عندما أُلقي القبض على يانا جورشيفا وجالينا كاتوروفا بتهمة قتل زوجيهما طعناً بسكين المطبخ بعد معاناتهما سنوات طويلة من العنف الأسري، لم تلقَ القضيتان أيّ اهتمام يُذكر من وسائل الإعلام الروسية المحلية.
لكنّ هاتين القضيتين تحولتا هذا العام (2018)، إلى حوار وطني عندما أتت محكمتا الاستئناف في كلتا القضيتين بسابقةٍ لم يكن ممكناً تصوُّرها؛ وحكمت بتبرئة ساحة السيدتين.
حقهما المشروع بالقتل!
بالنسبة للدولة التي نزعت صفة الجُرم عن بعض أشكال العنف الأسري عام 2017، فإن الاستنتاجات التي خلُصت إليها محكمة الاستئناف، بأن السيدتين مارستا حق الدفاع المشروع عن النفس نتيجة شعورهن بالخوف على حياتهن، تُعد صادمة إن لم تكن غير مسبوقة بالمرة.
وتقول يلينا سولوفيوفا، محامي الدفاع عن جالينا كاتوروفا التي تعيش في مدينة ناخودكا الساحلية أقصى شرقي البلاد: “المرأة هنا دائماً في موضع الاتهام، لسبب ما هناك دوماً نوع من التعاطف مع المُعتدي”.
وأضافت يلينا لـ newyortimes: “بالنسبة لي، يُمثل هذا الحكم انتصاراً؛ لأنه ولأول مرة تُقر هيئة المحكمة بأنه لا ينبغي لوم الضحية، لا يُمكنك أن تُلقي كل اللوم على المرأة”.
سلطت الأحكام الصادرة الضوء على الصراع الممتد بين مُعسكرين رئيسين في روسيا إزاء قضية العنف الأسري. في المعسكر الأول يقف من يعتقدون أنَّ الدولة تتجاهل المشكلة بشكل فاضح ومعيب، بما يسمح لها بالتفاقم، لا سيما مع الحماية القانونية الشحيحة المقدَّمة لعدد لا يحصى من الضحايا.
وعلى الجانب الآخر، يوجد معسكر المحافظين المتحالفين مع الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا والذين يؤكدون أنّ على الدولة أن تُحجم عن التدخل في الأمور العائلة، حسبما تقتضيه “القيم الأُسرية التقليدية”، وهي الرؤية التي يتبناها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
لماذا كان على كل امرأة احترام زوجها؟
وفي حوارٍ لها عام 2016، قالت السيدة يلينا ميزولينا، المشرِّعة التي قادت جهود عدم تجريم العنف المنزلي: “وقعُ ضرب الرجل زوجتَه أخف وطأةً من شعور الرجل المشكوّ في حقه بالإهانة والإذلال”. وأضافت أنّ كل امرأة “ملزمة” باحترام زوجها باعتباره “صاحب السلطة واليد العليا” في الزواج.
وفي حين تعرَّض بعضُ من مارسوا أشكال العنف الأُسري للسجن مدداً تصل إلى عامين، في ظل التشريع الجديد، فإنهم سيواجهون عقوبة بالسجن مدة لا تتعدى 15 يوماً، أو دفع غرامة لا تتعدى نحو 440 دولاراً، أو قضاء ما بين 60 و120 ساعة في خدمة المجتمع.
وتُطبَّق هذه العقوبات على بعض صور العنف الأسري التي تتم بحق الزوج/الزوجة أو بحق الطفل، والتي يُمكن أن يسفر عنها حدوث رضوض أو نزف وليس حدوث كسر في العظام، طالما لم يحدث ذلك أكثر من مرة في السنة.
لم يتعرض القانون لمأساة النساء اللاتي يعانين العنف الأسريّ من أمثال يانا جورشيفا وجالينا كاتوروفا.
تبلغ جورشيفا من العمر 37 عاماً، وتعمل مهندسة، وأعدَّت من قبلُ تقديرات التكلفة لإحدى شركات المقاولات، في حين امتهن زوجها الأوكراني، الذي تزوجته زواجاً مدنياً، فاسيلي يورتشيك، (40 عاماً)، عدة مهن بمجال المقاولات، وامتاز في شبابه الأول بالذكاء واللياقة البدنية حتى أدمن الكحول وبدأ يعتدي عليها بالضرب.
وقالت يانا في إحدى المقابلات التي أُجريت بمكتب محاميها: “الأمر كله بدأ بالتدريج، تمضين الوقت وأنت تأمُلين أن يتحسن الوضع، لكننا بتنا الآن مآل تلك الأمور”.
في ليلة ارتكاب الجريمة، عندما استفاقَ زوجها من سُكره ووجد أنها قد أعدَّت طعام العشاء لنفسها فقط، أخذ في ضربها وخنقها. أخذت يانا تتلوى وتتخبط وتقبض على كل ما تلحق به يداها، باحثة عن شيء تدفعُه به عنها، فالتقطت سكين المطبخ وطعنته في صدره.
