لغة الجمال

في عالمٍ موّار تملؤه الجهالة والعنف، حالكٍ تسُوده وتسَوّده دعوات الكراهية و الظلم؛ ما أحوجنا إلى لمعة ضوء تنير الحُلْكَةُ، وقبس جمال يطرد القبح، وسراج حبٍ يبدد الكراهية .

ما أحوجنا الى لغة تَخاطُبٍ غير سجالات المنطق العقلي وحجية دلائله، وغير مفاهيم السياسة ومنظوماتها الفكرية. ما أحوجنا الى لغة تنفذ إلى كياننا دون موازين العقل وجمارك المنطق. ما أحوجنا إلى لغة تخاطب أعمق ما في الوجدان وأرق ما في الكيان؛ ما أحوجنا إلى لغة الجمال.

تعرف الله إلى خلقه بصنعته وتودد إليه بنعمته وأسر قلوبه بتجليات جماله في آياته. وجعل رسالته بينهم قرآنا كريما بديعا في إحكامه معجزا في بيانه ،جميلا في جرسه وبلاغته. وجعل رسله عليهم السلام أحسن الناس وجوها وأحسنهم صوتا، وألطفهم عريكة وأفضلهم خلقا. فكانوا رسل الحب والجمال، استمال الله بهم القلوب إلى محبته ولطف بهم الطبائع العنيدة على شريعته .

ووصف نفسه سبحانه أنه جميل يحب الجمال. ويثيب على الحسن حيثما وُضع؛ خلقاً وقولا ومظهرا. وقال أنه يحب المحسنين. وأوجب الإحسان على كل شيء، وفي كل شيء.

قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: إذا حضرت الصلاة فليأذن أحسنكم صوتاً …) جعل نداء الوصال مع الله في الصلاة جمالا، وندبنا أن نأخذ زينتنا في كل صلاة وحبب إلينا الطيب حين ذكر أنه من محابه. و أحب التحبير في قراءة القرآن وقال (ليس منا من لم يتغن بالقرآن)

وجعل الشعر والشعراء من جند رسالته وقال (ما بال أقوامٍ نصروني بسيوفهم ألا ينصروني بشعرهم).
و تغنى مع الأصحاب في بناء مسجده واستقبل الانصار بالغناء في مقدمه. وقال (إذا أبردتم إلي فأبردوا الي بحسان الوجوه حسان الكُنى) و طلب الى أصحابه أن يكونوا شامة بين الناس، بمظهرهم وأخلاقهم. ومن يقرأ كتب الشمائل المحمدية يجد تجليات الجمال المحمدي في كل دقائق خلقته الشريفة وتفاصيل هيئته المنيفة. قال صلى الله عليه وسلم (ما بعث الله نبيا في قومه إلا جعله أحسنهم صورة وأحسنهم صوتا، وإن نبيكم لأحسنهم صورة وأحسنهم صوتا)

لست بمقتدر على أن أحصي لغة الجمال في دين الله والرسالة المحمدية؛ فكتب التراث ملأى زاخرة بذلك . لكن أغفلها المسلمون وتوالت على الأمة محن وفتن بعد الانكسار التاريخي بسقوط الخلافة الراشدة وتولي الملك العضوض العصبي لمقاليد الامر. شغل المسلمون بالحفاظ على بيضة الأمة و دينها. ولم يجتهدوا في تأسيس علم جمالٍ إسلامي الأس والمحتد. إلى أن انبرى إلى ذلك بعض مفكري عصرنا الحاضر، وما زال الأمر في نأنأة البدو و تلمس المعالم .

ما أحوجنا الى لغة الجمال في خطابنا الحاضر تزيل عن سماحة الإسلام ما علق به من شذوذ التصور و عنف الموقف وجهل الخلق. لغة الجمال متجلية في بيان الخطاب وجرس الشعر، رقيقة في رنة الموسيقى و نغمة الغناء، جذابة في سحر الصورة على التلفاز والسينما.

ما أحوجنا إلى فقه جمالي وتربية جمالية وجيل جمالي لبث الجمال في الأنفس والآفاق. يتصدر لذلك علماء وفقهاء ومفكرون في علوم التربية والجمال والتعليم، لتأسيس مناهج تعليمية جمالية، لصناعة جيل جمالي.

إذا كانت العقول السليمة تنقاد إلى لغة الحق إذا خوطبت بها، فإنها أكثر انقياداً إلى لغة الجمال إذا دعيت به. الجمال له سلطان قاهر على الوجدان، وتدركه القلوب بلا عناء الفكرة. ولا تملك فكرة القلوب بدون جمال و لا يدوم سلطان بدون جمال إلا أن يكون متغلبا بالعنف.

أورد مولانا جلال الدين الرومي قصة في المثنوي؛ عن فتاة من أرض الروم اعتنقت دين الاسلام، وحاول أبوها أن يخرجها منه بكل الوسائل والحيل، فلم يفلح. ومرة التقى في بعض جولاته التجارية في أرض العرب مؤذناً قبيح الصوت يؤذن في أحد المساجد، فطلب منه أن يصحبه لأرض الروم كي يؤذن لابنته في كل صلاة و أعطاه من المال ما لا يملك معه رفض عرضه. فسافر معه و صار لابنته في كل صلاة بصوته القبيح، وتحملت الفتاة الحديثة العهد بالإسلام قبح صوته مدة، وسألته مرات أهكذا نداء الصلاة في الاسلام؟ و يجيبها نعم. حتى خاطبته يوما: إن ديناً يدعى له بهذا القبح؛ لا يمكن أن يكون ديناً جميلا. فخرجت من دين الإسلام ورجعت الى دينها.

يستلهم الرومي من هذه القصة؛ أن دعوة الله لا يمكن إلا أن تكون بالحب والجمال… (ادع إلى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)

يتبع …

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top