إسمنت وموضة

الحمد لله، ما تزال العقلية العربية تثبت تمسكها بكونها صبة إسمنت واحدة لا يمكن تشكيلها، تكره المعادلات من العلم، والحرباء من الحيوانات، والزئبق من الكيماويات، تتشبه بالسيف: حاد، ذو مسار واحد، يقضي على حامله بنصله عند أي مزحة.

يتجلى ذلك -طبعا- في هوايتها المفضلة في الإفتاء والقضاء- تجاه الأشخاص خصوصا- في ترجمة مباشرة لما ينسب لإليانور روزفلت التي قسمت العقول لثلاثة مراتب أدناها ما يهتم بالأشخاص.

حسنا، لعل في ذلك أصلاً دينياً بدأ منذ فترة ليست بالقصيرة حين نشأ ما يسمى “‏علم الرجال‬”، واستغله البعض في النيل من “البعض الآخرين”، وأصلاً ثقافيا في البحث عن القدوة الخالصة والقائد الرمز والمهدي المخلص، وأصلاً شعبيا يتجلى في المقولة الباهرة: “فلان سقط من عيني”… يا عيني.

ليس من المقبول أن تكذب مرة وتصدق مرة، تخطئ وتصيب، تعجب فلانا وتعجب علانا، تؤيد وترفض، تبهرني بذكائك وبغبائك، ينبغي أن تكون خالصا كمحمد أو “خالصا” كأبي جهل، رغم أن محمداً أخطأ وعوتب، وأبا جهل كان في قومه سيداً وحكيماً.

وكما قيل ويقال، ما فعل الإعلام الجديد شيئا منذ خمس سنوات إلا أن أعطى مصدر ضوء… فقط، فأصبحت ترى النتائج أمام عينيك، حاول- يا رعاك الله- واكتب “‫فضيحة‬” وأتبعها بأي هراء، وتمتع بما لم يخطر على قلب بشر من المشاهدات من مسقط وحتى نواكشوط.

تبع ذلك منذ بداية رمضان المنصرم- على الأقل- عشق غريب للسير مع التيار، صبة واحدة نعم، لكنها تجيد السباحة… “وده قمة الإعجاز العلمي”: سأفتي، لكن وفقاً للموضة.

فخلال أسبوع، ستجدني تكلمت- آسف، أفتيت- في ‫‏الشقيري‬، و ‫‏عمرو خالد‬، وتفجيرات ‫‏داعش‬، و‫‏رامز جلال‬، و‏باريس هيلتون‬، و‏المثلية الجنسية‬، و‏زغلول النجار‬، واتفاق أمريكا وإيران، وخطف الأطفال في الأردن، وتهاني أفيخاي أدرعي.

وأستطيع- للحاق بركب الموضة أيضاً- أن أحول كل كلامي لهراء مأخوذ من عدة أشخاص، معجون بخلطة ليس بالضرورة أن تصلح للاستهلاك الآدمي، لكن يا أخي.. الموضة جزاك الله خيراً.

منشوري هذا معد منذ فترة، الـ “الستارتر” الذي أضاء “نيونه” هو مقال- ليس جديداً- مأخوذ من مجلة ‫‏سيدتي‬ منسوب لباريس هيلتون تعاير فيه العرب برامز جلال.
‬‬
اللطيف أن ناقلي المقال وسط انتشاره الأهبل والتعليقات السمجة المحيية تلك الممثلة الإنسانة نسوا إكمال قراءته حتى سطوره الأخيرة التي تقول فيها كاتبة المقال الحقيقية: “سيناريو تخيّلته وأنا أشاهد الحلقة”.

وعلى سيرة رامز جلال..
فبالنظر للمستوى الإعلامي، يمثل برنامجه تفوقا مدروسا لكيفية صناعة الترفيه، فهذا الموسم “وأكل الجو” سبقته مواسم أربعة بدأت عام 2011، تطور فيها منسوب صقل الفكرة والحبكة وتضخم فيه فريق العمل بشكل ملفت، الأمر الذي فشل فيه اثنان:

أصحاب النسخ المشوهة من البرنامج: “حعمل برنامج يحرق رامز”، وأصحاب الأطروحات البرامجية الجادة: “برنامج سخيف ومتابعوه مرضى”.

الخلاصة: فرق بين “العلم” وبين “الجعجعة”

وعلى الجانب الآخر..

جميع الشخصيات المستضافة تنتمي لشريحة مجتمعية يعتبرها أصحاب الأطروحات الجادة وبعض من شرائح المجتمع: “كائنات ساقطة”، يضرب بها المثل في السخافة وقلة الحياء والتردي الأخلاقي وينسب لها كل ما يلزم من انحطاط (علاقة ملابس جيدة)،
بالتوازي مع ذلك، يمكن دراسة ردود فعل بعض هؤلاء “المنحطين” لحظة الموت المفترضة، ستجد من أظهر ثباتا، أو إيمانا، أو ذكراً لله، أو أخلاقاً عالية، ما يعتبر- وفق الثقافة الشعبية- من علامات حسن الخاتمة- إن مات المعني طبعا- ، أو من علامات الصلاح والاحترام والأخلاق الرفيعة لدى من يشاهدهم الناس ويعتبرونهم قدوات من مصلحين ومشايخ ومفكرين وإعلاميين جادين، ما يسحبني مجدداً نحو صبة الإسمنت التي لا تقبل ذلك: “فاسق وبقرا قرآن؟”، والتي تشم فيها رائحة تزكية للنفس وترفع قميء، وكأن لا يمكن أن يكون للإنسان علاقة خاصة بربه بموازاة أخطائه الأخرى

عموماً، وفق الثقافة الشعبية الموروثة، نهاية رامز جلال ستكون ميتة شنيعة، لا أظنها أشنع مما كان خلال هذا الأسبوع الحافل

* بالمناسبة، في 2013 أقر قانون المثلية الجنسية في فرنسا، وفي 2014 في بريطانيا، لا أذكر هيجانا عربيا غير مفهوم كان حينها، لكن يا أخي.. الموضة!

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top