هل يعقل أن كل الذكور مصابون بـ “عمي الألوان”؟ وأن الإناث وحدهنّ السليمات؟

هل تساءلت يوماً كيف ستختلف حياتك إذا كنتَ تستطيع أن ترى ما وراء طيف الضوء المرئي، أن ترى الأشعة فوق البنفسجية أو الأشعة تحت الحمراء؟ إحدى الفوائد أنَّك ستصبح حينها في مأمنٍ من التحيز العنصري الضمني أو أقل عرضةً له، حسب مجلة Nautilus الأميركية.

تقول إينا فيشيك، عالمة الفيزياء التطبيقية في جامعة كاليفورنيا، إنَّه إذا لم تكن رؤيتك مقتصرة على النطاق النموذجي للألوان الذي يراه معظم البشر “سيكون كل الأشخاص بنفس اللون الضارب إلى الصفرة، باستثناء الأشخاص المصابين بالحمى”.

وأضافت أنَّك ستتمكن أيضاً من معرفة أي الأماكن بها شبكة جيدة للاتصال اللاسلكي بالإنترنت والهواتف الخلوية، وما إذا كنت “يجب أن تستخدم كريماً واقياً من الشمس اليوم”. لا شك أنَّه إذا كان لديك هذه القدرات الخاصة، فإنَّك ستفيد نفسك، وعائلتك، وأصدقاءك.

لكن ماذا لو كان كل ذلك موجوداً بالفعل؟

اكتُشِف شيءٌ مثل هذا السيناريو في الطبيعة، وإن لم يكن مع البشر. إذ وجدت دراسة حديثة أنَّ ما يقرب من واحدة من كل أربع إناث من مجموعة معينة من القرود التي تعيش في الأشجار في مدغشقر -قرود سيفاكا فيروي، وهو نوع من الليمور على وجه الدقة-  يمتلكون رؤية ثلاثية الألوان (مثل البشر). وخلافاً لمعظم أعضاء جنسهم الآخرين، وجميع الذكور، يمكن لهذه الإناث أن تُميِّز بين اللونين الأحمر والأخضر، مع إدراك الكثير من الألوان مثلما يفعل البشر. وقد تمتد امتيازات هذه الهدية الجينية إلى مجموعة الليمور بأكملها، كما تقول كاري فيلو، عالمة الأنثروبولوجيا البيولوجية والجزيئية في جامعة تكساس في أوستن، والمؤلفة الرئيسية للدراسة التي نشرتها المجلة الأمريكية.

بعض إناث هذه الفصيلة من القرود تميز الألوان مثل البشر

تقول فيلو: “إذا كنتَ من مبصري اللونين، فلا يمكنك أن تُميِّز الثمار الحمراء الناضجة أمام خلفيةٍ خضراء. بينما الأنثى مبصرة الألوان الثلاثة يمكن أن تكون قادرة على الكشف عن هذه الثمار الناضجة وتذهب نحوها”. في بحثهم، ترى فيلو والمؤلفون المشاركون أنَّ وجود حيوانات الليمور هذه يدعم فرضية “منفعة التعاون المتبادل”: إذ يمكن لهذه الإناث الخاصة تحديد الفاكهة الناضجة في أغصان الأشجار التي تعيش بها، الفاكهة التي قد لا تنتبه لها مجموعتها، وتتأرجح ناحيتها؛ وعندما تصل إليها، تلتحق بها بقية المجموعة وتأكل إلى جانبها.

رؤية ثلاثية الألوان

الرؤية ثلاثية الألوان صفة تتمتع بها بعض الفصائل وتفتقر إليها أخرى. فعلى سبيل المثال، لدى جميع البشر والقردة العليا وبعض أنواع القردة ثلاثة أنواع من الخلايا المخروطية في شبكية العين. وهم حساسون لأجزاءَ مختلفة من طيف الضوء المرئي. لكنَّ أنثي السيفاكا تُظهِر كيف أنَّ بعض الحيوانات يمكن أن تكون لديها خاصية الرؤية ثلاثية الألوان حتى لو كان معظم أعضاء الفصيلة الآخرون ثنائيي الرؤية، مما يعني أنَّ لديهم نوعين فقط من الخلايا المخروطية.

