أنت هنا

عند مواقف الباصات وفي أماكن رئيسية من شوارع المدن تثبّت البلديات عادةً خارطة للحي المجاور مع دائرة حمراء تشير لمتأملها إلى مكانه، وبجانبها عبارة: أنت هنا، لإرشاد السائح أو الضائع أو الباحث عن عنوان إلى وجهته..

جغرافياً نحن نعرف اليوم أننا هنا، وفيما عدا هذه المعلومة المؤكدة عن بقعة الأرض الصغيرة التي تقع تحت أقدامنا، كل شيء تغيّر من حولنا: الحياة والموت، الماضي والمستقبل وبطبيعة الحال الحاضر، السياسة والأخلاق، التعليم والتربية، الدين والمبادئ، التكتيك والاستراتيجيا، وحتى جغرافيا المكان تتغيّر وتتبدل لحظة بلحظة، وتغيب دول وتتشكل دول، وتتداخل الخرائط وتختفي الحدود، وصنّاع الأقاليم والكيانات والدول الذين رسموا شكل المنطقة خلال القرن الماضي كلّه سبقتهم الأحداث، وكلما فكّروا في خطة جديدة أو وضعوا تصوراً أحدث فاجأهم طارئ ينسف خرائطهم ويقتلعها من جذورها، والتحليل السياسي تحوّل إلى تبصير بالفنجان، والدراسات الاستراتيجية صارت أقرب إلى فتح الفال، ومستقبل المنطقة مفتوح على مليون احتمال ربما يكون من بينها مايقوله السياسيون في المؤتمرات الصحفية على باب البيت الأبيض والإليزيه والكرملين و10 داوننغ ستريت، وخبراء السياسات في أجهزة المخابرات العالمية، ورؤساء تحرير الصحف في افتتاحياتهم، وربما لا..

والحرب على المستقبل في هذا المكان، لا تقتصر على تفتيت العالم القديم وإعادة رسم الدول وتشكيل الحدود بدون خطة واضحة وبدون هدف محدد إلاّ الحرب إلى مالا نهاية حتى الانتصار الكامل أو الفناء الشامل، وإلى آخر مقاتل فداء للفكرة التي يعتنقها كل محارب، وإنما امتدت إلى داخل النسيج الذي كنّا نعتقد إلى ما قبل هذه المعركة أنه كان واحداً، فلم تعد هناك أوطان أو شعوب خارج التصنيف الرسمي الشكلي، صار الوطن هو الدين أو الطائفة أو المذهب، وعبّر الكل للكل كم كانوا يكرهون بعضهم البعض، وكم كانوا يمثلون المحبة والتسامح على بعضهم البعض، وفي لحظة كشف أو حرية أو تخلٍّ عن الخوف نسي الكل معاييره وثقافته ومواقفه وقيمه، واندفع في الكره إلى درجته القصوى..

على مستوى الأفكار والمواقف والقيم، لم يعد هناك يمين ويسار، شرق وغرب، حرية واستبداد، عيب وحرام، فمن كان يساراً عاش عمره على محاربة الإمبريالية تحوّل إلى مستشار شبه بالمجان للجيش الأمريكي، ليدله على عدوه المذهبي، ومن قضى نصف عمره في سجون الاستبداد غدا يتحسّر على أيامه الحلوة لأنه ابن طائفته، ويتغزّل بما تبقى من أنظمته في ربع الساعة الأخير من حياتها، والثورة على طاغية غدت إرهاباً، والانقلاب العسكري على رئيس منتخب سُمي ثورة، ووصفة الديمقراطية المقبولة ألاّ يفوز فيها إسلامي.

أكبر من حرب عالمية، وأصغر من يوم قيامة هو ما يجري اليوم في هذا المكان الذي تشير إليه الدائرة الحمراء على الخارطة عند موقف الباص وتقول لك: أنت هنا، ونحن نشهد بداياتها، لكن لا أحد يستطيع الجزم بنهاياتها، وكل الذين يفكرون ويحللون ويكتبون ويستشرفون، يتعاملون بأدوات قديمة مع حالة جديدة، ويرون حجم الجيوش التي تقاتل وأسلحتها وعتادها، ويقدرون الغلبة للأكثر عدداً والأقوى سلاحاً، لكنهم لا يرون لا قوة الأفكار التي تقاتل، ولا مقدار تأثيرها على المعركة، ولا حجم المظلومية التي يحملها كل طرف من المشاركين فيه ويقاتل حتى الموت في معركة طاحنة أضعف أسلحتها هي الدبابات والطائرات والصواريخ وأقواها وأكثرها تأثيراً هو القهر التاريخي المزمن.

معركة اليوم هنا هي معركة الظلم الذي تعرض له كل من عاش على هذه الأرض، العربي والكردي والأمازيغي، المسلم والمسيحي، السني والشيعي والدرزي والإسماعيلي، ما ظهر منها هو رأس جبل الجليد، ومن لم يشارك فيها دوره لم يأت بعد، من السهل أن تسميها إرهاباً، وتعد العدة لمحاربته، وتنسى كل الظلم الذي شاركت في صنعه، وتخفف عن نفسك عناء الشعور بالذنب، ولكن من الصعب أن تنهيها!!

صرخة البوعزيزي كانت أكبر من احتجاج على شرطية، أو على رئيس أو على نظام، وعود الكبريت الذي أحرق به نفسه أشعل المكان بأكمله: أنت هنا..

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top