يحاول اللبنانيون الحفاظَ على ما تبقَّى من معالمهم الأثرية، التي تضرَّرت بفعل الحروب التي شهدها هذا البلد بداية من الحرب الأهلية (عام 1975)، مروراً بالاجتياح الإسرائيلي الأول (عام 1978) وما رافقه من حروب، وصولاً إلى الاضطرابات الأمنية التي شهدتها العاصمة الثانية طرابلس، على خلفية الأزمة السورية.
كثيرة كانت الأضرار التي لحقت بالبنى التحتية والأملاك العامة والمرافق السياحية والتجارية، التي أطلقت لها الحكومة اللبنانية ورش إعادة تأهيل منذ نحو عشرين عاماً تقريباً، وهي لا تزال مستمرةً حتى اليوم، وإن كانت هناك بعض المناطق لا تزال تعاني تداعيات تلك الحروب، لا سيما في القرى المسيحية التي لم يعد إليها أهلها بعد في محافظة جبل لبنان، بانتظار انتهاء ملف المصالحات بين الأهالي، الذي تقوده مرجعيات حزبية ودينية برعاية السلطات الرسمية في البلاد.
ورغم الجهود التي تبذلها الحكومة لإعادة إعمار ما هدمته الحروب مستندة على جهود المجتمع المدني ومنظمات دولية ومستثمرين، يبقى هناك جانب مهم لم يحظَ بالرعاية المطلوبة، وهو المتعلق بالمرافق الأثرية التي يزخر بها لبنان، وتعاني حرماناً وإهمالاً مزمنين، فضلاً عن الأضرار الكبيرة التي كانت لحقت بها جرَّاء الحروب، وبفعل عوامل الزمن ويد الإنسان، والتشويه والسرقات والسياسات الخاطئة من قبل الدولة، وهي كلها أمور أسهمت في تغيير ملامح معالم أثرية.
يؤكد البروفيسور المهندس خالد تدمري، عضو اللجنة الوطنية للأونيسكو في لبنان، أن “الدولة وبفعل السياسة التي اتَّبعتها قضت على معالم أثرية كثيرة، ومنها سوق العاصمة بيروت التجاري، الذي دُمَّر جزء كبير منه في الحرب، ولم يصر إلى إعادة تأهيله وترميمه، وجرى جرفه واستبداله بسوق تجاري حديث”.
منظمات دولية كثيرة دخلت على خط ترميم الآثار في لبنان، فضلاً عن مؤسسات دينية عملت على إعادة تأهيل مساجد وكنائس تاريخية، كانت تضرَّرت بشكل مباشر في تلك الحروب، ومنها في وسط العاصمة بيروت، وفي العاصمة الثانية طرابلس كبرى مدن شمالي لبنان، والتي تعتبر العاصمة المملوكية الثانية بعد القاهرة، وتضم نحو 360 معلماً أثرياً من خانات وحمَّامات ومساجد وكنائس وأسواق متخصصة وقلاع وأبراج.
ويلفت مصدر في وزارة الثقافة اللبنانية “أن الدولة سعت منذ انتهاء الحرب الأهلية إلى تأمين الدعم المالي لتأهيل المرافق الأثرية، التي تضرَّرت بشكل مباشر، وأسهم ذلك في إعادة تأهيل قسم منها، لكنها تقف عاجزة عن ترميم كل المرافق الموجودة في البلاد، والتي تحتاج إلى أموال طائلة”.
وأضاف المصدر “لقد حصلنا على دعم من دول مانحة، استطعنا من خلاله تنفيذ العديد من المشاريع، ودعم مناطق سياحية لم تتضرر من الحروب، ولكن كانت بحاجة إلى بنى تحتية لمساعدتها على استقطاب الزوار والسياح، على غرار قلعة بعلبك الأثرية في محافظة البقاع، وقلعة مدينة جبيل وسوقها التجاري، والذي بات مقصداً للزوار والسياح من مختلف دول العالم”.
ترميم بوتيرة بطيئة
ويشهد لبنان منذ فترة إعادة تأهيل لبعض تلك المرافق الأثرية، وإن كانت بوتيرة بطيئة، حيث أُعيد ترميم دور عبادة إسلامية ومسيحية بدعم من جهات مانحة، أو من خلال التبرعات التي تصل إلى المرجعيات الدينية، ومنها على سبيل المثال التكية المولوية في طرابلس شمالي لبنان، التي أُعيد تأهيلها بتمويل من الحكومة التركية عبر وكالة التنمية والتعاون “تيكا”، التي تتبع لرئاسة الوزراء التركية، والتي قامت بأعمال الترميم عبر شركات تركية متخصصة، بمبلغ وصل إلى مليون ونصف المليون دولار أميركي، وقد اكتملت أعمال الترميم مؤخراً، وبدأت المرحلة الثانية من المشروع التي تهدف إلى تحويل المبنى إلى متحف يعرف بالطريقة الصوفية المولوية، وتحيا فيه حلقات الذكر من جديد، بينما يعرض في جنباته كل ما يتعلق بهذه الطريقة، من كتب وسير ومجسمات تحيي ذكرى هذه الطريقة في كل قسم من أقسام هذه التكية، التي أعيد ترميمها بالكامل قبل نحو عام، بالإضافة إلى مقام النبي الخضر، القائم إلى جانبها، وسيتم أيضاً في المرحلة الثانية من هذا المشروع، بحسب الشركة الملتزمة “تنظيم محيط التكية بحيث تكون هناك حديقة”.