كروموسوم X يلعب دوراً

تقول فيلو: “في قردة العالم الجديد، وفي بعض حيوانات الليمور، هناك جين واحد فقط يرمز إلى النوعين المختلفين من الخلايا المخروطية. إذا ورثت أنثى السيفاكا شكلاً مختلفاً من الجين على كل كروموسوم” X” خاص بها -كما هو الحال في البشر إذ إنَّ الإناث يمتلكن فقط اثنين من كروموسوم “X”- ستنعم أعينها بالأنواع الثلاثة للخلايا المخروطية، في ظاهرة تسمى “ثلاثية الألوان متعددة الأشكال”.

بعبارةٍ أخرى، لكي تتمتع أنثى السيفاكا بالرؤية ثلاثية الألوان، تحتاج إلى أن ترث كل واحدة من هذه النسخ من الجين، بدلاً من أن يكون لديها اثنتان من نفس النسخة دون ضرورة. وتقول فيلو: “من الجنون الاعتقاد بأنَّ اختلاف زوج واحد أساسي هو ما يمكن أن يجعل شيئاً ما قادراً على التمييز بين اللونين الأحمر والأخضر”.

وذكور السيفاكا لديها عمى ألوان

هذا هو السبب في أنَّ ذكر السيفاكا محكومٌ عليه بما نطلق عليه عمى الألوان؛ إذ يتمتع بكروموسوم “X” واحد فقط، لا يمنحه أي فرصةٍ للحصول على كلٍ من هذه النسخ المكملة (التي تُعد رمزاً لإدراك الطول الموجي “المتوسط” و”الطويل”) للجين المهم. أما بالنسبة للمخروط الثالث (“القصير”)، فيتولد بصورةٍ صبغية جسدية في كروموسوم ترثه كل حيوانات الليمور، بغض النظر عن جنسها.

تسع سنوات من دراسة قرود الليمور

وحلل مؤلفو الدراسة بياناتٍ جُمِعَت على مدار تسع سنوات حول العشرات من حيوانات الليمور من أجل قياس مدى إفادة الإناث ذوات الرؤية ثلاثية اللون لزملائهم ذوي الرؤية ثنائية اللون من حيث “مؤشر كتلة الجسم خلال موسم الجفاف، والتكاثر، وبقاء الصغار على قيد الحياة”.

كانت المكاسب واضحة. انتهى الأمر بحيوانات الليمور التي كانت تتمتع بالرؤية ثلاثية الألوان، أو تعيش إلى جانب أولئك التي تتمتع بها، بخسارة كتلة جسم أقل من أولئك الذين في المجموعات ذوات الرؤية ثنائية اللون خلال موسم الجفاف من مايو/أيار إلى نوفمبر/تشرين الثاني، وهو وقت تكون فيه حيوانات الليمور “مرهقة للغاية” من تربية صغارها مع محدودية الطعام المتاح، حسبما ذكرت فيلو.

وأظهرت بيانات الملاحظة الموجودة مسبقاً أنَّ مجموعة واحدة من الإناث ذوات الرؤية ثلاثية اللون ومن كان يعيش برفقتها من حيوانات الليمور، وهي المجموعة الوحيدة ثلاثية الألوان التي يتم تتبعها في مجموعة البيانات، أمضين وقتاً أكبر في التغذي على الفاكهة مقارنةً بثلاث مجموعات من حيوانات الليمور ذوات الرؤية ثنائية الألوان.  

كيف تمت التجربة؟

نظر الباحثون في المادة الوراثية لليمور لمعرفة أيٍ منهم لديه رؤية ألوان أكثر ثراءً. وخدَّر الباحث الملغاشي إنافا غاوناريسوا قرود الليمور من مسافةٍ بعيدة، باستخدام سهم مُجهز خصيصاً أطلقه من أنبوب نفخ. (يمكن لإنافا أن تصيب بالسهم علبة ثقاب على مسافة 30 قدماً، كما يقول أحد زملائه من علماء الأنثروبولوجيا غير المشاركين في هذه الدراسة). بعد دقيقة من الدوار، يسقط الليمور على بعد عشرات الأقدام من شجرة على ملاءة مفتوحة كان يمسكها عددٌ قليل من الحاضرين.

