لماذا لا يكف دماغك أبداً عن اختلاق المشكلات والبحث عنها؟

لماذا تستمر الكثير من مشكلات الحياة مهما حاول الناس حلَّها بجد؟ يتَّضح أنَّ هناك شذوذاً في طريقة معالجة المعلومات لدى المُخ البشري، يجعلنا عندما يندُر وجود شيءٍ ما نراه أحياناً في أماكن أكثر من ذي قبل، حسب ديفيد ليفاري الباحث بجامعة هارفارد.

فكِّر مثلاً في “دورية الحيّ”، المُكوَّنة من متطوعين يتصلون بالشرطة في حال رأوا أمراً مثيراً للشك. تخيَّل متطوعاً جديداً ينضم للدورية كي يساعد في تقليل معدَّل الجريمة في المنطقة. عندما يبدأ ذلك الشخص بالتطوُّع، فإنَّهم يدقون جرس الإنذار لدى رؤيتهم علاماتٍ على حدوث جرائم خطيرة، مثل الاعتداء أو السرقة، حسب تقرير مترجم عن النسخة الأسترالية من موقع The Conversation.

لنفترض أنَّ تِلك الجهود آتت ثمارَها، ومع الوقت أصبحت جرائم الاعتداء أو السرقة أكثر ندرةً في الحي. ماذا يفعل المتطوِّع تالياً؟ أحد الاحتمالات هو أنَّه سيسترخي ويتوقف عن الاتصال بالشرطة. ففي نهاية الأمر، أصبحت الجرائم الخطيرة التي يقلق بشأنها جزءاً من الماضي.

لكنَّك قد تفكِّر بصورةٍ غريزية أكبر مثل مجموعة البحث التي كنتُ أدرسها، وتعتقد أنَّ كثيراً من المتطوعين في هذا الموقف لن يسترخوا فقط لأنَّ معدَّل الجريمة قد انخفض. بل بدلاً من ذلك، سيبدأون بوصف أشياءٍ بـ”المثيرة للشك” لم يكونوا ليلقوا لها بالاً عندما كانت الجريمة في أوجّها، مثل قطع الشارع دون انتباه أو التسكُّع ليلاً.

يمكنك على الأرجح التفكير في عدة مواقف مشابهة تبدو فيها المشكلات كما لو كانت لا تنتهي، لأنَّ الناس لا يكفُّون عن تغيير تعريفهم للمشكلة ذاتها. تُسمَّى تلك الظاهرة أحياناً “تبدٌّل المفهوم” أو “تحريك مرمى الهدف”، وتِلك التجربة قد تكون محبطة. كيف يمكنك معرفة ما إن كنتَ تحرز تقدماً في حلِّك لمشكلةٍ ما، في حين أنَّك مستمرٌ في إعادة تعريف ما يعنيه حلها؟ أردتُ أنا وزملائي أن نفهم متى يحدث هذا النوع من السلوك، ولِمَ يحدُث؟ وما إن كان منع حدوثه ممكناً؟

البحث عن المشكلات

لدراسة كيفية تغيُّر المفاهيم عندما تصبح أقل شيوعاً، جلبنا متطوعين إلى معملنا، وأسندنا لهم مهمةً بسيطةً، وهي النظر لمجموعة من الوجوة المُولَّدة باستخدام الكمبيوتر، وتقرير أيّها يبدو “مهدِّداً”. جديرٌ بالذكر أنَّ تِلك الوجوه صممها الباحثون بدقة لتتراوح بين البراءة والتهديد.

وفيما عرضنا للناس وجوهاً مُهدِّدة أقل فأقل بمرور الوقت، وجدنا أنَّهم في المقابل وسَّعوا تعريفهم لما قد يكون “مهدِّداً” ليشمل المزيد من الوجوه. بصياغةٍ أخرى، عندما لم يجدوا وجوهاً مهدِّدة، بدأوا باعتبار وجوهٍ كانوا يصفونها بالمسالمة ضمن الوجوه المرعبة. وفضلاً عن أن تكون فئة “الوجه المهدِّد” ثابتة، ما اعتبره الناس “تهديداً” اعتمد في الحقيقة على عدد التهديدات التي تعرضوا لها مؤخراً.