وتقول يانا: “خِفتُ على نفسي وعلى أولادي، بلغ السيل الزبى عندي ولم أستطع احتمال المزيد، أردتُ دفعه بشيء، أيّ شيء، وشاء القدر أن يكون ذلك الشيء سكيناً، أمسكت بأقرب شيء وجدته، حتى إنني لم أنظر حولي لأري ماذا التقطت. لو كنتُ وجدتُ لُعبة على المنضدة، كنت سأضربه بها”.
ما إن ترنَّح الزوج مبتعداً حتى أسرعت يانا في تنظيف بقع الدم المتناثرة على الأرض؛ كي لا تراها ابنتاها الصغيرتان. اتصلت يانا بالإسعاف، لكنه وصل مصحوباً بأفراد الشرطة بعد نحو 20 دقيقة، ليجدوا الزوج قد فارق الحياة.
كان السكين قد توغل في صدره بعمق يزيد على 4 بوصات وقطع شرياناً
في المحكمة، احتجت النيابة بأنّه كان يتعين على السيدة جورشيفا أن تفر من شقتها ليلة نشوب الشجار؛ لذا فهي مُدانة بتهمة القتل العمد، وهو اتهام شائع في هذه القضايا.
وتجاهلت المحكمة أن زوجها وقف حائلاً بينها وبين باب شقتهما الصغيرة، وأنها لم تكن تريد أن تترك طفلتيها مع هذا الرجل الثمِل الهائج. وأصدرت المحكمة حُكما سريعاً ونمطياً بأن تقضي يانا عقوبة السجن 6 سنوات.
في مذكرة الاستئناف الخاصة بقضية السيدة يانا جورشيفا، تغلَّب محاميها السيد ألكساندر فومين على المشكلة المُعتادة، المتمثلة في عدم وجود شهود، فاستجوب الابنة الكبرى داريا، البالغة من العمر 4 سنوات، كي تُدلي بشهادتها عن ليلة الحادث.
تفوَّهت البنت بجُملٍ بسيطة، أعاد السيد فورمين صياغتها، جاء فيها: “تشاجر أبي وأمي، وتبادلا ألفاظاً بذيئة، هما يتشاجران أغلب الوقت، هذه المرة أمسك أبي برقبة أُمي وخنقها فضربته أُمي بالسكين”.
أما السيدة جالينا كاتوروفا، التي تبلغ من العمر 40 عاماً، فكانت أوفر حظاً؛ لوجود شاهدٍ في قضيتها، وهو جارها الذي كان حاضراً لحظة نشوب الشجار بينها وبين زوجها وحاول أن يفصل بينهما قبل أن يدفعه الزوج، ماكسيم كاتورف، بعيداً. تراجع الجار إلى شرفته، ومنها استطاع رؤية السيد ماكسيم وهو ينهال على زوجته ضرباً وركلاً قبل أن يحاول شنقها بالحبل، حتى استطاعت هي أن تدفعه عنها مُستخدمةً في ذلك سكيناً، كانت الأسرة تستخدمه قبل وقت الشجار بقليل لتقطيع الجبن.
حُكم عليها في بادئ الأمر بالسجن 3 سنوات، وهي عقوبة مُخفَّفة بالمقاييس الروسية
وبالتزامن مع هاتين القضيتين اللتين حظيتا بدعاية ضخمة، انضمت قلة من كبار مسؤولي الهيئات القضائية والموظفين المُكلفين إنفاذ القانون إلى صفوف المُدافعين عن حقوق المرأة؛ للمطالبة بإعادة تجريم العنف الأسري، قائلين إنَّ تغيير القانون جعل المُعتدين أكثر عُنفاً وتبجحاً.
وتقول السيدة يلينا سولوفيوفا، المختصَّة في قضايا العنف المنزلي: “يشعر الرجل بأنَّ في استطاعته أن يضرب امرأة ثم يفلت من العقاب برمي حفنة من النقود على الطاولة”.
ومن المعروف أنَّ الإحصاءات المتعلقة بجرائم العنف الأسري لا تتسم بالدقة. في عام 2016، أي العام الذي سبق تشريع قانون يُلغي تجريم العنف الأسري، سجلت الحكومة أكثر من 65.500 ألف جريمة عنف أُسري، نحو 50.000 ألف حالة منها موجَّهة ضد النساء.
يعتقد المُدافعون عن حقوق المرأة أنَّ ظاهرة العنف الأسري تُصيب نحو 30% من الأسر في روسيا، وقد تكون هذه هي النسب ذاتها بعدة دول أخرى، لكن روسيا لا تُعالج المُشكلة.
تقول مارينا بيسكلاكوفا-باركر، مُؤسِّسة المركز القومي لمنع العنف ويُعرف اختصاراً بـANNA : “من الصعب جداً في روسيا أن توضح أنَّ أشكال العنف الأسري ليست مسألة عائلية أو شجاراً عادياً؛ بل هي جريمة عنف، وتكمن المعضلة الأساسية في عدم وجود منظومة معدَّة للاستجابة للعنف الأسري”.
