تنطلق من حناجرنا تلك الصرخات المعتادة، صرخات الاستغاثة بالآخرين فقط حينما يزورنا اليقين بأنهم ليسوا آخرين. حين نختار الابتعاد عن هذا لأجل ذاك وعن هذه لأجل تلك، حينها فقط تبدأ جولة المقامرة بما مضى لأجل ما هو آتٍ. نفقد السيطرة على عقلنا أمام دورة العجلة والكرة وتظل أعيننا تدور في مسارات لا نهائيّة، تتمادى قلوبنا في الخفقان أملاً في أن تصيب المقامرة وخوفاً من أن نكون قد ألقينا الماضي من أجل حاضر لعين ومستقبل مرعب.
الماضي، ذلك المعنى التراكمي الذي يزداد حجماً بمرور الوقت، تلك الخليّة المُضافة باستمرار إلى نسيج المُخ مع كُل لحظة تمُر من أعمارنا.
الماضي المزداد في الحجم، المعنى الواقعي للهويّة غير المنفصلة عن الكيان والمرادف الفعلي لما استهلكناه من وقت في أفعالٍ أدّت بنا إلى ما نحن عليه.
نعشق الماضي ونستعيده أو نلعنه، نمتَن له أو نندم عليه، كُل تلك المشاعر لا تنفي عن الماضي التصاقه بنا مدى الحياة مهما أنكرناه وتنكّرنا له.
لا أحب النوم ولا أستطيع مقاومته حين أخلد إليه، لا أحب الحزن أيضاً وأهرب منه دائماً ولكنني متّ به كثيراً من قبل. لا أحب الموت ولم أجربه ولست متشوقاً له بأي شكل من الأشكال. لست من هؤلاء الشكّائين هواة خلع ستراتهم وكشف جروحهم المندملة وغير المندملة أمام عامّة البشر.
كثيراً ما أتعمد تجنّب السير في الطرق التي لي بها ذكريات وافتها المنيّة، خاصة تلك التي تبيّن لي بعد انتهائها بأنها بُنيت على كذب أو وهمٍ ما، انزلقت إليه رغماً عنّي، ولكنني في هذا اليوم سرت في شارع “السرايا” حيث يوجد مشفى قصر العيني التعليمي القديم، بدأت في النظر والتركيز في ملامح الطلّاب الذين كنت في مكانهم يوماً ما. كم من حكاية تسير على أقدام أمامي، وكم من نظرة يختلسها أحدهم لإحداهن والعكس، كم من معانٍ تنزلق عبر أعين وأفواه هؤلاء، كل منهم يخوض تجربة جديدة خضت مثلها من قبل، يسبح في خبرات لاذعة تعيد تشكيل حياته ومشاعره.
كدت أصيح في وجه الطوفان الطلّابي الخارج من بوابات المستشفى قائلاً “لا أحد هنا يفهمكم مثلي، لا يوجد في هذا الشارع من يعلم جيداً قيمة الأيام التي تعيشونها والتي تتشدقون بلعنها كل لحظة”.
وجدتني أردد في سرّي تلك الكلمات المسنّة التي قيلت لنا من أسلافنا حينما كنا طلّاباً مثل هؤلاء، ورأيت أمامي في تلك اللحظة مشهداً يجمعني بأصدقائي خارجاً من البوّابة نفسها، أضحك بصوت عالٍ على شيء ما، ونحن نعدد الأمور المتراكمة على صدورنا وعلينا إنجازها قبل موعد الامتحان. رأيتني أختلس النظر إليها، فربما أصادف نظرة منها تحاول من خلالها اقتناص النظر لي كما أقتنص أنا أيضاً النظر لها، وجدتني أعود بعيني إلى باقي الزملاء، عائداً إليهم بخفّي حنين، متعلقٌ كل خفّ منهما بعين، فلم أجد منها نظرة واحدة ولا أثر لنظرة سابقة. أحببت إحباطي في تلك اللحظة وتمنّيت لقلبي لو ظل بهذه البراءة والبساطة والصحّة.
الإعياء النفسي الذي يصيبنا حين ننظر إلى الأماكن والأشياء المتعلقة بماضٍ أدركنا مؤخراً بأنه كان جميلاً، هو بالأساس شفاء من اعتلال يصيب الروح، مع تراكم الضغوط والتيه في دهاليز الحياة والتزاماتها المتعددة.
الفقد في حد ذاته هو أسوأ ما قد يتعرض له الإنسان، والفقد حينما نتحدث عنه فنحن نتحدث عن فقد شيء أو شخص أو أشخاص، وربما الفقد هنا نقصد به فقد طريقة حياة معيّنة، طريقة عيش وتفكير وتعامل يومي، طريقة تفاعل مع الأمور، طريقة للحب والمقت، طريقة للفرح والحزن، حتى الحزن حينما يرد ذكره في ذكرياتنا المتراكمة يكون له رونقه الخاص.
حزن هذه الأيام التي نعيشها أصبح مبتذلاً للغاية، أصبح وسيلة لجذب التعاطف ولفت الأنظار حتى أن المغالاة في التعبير عن الحزن أصبحت سمة أساسية عند الكثيرين ممن “يمارسون” الأدب، يمارسونه لا يقدّمونه فحسب.
جلسات الحنين التي أصبحت شبه يوميّة، صارت غير مرتّبة الأفكار بشكل تدريجي، حتى وصلت إلى تلك المرحلة التي أتحدث بها الآن، وأخرج من أمر لأمر دون فواصل أو مقدمات.
وجلسات الحنين التي تمارس نفسها متخذة منّا أماكن مؤهلة لتلك الممارسة، أصبحت المصدر الرئيسي لغسل الروح وتنقيتها من الشوائب، وفي الوقت ذاته أصبحت هي أيضاً عبئاً أساسياً يجلس يومياً على صدورنا، نحن الذين لم نعبر عقدنا الثالث من العمر، وأصبح لنا حنين لأيام كنا نعيشها هنا وهناك، فما بالنا إن عبرنا الستّين عاماً! في هذه الحالة يصبح “الزهايمر” أحد مظاهر رحمة الله بالعالمين، وبوجه أخص ذوي القلوب الضعيفة منهم.