاليد ذاتها. وأكدت شيماء، وهي صحفية مغربية لعربي بوست، أن الشعبين الجزائري والمغربي على سبيل المثال يشتركان إلى حد بعيد في نمط العيش والثقافة، واستدلت بأن الكسكسي هو الطبق المفضل للمغاربة يوم الجمعة، مثلما هو الحال في الجزائر.