هذا التغير لا يقتصر على الحُكم على مدى التهديد. ففي تجربةٍ أخرى، طلبنا من أشخاصٍ أن يتخذوا قراراً أبسط من هذا: أن يحكموا ما إن كانت نقاطٌ ملوَّنة على الشاشة زرقاء أم أرجوانية.

عندما نَدُرَ ظهور النقاط الزرقاء، بدأ الناس يصفون النقاط الملونة بالأرجواني الفاتح بأنَّها زرقاء. وفعلوا نفس الشيء حتى عندما قيلَ لهم أنَّ النقاط الزرقاء ستظهر أقل، أو عُرِضَت عليهم جوائز نقدية في مقابل الثبات في معايير الحكم. تشير هذه النتائج أنَّ هذا السلوك لا يحدث بتحكمٍ واعٍ كلياً منَّا، وإلَّا كان سيستطيع الناس أن يكونوا أكثر اتساقاً في قراراتهم للفوز بجائزةٍ نقدية.

اتساع مظلة تعريف اللاأخلاقي

بعد النظر لنتائج تجاربنا عن مدى التهديد في تعبيرات الوجه والحُكم على درجة اللون، تساءلت مجموعتنا البحثية عمَّا إن كانت تِلك مجرَّد خاصية عجيبة تتمتَّع بها أجهزتنا البصرية. هل يحدث هذا الشكل من تغيُّر المفهوم أيضاً مع الأحكام غير البصرية؟

كي نختبر هذه النظرية، أجرينا تجربةً أخيرة طلبنا فيها من المتطوعين أن يقرأوا عن دراساتٍ علمية مختلفة، ويقرروا أيّ الدراسات منها أخلاقي وأيها غير أخلاقي. وشككنا أنَّنا سنجد نمط عدم الثبات ذاته في هذا النوع من الأحكام، مثلما ظهر مع الألوان أو الوجوه.

لمَ؟ لأنَّنا ظننَّا الأحكام الأخلاقية ستكون أكثر ثباتاً واتساقاً مع الوقت، مقارنةً بغيرها من الأحكام. ففي النهاية، إن كنت تظن اليوم أنَّ العنف تصرُّف خاطئ، ستراه خاطئاً غداً كذلك، بغضِّ النظر عن كمِّ العنف الذي شهدته يومها.

لكنَّ المفاجئ أنَّنا وجدنا النمط ذاته. فيما عرضنا للناس نسبةً أقل وأقل من الدراسات غير الأخلاقية بمرور الوقت، بدأوا يصفون دراساتٍ أكثر بأنَّها غير أخلاقية. بمعنى آخر، لأنَّهم كانوا يتعرَّضون لدراساتٍ غير أخلاقية أقل، أصبحوا أكثر قسوة في حكمهم بشأن أخلاقية الدراسات.

المخ يحب إجراء المقارنات

لمَ يُوسِّع الناس بلا وعي مفهومَهم عن التهديد، عندما يصبح التهديد نادراً؟ تشير أبحاثٌ خاصة بعلم النفس الإدراكي، وعلم الأعصاب إلى أنَّ هذا النوع من السلوك هو نتيجة للطريقة الأساسية التي تُعالِج بها أدمغتنا المعلومات، إذ إنَّنا نقارن باستمرار بين ما هو أمامَنا الآن وبين سياقه الأحدث.

