كتب الرحالة العثماني أوليا جلبي عام 1671: “مهما كانت الصناعات اليدوية حول العالم، فإنَّ فقراء القاهرة يتحصلون عليها، ويصنفونها، ويتاجرون بها”. والآن بعد قرابة 350 عاماً، لايزال فقراء القاهرة يحافظون على هذا التقليد في منطقة الدرب الأحمر.
يمتد هذا الحي العريق جنوب شرق ووسط القاهرة، يسكنه 100 ألف شخص، ويضم آلاف الورش، ويعج المكان بالحرفيين الذين يصنعون تقريباً كل شيء، بدايةً من الخيام، والكتب، والصناديق، والفوانيس النحاسية، إلى الأواني الزجاجية، والسجاد الحريري.
ويعود تاريخ تسمية المنطقة إلى مذبحة القلعة، التي تخلص فيها محمد على، والي مصر، من المماليك عام 1811، حيث استغل محمد علي خروج الجيش المصري لبلاد الشام، فدعا المماليك لوليمة كبيرة، وعقب انتهائها، أخذهم معه لتوديع الجيش من باب العَزَ الذي يمر بطريق صخري منحدر بالقلعة، فسار المماليك معه خلف الجيش، وبمجرد وصولهم إلى ذلك الباب المطل على أحد شوارع القاهرة، أمر بإغلاق الباب؛ ليبدأ الجنود في إطلاق رصاص بنادقهم على المماليك الذين لم ينجُ منهم سوى واحد فقط جرى وقفز بحصانه من أحد أسوار القلعة.
وأضاف أن المؤرخين يذكرون أن دماء القتلى أغرقت المكان، واندفعت إلى الطريق المجاور للباب. وعلى الرغم من أوامر محمد علي لجنوده بغسل الطريق، إلا أن لون أرضه ظل أحمر من كثرة الدماء التي التصقت بالأرض، وهو ما جعلهم يطلقون عليه اسم “الدرب الأحمر”، الذي لا يزال أحد أشهر المناطق الشعبية المصرية حتى الآن.
صحيفة الغارديان البريطانية كانت حاضرة في شارع الخيامية بالدرب الأحمر، وهو الشارع الذي يعكس هذه الروح التجارية. بُنِيَ هذا الشارع المغطى عام 1650 في هيئة أروقة، مجموعة متتالية من الورش التي تصطف جدرانها الداخلية بالمنسوجات المزخرفة.
ويقول حائك يدعى حسن من داخل مقره الذي يعود بناؤه إلى عصر العثماني، إنَّ حرفة الخيامية، أي صناعة الخيام، تعود إلى زمن الفراعنة. “ينحدر بعض النساجين اليوم من العائلات التي تنتج كسوة الكعبة، وكذلك الخيام، والملابس والسروج المعدة لأولئك الذين يخططون للحج إلى أقدس الأراضي الإسلامية”.
تحتوي المنطقة التي تغطي ما يقرب من كيلومتر مربع على أكثر من 40 نصباً تذكارياً بُنِيَت أثناء العصور الفاطمية، والأيوبية، والمملوكية، والعثمانية المتعاقبة. وبالتعاون مع الحكومة، رممت شبكة الأغا خان للتنمية – منظمة غير طائفية تعمل على تحسين رفاهية الناس وإمكانياتهم في دول العالم النامي – العديد منها؛ مثل مسجد إبراهيم أغا ومجمع الأمير خاير بك.
أجانب قلائل
في الدرب الأحمر، لن ترى الكثير من الوجوه الأجنبية، ربما تلاحظ بعض وجوه الشباب المسلمين القادمين من إندونيسيا، نظراً لدراستهم في جامعة الأزهر القريبة. ويأتي هذا نتيجة لمخاوف معظم السياح الغربيين من التواجد بالقاهرة بسبب المشاكل الأمنية بعد تعرض الأقلية المسيحية في مصر لعددٍ من الهجمات في السنوات الأخيرة، وبعض التفجيرات.
لكن مع هذا، سينتابك شعر بالأمان عندما تتجول بالمنطقة، حيث سترى عدداً لا يُحصى من الرجال كبار السن، جالسين في المقهى يحتسون أكواب القهوة أو الشاي، ويرحبون بأي أجنبي بعبارة “أهلاً وسهلاً”.
بجانب مسجد “أصلم السلحدار”، الذي يرجع إلى القرن الرابع عشر، توجد ورشة لصبغ الخيوط. هناك ستلتقي بسلامة، الذي عمل صباغاً لمدة 73 عاماً، وحوله ستلاحظ العمال وهم يسحبون الخيوط القطنية من حوضٍ حجري مليء بالصبغة السوداء، فتنساب تياراتٌ داكنة من السائل على الأرض.
