كسر الروتين: الحوار الإستراتيجي بين الولايات المتحدة ومصر

في نهاية هذا الاسبوع تستقبل القاهرة وزير الخارجية الامريكي “جون كيري” في زيارة قصيرة تنعقد خلالها جولة جديدة من “الحوار الاستراتيجي” بين الولايات المتحدة ومصر.

ورغم توقيت الزيارة في موسم الاجازات الصيفية، وتأجيل موعدها، واختصارعدد أيامها، الا أنها تظل تحمل دلالة رمزية هامة. فالأرجح أن العلاقات الأمريكية-المصرية قد تجاوزت اسوأ فتراتها خلال العامين الماضيين: غياب للحوار علي المستوى الرئاسي، تجميد شحنات السلاح الامريكي لمصر، تصريحات سلبية من جانب واشنطون.

وبالمقابل اتجهت القاهرة لتنشيط علاقاتها السياسية والعسكرية بالقوى الدولية الاخري: موسكو وبكين وباريس، وعاد الحديث عن قفل قوس “الشراكة الاستراتيجية” مع واشنطن الذي استمر قرابة الأربعين عاماً.

في نهاية مارس الماضي أعلنت واشنطون استئناف معونتها العسكرية لمصر المجمدة منذ أكتوبر2013، في إشارة إلى تجاوز مرحلة حرجة في العلاقات بين الدولتين.

والآن تأتي جولة جديدة من الحوار الاستراتيجي لتشير الى تحرك العلاقات خطوة أخرى علي منحني إيجابي حذر.

كان الحوار الإستراتيجي الأمريكي المصري قد بدأ في عام 1987 في عهد ” أولبرايت” ثم اندثر ليتم احياؤه مرة أخرى عام 2006 في عهد “كوندليزا رايس”، إلا أنه مالبث أن اختفي مرة ثانية في اشارة الى عدم وضوح دور هذه الآلية في توجيه العلاقة بين الطرفين، وإن كان يبدو أنه يتم تفعليها في فترات يسعي فيها الطرفان لزيادة التفاهم فيما بينهما خاصة عند تراكم عدد من المتغيرات علي المسرح الاقليمي في الشرق الأوسط.

ويمكن تفهم العوامل التي دفعت واشنطون لمراجعة سياستها تجاه القاهرة. فمن ناحية يهم الولايات المتحدة أن تدعم عوامل الاستقرار في المنطقة في ظل العواصف التي تجتاحها منذ عام 2011: دول تتساقط، وحروب أهليه تشتعل، ومنظمات ارهابية تتمدد، وحركات انفصالية ترفع اعلامها. مقابل هذه الفوضي تسعي واشنطن لتأمين مصالحها عبر الحفاظ علي اتفاقية السلام المصرية – الاسرائيلية، وتأمين ممرات العبور عبر المنطقة، ومكافحة الارهاب والحفاظ علي مصالحها الاستراتيجية في الخليج. واشنطون ايضاً أدركت مخاطر اهتزاز دور الدول في المنطقة، ثم انها رصدت فشل تجربة الاخوان، وشعبية “السيسي”، وتحول مصر نحو الاستقرار والتنمية في وجه تحديات كبيرة وإن كانت تتمني توسيع البعد الديمقراطي لهذا التطور. وبالمقابل تركز مصر علي رفع قدراتها العسكرية وتشجيع دور واشنطون في ايجاد حل للقضية الفلسطينية والتفاهم حول عدد من القضايا الاقليمية بما في ذلك أمن الخليج والاوضاع في ليبيا وسوريا واليمن.

ويمكن القول بأن الطرفين قد تمكنا في الماضي من الحصول علي مزايا ملموسة عبر التركيز علي هذه المصالح الضيقة وعدم تعريض العلاقة لاضطراب كبير بسبب منغصات ناتجة عن رغبات اضافية (مثلاً الطلبات الامريكية بتوسيع التسهيلات العسكرية في مصر أو مشاركة مصر المباشرة في أنشطة عسكرية في دول أخرى، أو الطلبات المصرية بدور أمريكي أكثر نشاطاً في إنهاء الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية أو في مساندة مشروع إخلاء الشرق الاوسط من الأسلحة النووية).

ولاشك أن واشنطن والقاهرة قد يميلا إلى مواصلة العمل بالمعادلات القديمة التي تركز على التعاون العسكري وإدارة الأزمات الدورية بين الطرفين بحيث لا تتسبب في اضطراب كبير في علاقتهما. ولعل الوقت المتاح لاجتماعات كيري بالقاهرة لا يتسع لحوار عميق، خاصة مع انشغاله بتمرير اتفاق 5+1 مع ايران من الكونجرس وانشغال القاهرة بترتيبات افتتاح مشروع توسيع قناة السويس.

تحديات جديدة :
إذا صح هذا التوقع، فإن الحوار الاستراتيجي القادم سوف يكون فرصة ضائعة قياساً بحجم التحديات المطروحة الآن في الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن التطورات علي المسرح الإقليمي تستدعي مقاربة أكثر شمولاً من الطرفين تكسر روتين الحديث النمطي وتسعي لمعالجة التحديات المطروحة أمامهما :

• هناك ملامح لشرق أوسط جديد تحتاج الي قراءة وتحليل: دول فاشلة، فاعلين من غير الدول، تدويل لمشاكل محلية، تحالفات اقليمية معقدة، هويات فرعية تتحدي الحدود المورثة.