التكية المولوية
ووفق المراجع التاريخية” يفوق عمر التكية المولوية في طرابلس الـ400 عام، فهي تحمل كتابة تاريخية عند بوابتها تؤرخ تجديد بنائها عام 1184م، وهي تنقسم في داخلها إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول الذي يقع مباشرة فوق المدخل وعلى جانبيه، وهو القسم الذي كان يستقبل الدراويش والشلبيين والوافدين إلى هذه التكية من المتصوفين والفقراء وعابري السبيل، والقسم الثاني وهو العلوي الوسطي، حيث تقام حلقات الذكر المولوية، أما القسم الثالث الأعلى تدريجياً فيتألف من بيت آل المولوي، الذين كانوا يقيمون في التكية حتى آواخر ستينيات القرن الماضي، ومنهم الشيخ فيصل المولوي، الذي ولد وترعرع داخل هذه التكية، وهو بيت مشايخ آل المولوي، وينقسم إلى عدة غرف وصالون ومطابخ وغرف المونة والإسطبل الذي يقع أسفله.
تأهيل دور العبادة بعد عودة المهجرين
تم إعادة تأهيل العديد من الكنائس الأثرية خلال الأعوام الماضية، التي أعقبت عودة الأهالي إلى قراهم التي كانوا هجروها، ومعظم دور العبادة التي تم ترميمها هي أثرية”.
ويتابع “نحن بانتظار عودة بقية الأهالي إلى قراهم، حتى يتم إعادة تأهيل دور العبادة والأماكن الأثرية الموجودة، وهذا الأمر يحتاج إلى إنهاء ملف المصالحات الذي ترعاه الدولة بين الأهالي والقوى السياسية والحزبية في منطقة جبل لبنان”.
وكانت طرابلس شهدت خلال الحروب الأهلية تدمير قسمٍ كبير من مرافقها الأثرية، وهي اليوم وبدعم من جهات دولية ومحلية تشهد إعادة ترميم بعض منها، على غرار سوق القمح الواقع في أطراف المدينة الأثرية، حيث أعادت جمعية العزم والسعادة التابعة لرئيس الحكومة اللبنانية الأسبق نجيب ميقاتي ترميم هذا السوق، قبل أكثر من عام، وهو سوق مشهور ببيع الحبوب، ويعود تاريخه إلى العهد المملوكي.
بالإضافة إلى سوق القمح هناك عمليات ترميم لسوق العريض التجاري والأثري، وهي أعمال لا تزال مستمرة، فضلاً عن التحضير من قبل هيئة الإغاثة العليا في لبنان لإعادة ترميم مسجد عمر في التبانة، وهو أثري، وكان قد دُمر خلال الحرب.

تركت الحرب اللبنانية آثارها على معالم كبيرة في البلاد، فضلاً عن سوء التنظيم لدى الجهات الرسمية اللبنانية، وقد دَمرت هذه الحرب العديد من تلك المعالم في العاصمة بيروت، وفي طرابلس.
تأخرت عمليات إعادة الإعمار بشكل كبير نتيجة ظروف البلد الاقتصادية والظروف السياسية التي مرّ بها، فكان الاعتماد على الجهات الخارجية بشكل كبير الحل الوحيد أمام ضعف الإمكانات المحلية لإعادة الإعمار.
لكنه ومع ذلك عملت الدولة عبر مشروع سوليدار، على إعادة تأهيل العاصمة، والحفاظ على المساجد الأثرية فيه، وعلى الكنائس، فضلاً عن سراي بيروت العثمانية والتي تحولت اليوم إلى مقر للحكومة اللبنانية”.
والسراي الحكومي في بيروت هي بالأساس ثكنة عسكرية للجيش العثماني في عهد السلطان عبدالمجيد، والتي بُنيت على غرار الثكنة العسكرية الموجودة في إسطنبول، ثكنة حرم الشهيرة، الواقعة على التلة المشرفة على مضيق البسفور من الناحية الآسيوية، وهي تعد أكبر بناء عثماني في لبنان، وقد أضاف عليها السلطان عبدالحميد طابقاً ثالثاً في عهده عام 1889، وبعدها قام أهالي بيروت ببناء برج الساعة الحميدية إلى جواره، كهدية بمناسبة عيد ميلاد السلطان عبدالحميد.