أوضح سلامة كيف أنَّ العمل كان جيداً في ظل نظام عبد الناصر الثوري: “كان الروس يمدونا بالأسلحة ونمدهم نحن بالقماش”. لكن في عام 1967، تغيَّرَت الأمور بعد الحرب الكارثية التي استمرت ستة أيام ضد إسرائيل. بعد جمال عبد الناصر جاء السادات، الذي حرَّر الاقتصاد، وفتحه أمام الاستثمار المحلي والأجنبي. دخلت بضائع أرخص في السوق المحلية، مما أضر بصغار المنتجين. فقد الكثيرون وظائفهم.
إحياء التاريخ
معظم الحرفيين والحرفيات مرتبطون كثيراً بتاريخهم، ويحيون عناصر ثقافتهم كل يوم. داخل ورشة تعمل بتجليد الكتب بالقرب من جامع الأزهر في القاهرة، يجلد إسلام وزميله 150 كتاباً في اليوم، لكنَّهما معنيان الآن بتجليد أحد كتب تفسير القرآن الكريم الذي كُتب في عام 630 هجرياً. كان إسلام يصف أحد أكثر كتبه “تميزاً”، عن الإسكندر الأكبر، الذي نُشر لأول مرة على ورق البردي في عام 330 قبل الميلاد.
https://twitter.com/magodelmasry/status/981186330154725376
عندما زار أوليا جلبي القاهرة في القرن السابع عشر، سجل وجود 20 ورشة يعمل بها 300 صانع للسجاد. وكتب أنَّهم “ينسجون سجاداتٍ حريرية وسجادات صلاة، تمجيداً للذي يعجز اللسان عن وصفه (الله)” أثناء إقامته في غرفة صغيرة في الشوارع الخلفية لحيّ منشية ناصر المجاور، ولا تزال هذه الحرفة قائمة حتى اليوم. يتطلب الأمر 6 أشهر من كل شخصين لإنتاج سجادة حريرية بطول مترين إلى ثلاثة أمتار.
يجلسون على مقاعد منخفضة، ويضعون النول الرأسي أمام رسم تخطيطي للتصميم النهائي فوقهم.
الحياة وسط الموتى
بالقرب من الدرب الأحمر تقع “القرافة” (مقبرة الموتى) المترامية الأطراف، حيث يدفن السكان المحليين منذ الفتح الإسلامي لمصر منذ أكثر من 1300 عام. اليوم، وبسبب النمو الحضري السريع، يعيش 250 ألف قاهرياً بين الأضرحة والمقابر. التقيت هناك بملاكم سابق يعمل الآن في حرفة صناعة الأواني الزجاجية يُدعى حسن “هُدهُد”.
يقول هدهد إنَّ أعماله ترتبط بالأشباح والأساطير التي تعود إلى عهد الملك سليمان الذي خدع ملكة سبأ. في محاولة لثنيه عن القيام بمثل هذا العمل الشاق، حاول والده أن يروعه، واصفاً إياه بأنَّه “حرفة العفاريت”.
الوقت الأصعب
عند الغسق، يمر صبي يوزع الخبز وهو يحاول موازنة صينية طولها خمسة أقدام من الخبز البلدي الطازج المخبوز فوق رأسه. بعد لحظاتٍ يمر محمد، وهو صانع فوانيس من الجيل الثالث. داخل الورشة، ترتكز الفوانيس النحاسية والحديدية نصف المصنعة على الأرفف والطاولات. لصنع القطع المعدنية المزخرفة، يرسم محمد عليها معالم التراث القاهري، وذلك بالاستعانة بالطرز المملوكية والقبطية والأندلسية والمغربية.
يقول محمد إنَّ “الآن هو أصعب الأوقات” لارتفاع أسعار المواد الخام، ما يتزامن مع وجود عدد أقل من السياح الذين كانوا من المشترين الرئيسيين، لكنَّه وجد جانب إيجابي غير متوقع للأزمة، وهو مجيء السوريين بسبب الحرب. بدأوا في بناء ورش لتنجيد الأسرَّة وصناعة الملابس. يرى محمد أنَّ مشاريعهم أسهمت في الاقتصاد المحلي.
مع نهاية الجولة، ستكون منظوراً آخر يشير إلى أنَّ الحرفيين يملكون درجة من المرونة ضد الأحداث التاريخية. أحد صابغي القماش البالغ من العمر 81 عاماً تحدث عن تأثير “الربيع العربي” وما تلاه من ثورةٍ مضادة على الحرفيين، فقال “بالنسبة لنا، لم يتغير أي شيء باستثناء الرئيس. لا تزال حياتنا، والطعام الذي نأكله، والمال الذي نربحه، كما كان”.
يبدو أنَّ التاريخ يدور حول هذا المكان في عدة طبقات تشبه خطوط المد. يشعر بآثاره، لكن بخفة. وسط كل هذا الكم من الخلق والتجديد، لا يسع المرء ألا يلمس شعوراً واضحاً بالتدفق. هؤلاء الحرفيين هم أهم ما يسهم في ذلك الشعور، فعلى الرغم من الاضطرابات التي تمر بها بلدهم والمنطقة بأكملها، يمضون في حيواتهم.