لقد عرفت الساحة الفكرية العربية بعد الانتفاضات التي شهدتها المنطقة، إحياء النقاش حول مفهوم الدولة، وهو نقاش يعرف تبايناً من حيث تحديد طبيعة الدولة وإبراز السمات الموضوعية المحددة لها في السياق العربي المعاصر. فمنهم من يرى أن الدولة في سياقها العربي المعاصر ليست سوى دولة حديثة “مستوردة” بلغة بادية، فالغرب عمل على تصدير فضائه السياسي بكل ما يحمله من تناقضات وجدل داخلي إلى المنطقة العربية. ومنهم من يرى أن الدولة العربية المعاصرة ليست سوى دولة سلطانية تستمد شرعيتها من نصوص فقه السياسة الشرعية، وهو ما ضمن بقاء الاستبداد السياسي خلال جل مراحل التاريخ العربي الإسلامي.
هذا التباين الحاصل في تحديد “ماهية” الدولة العربية المعاصرة راجع أساساً بالنسبة لي إلى وجود تصورات مسبقة مبنية على تحيزات معرفية جاهزة، تحجب على المرء إعطاء تصور منضبط للمفهوم ومنطبق على الواقع؛ فالمتحيز للحداثة يُرجع فشل الدولة إلى التراث، فيعتبرها امتداداً للدولة السلطانية التي تستمد شرعيتها من إعطاب التراث. والمتحيز للتراث والأصالة يرى الدولة العربية امتداداً للدولة الغربية الحديثة وإن سبب فشلها راجع أساساً لكونها دولة مغتربة عن بيئتها الطبيعية من جهة، وكون أنها تختزن قيم الصراع والعنف داخلها من جهة أخرى.
ولا يمكن انطلاقا من هذه التحيزات المعرفية المسبقة إعطاء تصور منضبط لمفهوم الدولة العربية المعاصرة، وذلك لما تعرفه من تركيب وتعقيد يتجاوز الأنماط النقدية الأحادية البعد المستعملة. ولذلك أدعو إلى استعمال آلية النقد المزدوج المسؤول، من أجل بناء تصور أدق للدولة العربية المعاصرة. وخاصةً أنّ الأمة العربية/ الإسلامية منذ اللحظة الكولونيالية، عرفت محاولة زراعة مركب الدولة الحديثة في المنطقة، هذا المركب الذي اصطدم بنموذج الدولة السلطانية التي عرفها التاريخ الاسلامي الوسيط، فتولد من هذا التصادم تكون مركبٍ هجين؛ عرف ولادة شوهاء وعسيرة، جامعاً بذلك مساوئ الدولة الحديثة مع مساوئ الدولة السلطانية؛ هذه الدولة التي تميزت بإعطاء الخليفة/ السلطان صلاحيات مطلقة، بلا ضابط أو رادع، محتكراً بذلك القرار في كل ما يتعلق بالمجال الديني و الدنيوي، جاعلاً من نمط سلطته غير قابلٍ للانقسام أو التوزيع؛ حيث إنها قائمة أساساً على التمركز المركّز حول الخليفة/ السلطان. صانعاً بذلك نظام استبداد متكامل، قائماً أساساً على استثمار نصوص الإمارة والطاعة والصبر من القران الكريم والسنة الشريفة، بالإضافة الى التأصيل العقدي في طاعة المتغلب، وتوظيف الإجماع لتقوية شرعية التغلب، وتوظيف القواعد الفقهية في بقاء المستبد الجائر وإعطائه نوعاً من أنواع القداسة.
غير أن الدولة السلطانية رغم كل مساوئها فهي لم تستطع بسط هيمنتها واستبدادها على الجميع؛ حيث عرف التاريخ الإسلامي الوسيط وجود مساحة دائمة واسعة تتحرك فيها الأمة بعيداً عن أي هيمنة، غير أن عملية زرع الدولة الحديثة في المنطقة العربية أثناء المرحلة الاستعمارية مدد من مساوئ الممارسة السياسية، وقلص بشكل كبير من استقلالية الأمة؛ انطلاقا من المحاولات الساعية إلى ترسيخ قواعد النظام السياسي الجديد المتوسل برفع من وتيرة التحديث التي قامت بها الأنظمة الاستعمارية في المنطقة، أو حتى تلك التي سعت إليها الأنظمة العربية قبل الاستعمار (مصر والسلطنة العثمانية نموذجا)، إلا أنها تغافلت وجود ثلاثة أمور تحول دون الانتقال التام من الدولة السلطانية الى الدولة الحديثة، أو حتى ابتكار أنماط حكم جديدة منبثقة من روح الخلافة الراشدة المتوسلة بالشورى والعدل المنتمية لحضن الأمة، وهي وجود رواسب حاضرة في الممارسة السياسية التي ترجع أصولها إلى الدولة السلطانية، وتكريس تحديث مفرغ من قيم الحداثة، وكذلك تغافل الجانب السلبي للدولة الحديثة نفسها؛ والتي ظهرت بسبب احتكاكها مع الدولة السلطانية من جهة، وبسبب اغترابها من جهة أخرى؛ حيث أن هذه الدولة “المستوردة” تسعى الى احتكار العنف “المشروع” (ماكس فيبر) وتقوم أساسا على الهيمنة (غرامتشي) وتغول الحس البيروقراطي.