وعليه، بدلاً من اتخاذ قرارٍ متأنٍّ بشأن ما إن كان وجهٌ ما مُهدِّداً مقارنةً بجميع الوجوه الأخرى، يُمكن للدماغ فقط أن يخزن مدى تهديد الوجه ذاك، مقارنةً بالوجوه الأخرى التي رآها مؤخراً، أو أن يقارنه بمتوسط الوجوه التي رآها مؤخراً، أو بأكثر وأقل الوجوه تهديداً من بينها. قد يؤدي هذا النوع من المقارنة مباشرةً للنمط الذي رأته مجموعتي البحثية في التجارب التي أجريناها، لأنَّه عندما تصبح الوجوه المُهدِّدة نادرةً، يجري الحكم على الوجوه الجديدة نسبةً إلى وجوهٍ مسالمة في أغلبها. ووسط بحرٍ من الوجوه الهادئة، قد يبدو وجهٌ ذو تهديدٍ طفيف كما لو كان مرعباً.

اكتشفنا أنَّه بالنسبة لأدمغتنا، فإنَّ المقارنات النسبية تستهلك طاقةً أقل مِن إجراء قياساتٍ مطلقة. حتى يمكنك تخيُّل لِمَ يحدث هذا، فكِّر في سهولة تذكُّر أي أقربائك هو الأطول، فضلاً عن أنَّ تتذكر أطوالهم جميعاً. الأرجح أنَّ الدماغ البشري قد تطوَّر ليمكنه استخدام المقارنات النسبية في مواقف عدة، لأنَّ هذه المقارنات غالباً ما تُوفِّر معلوماتٍ كافية لاتخاذ القرارات، والتعامل في بيئتنا بشكلٍ آمن، مع الحفاظ على بذل أقل جهدٍ ممكن، حسب ديفيد ليفراي، وهو باحث حاصل على درجة الدكتوراه في الطب النفسي من جامعة هارفارد.

عليك الثبات إذاً عندما يقتضي الأمر ذلك

أحياناً ما تكون الأحكام النسبية كافية. إذا كنتَ تبحث عن مطعمٍ راقٍ، فإنَّ ما قد تعدّه “راقياً” في مدينة باريس، بولاية تكساس الأميركية، يختلف عن مدينة باريس بفرنسا.

لكنَّ مُراقب الحي الذي يطلق أحكاماً نسبياً سيستمر بمدِّ مفهومه عن “الجريمة”، ليشمل تجاوزاتٍ أبسط فأبسط، بعد وقتٍ طويل من تراجع نسبة الجرائم الخطيرة. ونتيجةً لذلك، فإنَّهم قد لا يُقدِّرون أبداً نجاحهم في المساهمة في الحد من المشكلة التي تُقلقهم. وبدءاً من التشخيصات الطبية وحتى الاستثمارات المالية، يحتاج البشر المعاصرون لإصدار أحكامٍ معقَّدة عديدة، يكون فيها ثبات المفهوم أمراً مهماً.

كيف يمكن للناس اتخاذ قراراتٍ بمعايير أكثر ثباتاً عند الضرورة؟ تُجري مجموعتي البحثية حالياً دراسة متابعة في المعمل، لتطوير طرق تدخُّل فعالة قد تساعد في منع العواقب الغريبة التي تسبِّبها عملية الحُكم النسبي.

وإحدى الاستراتيجيات الممكنة هي التالي: عندما تتخذ قراراتٍ يهُم فيها الاتِّساق، عرِّف خياراتك بأكبر درجة وضوح ممكنة. إذا انضممتَ مثلاً لدورية حيّ، فكِّر بكتابة قائمة بأنواع التجاوزات المثيرة للقلق، لدى بدء مهامك. وإلَّا ستجد نفسك مرةً واحدةً تتصل بالشرطة للتبليغ عن كلابٍ تُنزَّه بلا سلسلة تُقيِّدها.


واقرأ أيضاً..

تخيل أن في رأسك دماغان بدلاً من واحد.. فعلها عالم وتوصل إلى نتائج قد تغير خارطة الطب!

حقيقة مؤلمة.. الفقر يجعل الإنسان أقل ذكاءً.. كيف يؤثر المال الذي تملكه على دماغك؟

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top