• الحروب الأهلية القائمة في سوريا وليبيا واليمن تحتاج إلى تفاهمات لم تتوفر في الفترة الماضية (مثلاً: اعتراض واشنطن على محاولة القاهرة لحشد التأييد الدولي لمعالجة الموقف في ليبيا في فبراير 2015 عقب قيام “داعش” بإعدام عدد من المصريين).

• توجد مجموعة من الأسئلة حول تداعيات اتفاق 5+1 مع ايران تتصل بدور طهران في الشرق الاوسط، وخاصة في مناطق النزاع في العراق وسوريا واليمن ولبنان.

• ايضاً توجد حاجة لمراجعة الترتييات الأمنية الإقليمية للبناء علي اتفاق 5+1 مع ايران، وربطه باقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط وإعادة النظر في المعادلات التي تحكم توريدات الاسلحة التقليدية للمنطقة (مثلاً العودة الي التزام الولايات المتحدة بمعادلة 3:2 في المساعدات العسكرية المقدمة لكل من مصر واسرائيل والتي تراجعت عنها واشنطن، ومعالجة اعتراضات واشنطن علي الجهود المصرية لتحريك مشروع المنطقة الخالية من الاسلحة النووية).

• مع اقتراب العام الخمسين من الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية والسورية، ومع تعطل مبادرة السلام الامريكية التي أدارها “كيري” نفسه، يطرح السؤال حول البدائل المتاحة مع نهاية مدة الرئيس أوباما وسعيه لإرضاء اسرائيل لتمرير اتفاق 1+5 مع ايران.

• مراجعة أحاديث أوباما الاخيرة عن الشرق الأوسط تشير الي تركيزه على المواجهة مع “داعش”، وهو أمر يجد تأييداً لدى القاهرة وإن كانت مصر تري ضرورة أن يتسع هذا التوجه ليشمل الحركات المتطرفة التي تستخدم الإسلام في تبرير الأعمال الأرهابية في منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة.

وهنا ايضاً يحتاج الحوار الصادق الى مراجعة مجمل الطرح الرئاسي الأمريكي الذي يركز علي الدول “السنية”، ويرصد النزاع “السني-الشيعي” في المنطقة كعنصر حاكم، ويتحدث عن الحضارة الإيرانية العظيمة وضرورة أن تصبح “قوة اقليمية” مقابل حديث عن احباط الشباب العربي وانخراط بعض مواطني الخليج في الحركات الجهادية والحاجة لإصلاح المجتمعات العربية.

ويترادف كل ذلك مع تصريح أخير لوزير الدفاع الامريكي “اشتون كارتر”بأن اسرائيل هي “حجر الاساس” لاستراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الاوسط.

مستقبل العلاقة الامريكية – المصرية :

في المدى الأبعد تبدو البدائل المتاحة لتطور العلاقة الامريكية – المصرية علي النحو التالي:

1. اتباع النموذج الباكستاني بالتركيز على العلاقة العسكرية مع الإبقاء علي مساحات من الخلاف وعدم التحديد او الوضوح حول عدد من المواقف، واتباع منهاج “ادارة الخلافات” بدلاً من توسيع حجم التوافق. ويمكن القول بأن العلاقة بين الطرفين تقترب من هذا النمط حالياً.

2. تدهور العلاقة في ظل التحول الامريكي نحو اّسيا وتراجع دور واشنطن في الشرق الأوسط لصالح أطراف اقليمية. ولا يتناقض ذلك مع الإبقاء على قدر من التعاون مع القاهرة، مع ملاحظة أن تثبيت حجم المعونات العسكرية لمصر إنما يعني -واقعياً- انخفاض قيتمها بفعل تأثير التضخم وارتفاع الأسعار.

3. نقل العلاقة الى عنصر مؤثر في صناعة مستقبل الشرق الأوسط عبر العمل المشترك على معالجة مشاكل المنطقة، وتشجيع التكامل الإقليمي، وبناء نظام جديد للأمن الإقليمي دون فرض معايير مزدوجة مع قيام مصر بطرح نموذج خلاق للتحول الديمقراطي والتنمية والإستقرار.

4. ولايمكن استبعاد سناريوهات “البجعة السوداء” عبر مفاجأت غير متوقعة كحدوث انقلاب في إحدى دول المنطقة، أو صدام عسكري بين طرف عربي وإحدى الدول الشرق أوسطية (اسرائيل، إيران، تركيا)، بما يمكن أن يؤدي إلى مزيد من التنسيق الامريكي – المصري أو -علي النقيض- إلى تعظيم الخلافات بين الطرفين.

المسرح الإقليمي يعم بمتغيرات عميقة تتطلب تحليلاً جديداً ومقاربات مبتكرة بعيداً عن الروتين والحديث المكرر. ولكن هل الوقت المتاح يسمح بذلك ؟ وقبل ذلك هل تتوفر الإرادة المطلوبة ؟

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top