وقد نلمس أثر هذه الرواسب حينما ننظر إلى العلاقة الجامعة بين الدولة السلطانية الحديثة والدين؛ حيث تعمل الدولة على توظيف الدين باستعمال أدوات التحديث السياسي، وذلك حتى تؤسس لنفسها نوعاً من أنواع الشرعية وتوسع رقعة هيمنتها واستبدادها، وهو أمر ملموس في جل الدول العربية/ الإسلامية؛ حيث إننا نجد الهيمنة البسيطة الناجمة من هذه العلاقة متجسدة أساسا حينما نرى الدولة تبسط هيمنتها على الدين انطلاقا من المؤسسات الدينية الرسمية، التي تسهر على تنزيل الدين الرسمي المؤطر للمواطن، فنجد في المملكة المغربية مثلاً وجود مؤسسة إمارة المؤمنين التي يترأسها الملك شخصياً باعتباره أميراً للمؤمنين، هذه المؤسسة المدسترة، والتي تعتبر الملك أميراً للمؤمنين ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها وهو حامي حمى الدين، والساهر على احترام الدستور، صانعاً بذلك مشروعية دينية لكل الظهائر الصادرة انطلاقا من الدستور بصفته اميراً للمؤمنين؛ وذلك لوجود لبس حاصل بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية.
هذه المؤسسة القطب هي التي تفرعت منها بقية المؤسسات الدينية الرسمية الأخرى، كل ذلك من أجل ضمان استمرار هيمنة نمط معين من الدين المتمثل أساسا بالنسبة للدولة المغربية في الإسلام السني المالكي الصوفي.
هذا ما نجده أساساً في حالات الهيمنة البسيطة الرابطة بين الدين والدولة، أما بخصوص الهيمنة المركبة فهي تقوم أساسا على وجود تنوع المشروعيات الدينية التي تنافس الدولة السلطانية الحديثة في مشروعيتها أحيانا، أو ترضخ لتوظيف الدولة لها أحيانا أخرى، أو تهيمن على الدولة نفسها في بعض الحالات الاخرى؛ هذه الجماعات أٌطلق عليها اسم “الجماعات الطائفية الوظيفية”؛ حيث يمكن اعتبار هذه الجماعات ظاهرة حديثة النشأة؛ نشأة مع ظهور الدولة السلطانية الحديثة؛ من أجل ضمان حالة من الهيمنة المركبة؛ ولذلك سعت هذه الدولة إلى احتضان تلك الجماعات الطائفية الوظيفية، وعملت على تأسيسها بمنطق السعي نحو المحاصصات السياسية الخادم لمصلحتها، فهي جماعات تعاقدية نفعية قائمة على خدمة المصلحة على حساب المبدأ أو البعد التاريخي المتجاوز، كما إنها تعمل على حوسلة (تحويلهم إلى وسيلة) الغير من أجل أن يخدموا مصلحتها وتقوم الدولة أيضا بحوسلتهم لتقضي بهم أغراضها، التي لا تستطيع القيام بها بنفسها ولذلك نجد أن هذه الجماعات تقوم على العزلة من أجل إبقاء الشعور بالطُهرانية، هذا الشعور الكفيل بتعزيز مشروعية وجودهم، وأول ما تحوسله هذه الجماعات الطائفية الوظيفية هي المرجعية الدينية التاريخية نفسها، حيث تُوظَف المرجعية الدينية لأجل خدمة مصالحها فيُستحضر النص المقدس متى احتاجت إليه ويتم إخفاؤه/ تجاوزه متى لزم الأمر ذلك.
وتقوم هذه الدولة السلطانية الحديثة باستثمار هذه الجماعات الطائفية الوظيفية من أجل أهدافها المحلية أحيانا أو الاقليمية أحيانا أخرى؛ حيث يمكن إيجاد جماعات طائفية عابرة للحدود توظفها الدولة من أجل خلق ضغط إقليمي في المنطقة (ايران نموذجاً).
ولكن هذا لا يعني هيمنة الدولة السلطانية الحديثة الدائمة على تلك الجماعات الطائفية الوظيفية؛ حيث قد يُمْسي الوضع مختلفاً تماماً، فيمكن أن نجد جماعات وظيفية طائفية تتحكم بزمام الدولة وتعرقل تقدمها وسيادتها، بل قد نجد نتائج التصارع الناشب بين هذه الجماعات الطائفية الوظيفية هي التي تحدد مسلك الدولة الحديثة (العراق نموذجاً).
وبعد هذا العرض قد نستخلص أن التحيز إلى تعريف بسيط لمفهوم الدولة في المنطقة العربية، قد يحول دون تمكننا من فهم الظواهر الشائكة التي تعرفها المنطقة كالإرهاب والطائفية والقبلية، ولذلك وجب فتح آفاق جديدة لفهم طبيعة الدولة العربية المعاصرة.