أخذ أعضاء فريق البحث عينتين صغيرتي الحجم عن طريق الثقب من أذن الليمور، وأجروا بعض القياسات والفحوص الطبية، “ثم أطلقوا سراحها، ربما بعد ثلاث ساعات، لتعود مرة أخرى إلى مجموعتها، وكانت بصحة جيدة” حسبما قالت ريبيكا لويس، واحدة من المؤلفين المشاركين في الدراسة التي تدير محطة أبحاث أنكوتسيفاكا داخل الحديقة الوطنية، التي تعتبرها حيوانات الليمور بيتاً لها.

ترى لويس أنَّ النتائج التي توصل إليها الفريق تتماشى بشكلٍ جيد مع ما كانوا يعرفونه عن التسلسل الهرمي الاجتماعي لحيوانات الليمور: في فصيلة سيفاكا فيروي، الإناث هن اللواتي يأخذن بزمام المبادرة. هن اللواتي يشرعن في القيام برحلات البحث عن الطعام في كثيرٍ من الأحيان، ويجذبن المزيد من المرافقين، وينقلونهم إلى أماكن بعيدة أكثر مما يفعل الذكور. هذا التباين في القوة في رؤية الألوان هو جزء مما جذبها للمشاركة. تقول لويس: “في عالم الحيوان، نفكر في من هو الأكبر والأقوى. وأردتُ أن أنظر إلى أنواع أخرى من القوة، من لهم المزيد من النفوذ، والقوة الاقتصادية”.

وسارع الباحثون إلى توضيح أنَّ حجم العينة كان صغيراً نسبياً، وأنَّ عليهم “توخي الحذر” في النتائج، وفقاً لما قالته لويس. لكنَّ بريندا برادلي، التي تدير مختبر جينوم الرئيسيات في جامعة جورج واشنطن، وصفت الدراسة بأنَّها مثيرة.

وتعتبر رؤية اللون في الرئيسيات مثال حقيقي واقعي لنظرية التطور. وأضافت برادلي: “ليست هناك الكثير من الدراسات التي يمكن للناس أن يرجعوا إليها بخصوص الحياة البرية. من الرائع أن يجدوا على الأقل بعض الأدلة الموحية التي تشير إلى أنَّ الرؤية ثلاثية الألوان تقدم نوعاً من الميزة”.

من قبيل الصدفة، قامت برادلي بتسجيل وترتيب تسلسل جينوم ما يقرب من 100 من فصيلة سيفاكا فيروي في غابة أخرى في مدغشقر في عام 2005، كبحثٍ أجرته في دراسات ما بعد الدكتوراة. كانت هي وزملاؤها يبحثون تحديداً عن رؤية الألوان، دون أي توفيق. وتقول برادلي: “لقد ذهبنا إلى هناك، وجمعنا كل هذه العينات، وسجلنا النمط الجيني لحيوانات الليمور، ثم أدركنا أنَّه لا يوجد اختلاف. لا يوجد أي تعدد للأشكال. وجميعهم لا يفرقون بين اللون الأحمر والأخضر”.

واكتشفت منذ ذلك الحين ستة أمثلة أخرى لرؤية الألوان الثلاثية متعددة الأشكال بين أنواع ليمور أخرى مع زملائها. وقد نُشرت الدراسة في مجلة Biology Letters. وأضافت: “كعلماء رئيسيات، لدينا هذا الميل لتوصيف ما يبدو صحيحاً بيولوجياً لفصيلة في موقعٍ واحد. وتعتقد أنَّ هذا هو الصحيح بالنسبة لهذا النوع أو الفصيلة. وبعد ذلك تكتشف أنَّ الأمر مختلف تماماً عندما تذهب على بعد 200 ميل شمالاً داخل نوع مختلف من الغابات… أعتقد أنَّ هذا مثير جداً”.


واقرأ أيضاً..

دراسة تدّعي أن البشر لم يروا اللون الأزرق إلا حديثاً.. لكن هل هذا صحيح فعلاً؟

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top