أسهم بعض رموز الكنيسة الليبرالية في افتتاح ملاجئ للسيدات، ولكن بأعداد محدودة للغاية. لا توجد مواد في القانون تنص على أحقية المرأة في استصدار أوامر تقييدية بعدم التعرض، بموجبها تستغيث المرأة بالمؤسسات المعنيَّة بتطبيق القانون وتطلب حمايتها، بالإضافة إلى تضاؤل فرص تشريع هذه المواد في القريب العاجل.
ويقول المعارضون إنَّ مثل هذه التشريعات من شأنها أن تقوّض دور الزوج وسُلطته؛ ومن ثم ستؤثر سلباً على البنية التقليدية للأسرة وستُضعفها. ويؤكد المعارضون أن أي قانون من هذا النوع فيه محاولة لفرض القيم الليبرالية الغربية التي تستهدف تدمير العادات والتقاليد الروسية، وهذه هي الحُجة المُفضلة التي تشيع دوماً وسط أنصار الرئيس بوتين.
تقول آنا كيسليتشنكو، مُدوِّنة تنتمي إلى الاتجاه المُحافظ، في إحدى المقابلات: “بالنسبة لنا، لا توجد مشكلة تتعلق بعدم المساواة في الحقوق، فالنساء هنا يؤمنَّ في قرارة أنفسهنّ بأنهنّ مساويات للرجال في الحقوق”.
ويرفض ضحايا العنف الأسري والنشطاء هذا الحديث، مؤكدين أنَّ نزع صفة الجُرم عن بعض أشكال العنف الأسري جعل الشرطة ووكالات الخدمات الاجتماعية أكثر تردداً في التدخل لإنقاذ الضحايا.
على سبيل المثال، قالت السيدة يانا جورشيفا في محاكمتها، إنَّها اتصلت بالشرطة عدة مرات، لكنها لم تلقَ أي استجابة. وحررت السيدة جالينا كاتوروفا محضراً في الشرطة مرتين، لكن أفراد الشرطة المحلية أقنعوها بالتنازل وسحب شكواها بدلاً من أن يرسلوا زوجها إلى السجن.
ويؤكد النشطاء أنّ فكرة أن المرأة الروسية تقف على قدم المساواة مع الرجل فكرة مبتذلة من مخلَّفات دستور الاتحاد السوفييتي، خاصة فيما يتعلق بجرائم العنف المنزلي. وتتعرض العديد من المنظمات التي تُركِّز على قضايا العنف الأُسري، ومن ضمنها منظمة ANNA، لاتهامات بالعمالة، ما أجبر بعضها على إغلاق مقرات عملها.
وتأتي أحكام المحكمة لتعكس التوجَّه السائد في التعامل مع العنف الأسري. في محاكمة السيدة جالينا كاتوروفا، أدلت والدة زوجها، التي كانت تنشدُ تعويضاً مالياً عن موت ولدها، بشهادة مؤيدة وداعمة للعنف الأسري على نحو غير متوقع. وشهدت والدة الزوج أنَّ ابنها بالتأكيد كان يضرب زوجته، لكنه كان محقاً في ذلك؛ إذ كانت تُبالغ في غيرتها من تواصله مع أخريات بعد أن دخل في علاقة غرامية مع امرأة واحدة على الأقل.
تقول مارينا بيسكلاكوفا- باركر: “اعتاد الروس منذ أمد بعيد، أن تصمت المرأة الروسية للمحافظة على كيان الأسرة. وتُلقى التبعة دائماً على عاتق المرأة إن تفككت الأسرة أو أصيب أفرادها بمتاعب نفسية”.
رُغم ذلك، ثمة إشارات إلى أنَّ بعض السلوكيات آخذة في التغيير
فقد أظهر استطلاعٌ للرأي أُجري في شهر أغسطس/آب 2018، أنَّ ما يقرب من 55% من المشاركين أكدوا أنه يجب أن يُصنف العنف الأُسري جريمة جنائية، في حين يُفضِّل 24% من المشاركين نزع صفة الجُرم عن العنف الأسري، وأبدى 21% من المشاركين تردُّدهم إزاء هذا الأمر.
وفي دراسة استقصائية أجرتها مؤسسة الرأي العام، أكد 79% من المشاركين أنَّ اللجوء إلى استخدام العنف في المشاجرات العائلية أمرٌ “لا يمكن تبريره”. واحتوت الدراسة، التي شملت نحو 1.500شخص، هامش خطأ نسبته 3.6.
في نهاية المطاف، قضت السيدة جالينا كاتوروفا عاماً في السجن، ابتعدت فيه عن ابنتها في أثناء تداول القضية بالمحاكم. وقضت السيدة يانا جورشيفا نحو 9 أشهر بصحبة 50 سيدة في زنزانة بمركز الاحتجاز رقم 6 في العاصمة موسكو.
تقول يانا جورشيفا: “أتمنى ألا أكون الوحيدة التي تحصل على حُكمٍ بالبراءة، هناك العديد من النساء اللاتي آل بهن الحال إلى وضع مماثل، وللأسف واجهن اتهامات بالقتل وتقضين عقوبات بالحبس مدداً طويلة، سيكون من الجيد إذا تغير الوضع بالنسبة لهنَّ أيضاً”.