تطورت الفوتوغرافيا كثيراً منذ بدايتها في القرن التاسع عشر. يمكن التقاط الصور الآن على الهواتف الذكية ومشاركتها فورياً على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد أدى هذا التحوُّل إلى انتقاصٍ في الألبومات العائلية، إذ توجد الذكريات بنسبةٍ أكبر في التخزين السحابي من وجودها على الورق.
في مشروعها الجديد، “Familie Werden” (تكوُّن العائلة)، تسعى المصوِّرة اليابانية ري يامادا لإحياء القيمة والمعنى وراء الألبومات العائلية في العصر الحديث. وتفعل ذلك عن طريق إتقانٍ شديدٍ في إعادة إنشاء صورٍ من 10 ألبوماتٍ عائليةٍ مأخوذةٍ من الأكشاك ومتاجر الإنترنت في ألمانيا واليابان. ويظهر في كل صورةٍ المصوِّرةُ نفسها متنكرةً كإحدى أفراد العائلة، سواء كان رجلاً مسناً أم أماً يافعةً أم طفلاً على الشاطئ.
وقالت ري لموقع CNN Style: “شعرت بأني أعرف هؤلاء الناس لأني راجعت الصور مئات المرات. أردت أن أعمِّق فهمي لهم”. وكانت حصيلة مجهوداتها كرحلةٍ إلى الماضي تبثُّ شعور الفرحة والفكاهة الموجود داخل صور الألبومات العائلية القديمة.

من الأسواق الشعبية إلى دور المزادات
خطرت فكرة هذا المشروع المرئي لري يامادا في أثناء دراستها للحصول على بكالوريوس فنون في العاصمة الألمانية برلين. وهناك درست كيفية استخدام الألبومات الفوتوغرافية القديمة لتصوير الوحدة والروابط الأسرية.
وسرعان ما وجدت نفسها تبحث عن ألبوماتٍ حقيقيةٍ في أسواق ألمانيا الشعبية، حيث تعيش الآن، وفي المزادات اليابانية عبر الإنترنت. قالت ري: “أردت اقتباس قصص ثقافتين، وأردت معرفة ذلك من أشخاصٍ لا أعرفهم. لا يمكنك اختزال مفهوم العائلة، فلها أنماطٌ متعددةٌ”.
اختارت ري ألبوماتٍ من الأربعينيات حتى التسعينيات، في كلٍّ منها 100 صورةٍ أو أكثر لكي تتعرَّف أكثر إلى العائلة والتعمُّق في رواياتهم المرئية. آثارٌ منسيةٌ كتذكرة طائرةٍ متروكةٍ داخل ألبومٍ من ألمانيا الشرقية كشفت عن رحلة عائلةٍ ما إلى أحد شواطئ في بلغاريا. وكذلك ظهرت مجلةٌ قديمةٌ نُشِرت بعد عامَين من سقوط جدار برلين عام 1991، مما يوحي بأن ألبوم العائلة كان من تلك الحقبة.
انتقت ري صورها بعنايةٍ، إذ اختارت الصور التي اتَّخذ أصحابها أوضاعاً متعمدةً للتصوير، وعملت على توصيل الشعور بكونهم وحدةً أسريةً.
وقبل تحضيرها لكل مشهدٍ، سواءٌ داخل الاستوديو أم خارجه، حرصت ري على فهمها للصورة في السياق الأشمل لحياة الأسرة الموضَّحة في الألبوم.
في البداية فكرت في الاستعانة بعارضين ليلعبوا أدوار أفراد العائلات المختلفة، لكنها خشيت أن يحتاجوا إلى كثيرٍ من التوجيه ويعجزوا عن استيعاب السياق. إذ قالت: “بما أنني أستخدم صور أشخاصٍ آخرين وخصوصيتهم، لم أرد تمثيلهم على نحوٍ خاطئٍ”.
لهذا اختارت ري استعمال ديكوراتٍ مسرحيةٍ وأزياء تنكريةٍ، وتحرير الصور بطريقةٍ إبداعيةٍ لكي تلعب جميع أدوار الشخصيات بنفسها.

