على منبره أعلن البغدادي الخلافة ثم فجَّره بالديناميت قبل انسحابه.. إعادة إعمار المسجد النوري الكبير بالموصل بتمويل الإمارات

 

على مدار 9 شهور كاملة، كانت الحرب تشتعل بين السلطات العراقية وتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، وكانت مدينة الموصل تدفع الثمن.

لا تزال آثار المعركة محفورة على جغرافية مدينة الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، حيث تم تدمير آلاف من المنازل والمباني وأماكن العبادة، وكان مسجد النوري الكبير من أبرز المعالم الدينية والثقافية التي جرى تدميرها.

لكن بفضل المنحة التي قدَّمتها الإمارات العربية المتحدة، والبالغة قيمتها 50 مليون دولار، فسوف يعود أحد أشهر معالم مدينة الموصل القديمة، وهو مسجد النوري الكبير ومئذنته متعددة الطوابق، من الأنقاض، في خطة تستغرق خمس سنوات.

التمويل إماراتي

الإعلان عن خطة خمسية لإعادة بناء مسجد النوري العتيق يُعد أكبر مشروع ترميم ثقافي بالعراق، بحسب ما أورده مسؤولو الأمم المتحدة الذين يشرفون على المشروع. وذكرت وزيرة الثقافة الإماراتية  نورا الكعبي، أن مشاركة دولتها تستهدف مساعدة الباحثين والعلماء العراقيين على استعادة التراث العالمي لمدينة الموصل، ليكون مكاناً للتعلم والثقافة والتنوع، وليس مجرد المساعدة في إصلاح الطرق والمدارس والمستشفيات.

وقالت الكعبي خلال احتفالية بالمتحف القومي العراقي ببغداد: “تدعم دولة الإمارات جهود أشقائنا العراقيين، لدفع عجلة البناء فيما يتعلق بالآثار التاريخية. فالتراث هو أحد ركائز الحضارة”.

أهالي الموصل يتحدثون عمَّا يعنيه المسجد لهم

تركز السنة الأولى من مشروع إعادة الإعمار على توثيق وتنظيف موقع المسجد، بالإضافة إلى رسم خطط لإعادة بنائه. بينما تركّز السنوات الأربع القادمة على ترميم وإعادة بناء المئذنة المائلة الشهيرة، وقاعة الصلاة، والمباني المجاورة، بما في ذلك الحدائق القديمة.
يسعى العراق للحصول على 100 مليار دولار، يرى مسؤولو الحكومة أنها ضرورية لإعادة إعمار المدن والمجتمعات التي دمَّرها تنظيم داعش بالكامل، فيما ينادي المؤرخون العراقيون بمنح التراث الثقافي أولويةً في خطط الإعمار.

وتُجري دولة الإمارات مناقشات، منذ فبراير/شباط، مع منظمة اليونيسكو التابعة للأمم المتحدة، ومقرها باريس، حول مشروع الموصل. وقد تم سداد التمويل الإماراتي إلى المنظمة التي سوف تتعاون مع وزارة الثقافة العراقية وهيئة الأوقاف الدينية السنية، والمركز الدولي لدراسات ترميم والحفاظ على الممتلكات الثقافية.

المئذنة التي تسجل لحظة المعراج وتشير إلى ضريح العذراء

في عام 1170م، دخل الملكُ نور الدين زَنْكِي مدينة الموصل، وسلمها لابن أخيه، وأمره ببناء المسجد النوري الكبير. الملك المؤسس هو أيضاً العادل، ناصر أمير المؤمنين، تقيّ الملوك، ليث الإسلام، كما لُقِّب بنور الدين الشهيد رغم وفاته بسبب المرض.

وبلغ ارتفاع المئذنة، التي تم تشييدها عام 1172، نحو  45 متراً، وكانت مزينة بالطوب المزخرف الذي تشتهر به تلك الحقبة، التي تعتبر العصر الذهبي للعمارة والفنون الإسلامية. وكتب الرحالة في العصور الوسطى أوصافاً متوهجة عن المئذنة المائلة التي أطلق عليها الأهالي اسم الحدباء.

بدأت المئذنة تميل في القرن الرابع عشر الميلادي، وشاع في أوساط المسلمين أن المئذنة انحنت إجلالاً للرسول عند عروجه للسماء. وقال مسيحيو المدينة إنها انحنت في اتجاه قبر السيدة مريم، الذي يعتقدون أنه في أربيل. وترسّخت المئذنة الحدباء في هوية المدينة، لدرجة أن هيئة الآثار العراقية رمَّمت المسجد في أوائل القرن العشرين، وتركت المئذنة على حالها دون تغيير.

وتم لاحقاً اختيار المئذنة لتزيين الورقة النقدية العراقية بقيمة 10 آلاف دينار، حيث وطدت مكانتها كواحدة من أشهر معالم البلاد. ثم جاء تنظيم الدولة الإسلامية.

المنبر الذي أعلن من فوقه البغدادي عن خلافته المزعومة

في يونيو/حزيران 2014، اعتلى زعيم تنظيم داعش، أبو بكر البغدادي، منبر مسجد النوري، ليعلن تأسيس خلافته المزعومة. وظلَّ التنظيم يحكم المدينة حتى استعادَتُه القوات العراقية العام الماضي؛ لكن بعد أن دمَّر التنظيم المسجد بالديناميت، ما أصاب الكثير من العراقيين بصدمة مذهلة.

ونقلت صحيفة The New York Times عن العميد عبدالوهاب السعدي، نائب قائد قوات مكافحة الإرهاب العراقية شهادته عن استعادة المدينة من أيدي داعش: “كنت على مسافة تقل عن 100 متر حينما فجَّر الإرهابيون الحدبة، وقد أثار ذلك التفجير غضبي لأننا دخلنا الموصل بهدف إنقاذ تراثنا. وحقيقة ترميم معالمنا الثقافية والتاريخية تسعدني للغاية. هذا ما كنا نحارب من أجله”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top