في كورنيش مدينة طرطوس السورية الساحلية وقف مجموعة من طلاب إحدى المدارس لالتقاط الصور أمام سيارة ملونة غريبة المنظر، ألقوا التحية على الموجودين فيها، ثم تابعوا طريقهم والضحكات تعلو وجوههم.
السيارة الملونة هي عبارة عن مطعم متنقل مزود بطاولة وعدة كراس، متخصص بتقديم المشروبات الساخنة وبعض الحلويات، أسستها شابة اسمها دارين كعكة بالمشاركة مع صديق لها هو المهندس إيهاب شربا.
دارين رفضت الخضوع لظروف التهجير وغياب فرص العمل.. فجذبت هذه الشابة الحلبية بمشروعها المشترك مع صديقها في مهجرها طرطوس اهتمام مواقع التواصل الاجتماعي.
يقول إيهاب ودارين لـ “عربي بوست” إنهما اعتادا على محبة الناس هذه، والتقاط الصور لمطعمهما الجديد الذي حمل اسم “ع موقف دارينا”، تيمناً باسم دارين صاحبة الفكرة.
يوضح إيهاب وهو من أبناء طرطوس وكان يعمل في مجال التدريس بحكم دراسته بمجال الهندسة الميكانيكية قصة هذه السيارة الغريبة، قائلاً إنه تعرف على دارين من حوالي السنة والنصف بحكم تطوعهما بعدة جمعيات، وخلال فترة صداقتهما اطلع على مشروع تخطط له صديقته الحلبية وضعت له دراسة كاملة وتخطيطاً دقيقاً، فعبر لها عن رغبته بالمشاركة معها لتنفيذه على أرض الواقع، وهو ما تم فعلاً.
دراسة دارين الأصلية ليس لها علاقة بالمجال الجديد الذي اختارته ونجحت فيه، إذ أنها خريجة قسم ترجمة وقد نزحت إلى طرطوس منذ نحو ثلاث سنوات، وهناك بدأت العمل في مجال الترجمة أونلاين واشتركت بعدة جمعيات وعملت بمجال التطوع، وقد شاركت في دورة موجهة للشباب ليتمكنوا من تأسيس مشروعهم الخاص.
وأثناء هذه الورشة بدأت في تنفيذ مشروعها خطتها وتقدمت لبطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس وحصلت على تمويل جزئي بالتعاون مع صديقها إيهاب لتأسيس المشروع.
تعديل في هندسة السيارة.. الحاجة أم الاختراع
المشروع احتاج لبعض الوقت لتأمين السيارة المناسبة، إذا كانا يبحثان عن سيارة فولكس فاغن تُعرف محلياً باسم “الصالون”، هي أشبه بالفان ومن ثم إخضاعها للصيانة وإعادة تأهيلها لتتمكن من ممارسة المهمة الجديدة لها.
ويشرح إيهاب بأن التعديلات شملت تغيير سقف السيارة الثابت ليصبح متحركاً مع مظلة أمامية إحداها على جانب السيارة الأيمن، والأخرى على الجانب الأيسر”.
ثم انهمك الشريكان في البحث عن تصميم مناسب يتلاءم مع المنتجات التي ينويان تقديمها وفي الوقت ذاته يلفت لهما الأنظار ويدخل البهجة لدى الناس، وحينما استقرا على الاستعانة بفنان نفذ لهما الرسومات والألوان التي توصلا إليها.
كما حصلت دراين على تمويل جزئي من برنامج منح المشاريع الصغيرة في بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس – دائرة العلاقات المسكونية والتنمية، ووظفت هذه المنحة لشراء بعض متطلبات العمل مثل بطاريات الشحن وإحدى الآلات الضرورية.
كيف اكتسبت هذه الشهرة؟
بعد أشهر من العمل والتحضير انطلقت السيارة الملونة واختارا لها مكاناً في كورنيش طرطوس بناء على موافقة مسبقة من المحافظة، وانتشر الخبر على الفور بين الناس، وفوجئ الشريكان بتناقل الكثيرين لصور السيارة بسرعة كبيرة عبر السوشال ميديا.
وتقول دارين، إنها لم تتخيل أن يأخذ المشروع مثل هذا الصدى الكبير، الأمر الذي منحهما ثقة أكبر في خطوتهما الجديدة.
وتقول إنهما يومياً يلتقيان بأشخاص لا يعرفانهم، ولكن يباركون لهما خطوتهما هذه ويلتقطون الصور معهما وينشرونها بدورهم على صفحاتهم في فيسبوك وغيرها.
وتؤكد دارين بأنه لم يشغلها أبداً موضوع الخوف من ردة فعل المجتمع، لكونها فتاة تعمل في سيارة على الطريق العام، خاصة وأن طبيعة طرطوس منفتحة نوعاً ما، كما أن الحرب غيرت كثيراً من النظرة العامة تجاه المرأة، بالإضافة لوجود شريكها إيهاب الذي قدم لها الكثير من العون.
وتقول دارين إن أكثر ما لفت نظرها زيارة الكثير من الحلبيين النازحين من مدينتهم ممن يقيمون في طرطوس وتشجيعهم لهما، كونها تمكنت من تأمين فرصة عمل لها وتحدت ظروف التهجير والانتقال إلى مدينة جديدة.
حلوى الأم.. وخطط التوسع
يعمل الشابان يومياً حوالي الخمس عشرة ساعة فهما ينطلقان بسيارتهما بحدود الساعة السابعة صباحاً، وينهيان عملهما عند الساعة التاسعة ليلاً، ويمضيان وقتهما الطويل هذا في خدمة الزبائن المتوافدين عليهما، لطلب المشروبات الساخنة الخاصة التي يعملان عليها وتذوق الحلويات التي تصنعها والدة دارين في محل قريب متخصص بهذه الأصناف.
وتوضح دارين أنهما يخططان لتوسيع العمل كي يقدما أصنافاً أخرى مثل الكريب وعدم الاكتفاء بالمشروبات والحلويات كما هو الوضع حالياً، وأن تصبح ساعات العمل 24 ساعة وسيستعينان لاحقاً بموظفين لمساعدتهما على هذا الأمر.
تختم دارين حديثها لـ “عربي بوست” بالتأكيد بأنها كانت تحلم بهذا المشروع منذ طفولتها، وجدت اليوم أن الوقت حان لتأسيس عمل لها بعدما أمضت سنوات تعمل في مجال الترجمة والدعم النفسي، ولأن ظروف الحرب ساقتها إلى طرطوس فقد نفذت حلمها في هذه المدينة الساحلية، وهي تتمنى تأسيس فرع آخر في مدينتها حلب حينما تتاح لها الفرصة.