تمثيل جميع أفراد العائلات
ليست عملية التحوُّل إلى شخصٍ آخر بالأمر الهيِّن. كأي ممثِّلٍ يتحضُّر لتأدية أحد الأدوار، درست ري تعبيرات أوجه جميع أفراد العائلات وملابسهم والأشياء المحيطة بهم. وفتَّشت في متاجر الملابس القديمة، وبلغ بها الأمر أن ذهبت إلى مكتبةٍ للعثور على مقالٍ محدَّدٍ من مجلةٍ ما من التسعينيات لكي تستخدمه كديكور. ولما عجزت عن العثور على بعض القطع، صنعتها بنفسها.
من صورها المفضَّلة صورةٌ لزوجين مسنَّين بملابس زاهية الألوان يبتسمان بينما يتِّخذان أوضاعاً لعوبةً بصحبة ببغاوات.
قالت ري: “اعتقدت أن هذين الزوجين كانا متقاعدين وفي إجازةٍ معاً”. وتخمِّن أن هذه الصورة كانت عزيزةً على الزوجين إذ بدا عليها أنها قد قُصَّت ووُضعت في إطار. وواصلت ري: “حتماً كانت ذكرى رائعةً لهما”.

وعادةً ما يستغرق التحضير لكل صورةٍ والتقاطها يوماً واحداً، لكن قالت ري إن هذه الصورة استغرقت يومين.
هذا لأنها استعملت دمىً على أشكال ببغاواتٍ عوضاً عن ببغاواتٍ حيةٍ، وواجهت في البداية صعوبةً في تثبيتها على رأسها بينما ترسم على وجهها التعبيرات الصحيحة. وتابعت قائلةً: “لم أكن راضيةً بتعبيرات وجهي.. رأيت الكثير من نفسي في أول مجموعةٍ من الصور، لذا شعرت بأني لم أمثِّل هذين الزوجين على أكمل وجهٍ”.
تصوِّر ري نفسها وعادةً ما تستعين بشخصٍ آخر لمساعدتها. وتمضي يوماً تقريباً في تحرير كلٍّ من الصور على Photoshop، لأن عليها تركيب عدة أشخاصٍ داخل إطارٍ واحد. ورغم أهمية عملية التحرير، فأولوية ري هي التركيز على إتقان الشخصيات والمواقع والديكور.
خلق قصص جديدة
ستُعرَض الصور جميعها في معرضٍ يتيح للجماهير الفرصة لمقارنتها بالصور الأصلية. وربما لتوقُّعها تلقِّي أسئلةٍ حول هوية هؤلاء الأشخاص وأصولهم، صنعت ري طبقةً إضافيةً من التفاصيل، إذ استعانت بكتَّابٍ من اليابان وألمانيا لأجل تصوُّر حياة الأشخاص.

على سبيل المثال، في إحدى الصور المأخوذة في اليابان، تصوِّر ري زوجاً يرتدي سترةً بنقشة مربعاتٍ سوداء وصفراء يقف إلى جانب زوجته وطفلهما. فألقى الكاتب نظرةً إلى اتجاهات تلك الحقبة الزمنية وقرَّر أنها كانت ثاني زيجةٍ للرجل وأن الزوجين تقابلا بإحدى مقاهي الجاز في طوكيو. وعلَّقت ري قائلةً: “رأيتها قصةً مقنعةً تماماً”.
وسيُعرَض مع القصص ألبومٌ ملموسٌ لأخذ الزائرين في رحلةٍ إلى ماضٍ كانت فيه الصور الثمينة تُطبَع ويُعتنى بها بحُب.
تقول ري إن الزوار قد تصفَّحوا الألبومات وشعروا بحنينٍ إلى الأزمنة والأشخاص الذين صوَّرتهم. حتى أن بعضهم قال إن الصور ألهمتهم بأخذ صورٍ عائليةٍ خاصةٍ بهم.
واختتمت ري قائلةً: “أعتقد أن ألبومات الصور تعيد تأكيد وجود العائلة. ربما انتهت قصص هؤلاء العائلات، لكن إذا خلقت الصور قصصاً جديدةً، فأنا سعيدة”.