التدوين في زمانٍ مضطرب

تمر الأمة العربية في هذه الأيام بظروفٍ استثنائية وأحداثٍ مفصلية تكسر الجمود على محور الزمن الذي صاحبها على مدى عقود, فبعد التخلص من مرحلة الاستعمار سعت كثير من دول العالم إلى بناء دولها ونظمها بما يتوافق مع أهداف تحررها من نير المحتلين دخلت المنطقة العربية في متاهات الاستبداد ما بين شعارات وطنية وايدلوجية وقومية إلى أن وصلنا الى مرحلتنا الراهنة, وبعيداً عن الاختلاف الكبير في تعريف المصطلحات وتبيان ماهيتها؛ ولكن الذي يبدو أنه محل اتفاق بين الجميع هي حالة “عدم اليقين” التي تنتاب كل متابع لهذا التغيير الدراماتيكي في عموم الأرض العربية, وشعور الفجأة بالحدث ثم المآل الذي وصلت إليه, وهذا يشمل الجميع فلا يصح أن تدعي جهة ما أو دولة ما في منطقتنا عدم التأثر بمجرى الأحداث سلباً أو ايجاباً.

إن الدخول في معالجة المدخلات أو توقع المخرجات للحالة العربية الراهنة يطول ويختلف بتغير الخلفيات الثقافية والدينية والايدلوجية، وربما تكفيك الإطلالة على ما يكتب في هذا السياق لتجد مظاهر ذلك الاختلاف, ولكن هذه الأجواء تضيف أعباءً على كاهل المتابع صاحب الرأي والقلم؛ إذ أن جمهور الناس حاله لا يختلف كثيراً ويشارك نخبهم حيرتهم في التفسير للأحداث الآنية أو محاولة التوقع لما هو آت في قادم الأيام ويتوقع من الكتاب وأصحاب الرأي والمدونين اجابات على تساؤلاتهم الملحة حول الحال والمآل, فقد ظن الجميع قبل عدة سنوات أننا وصلنا إلى نقطة تاريخية معروفة المعالم, وسنن تاريخية ظن العرب أنها تجري عليهم حالهم حال الشعوب الغربية والأنظمة التي لحقت ركب الحرية والانعتاق طوعاً وتأثراً بمنتجات الثورات الغربية وفي القلب منها الثورة الفرنسية ملهمة الشعوب, ولكن الأحداث جرت في عكس اتجاه أماني هذه البقعة من العالم, وانتكس المسار وخيبت الآمال, فمن كان يتوقع أن تتحول ثورات الشباب العربي وما صاحبها من تحليلات وتفسيرات إلى ما هو حادث, ربما يتساءل الناس أين ذهبت تلك التحليلات الوردية عن الحتمية التاريخية والوعي الجمعي الضامن لاستمرار ذلك الحراك ؟ وأين تأكيدات أن الثورات مرة واحدة؛ ونحن نرى كل البقاع التي ثارت بحاجة الى ثورات أخرى تعيد البريق والآمال وتسعى في طريق تحقيق طموحات وآمال الشباب المرهق لضنك العيش, وأقسى من ذلك خيبة الأمل والانتكاسة التي ألمت به بعد الأمل الكبير!

يخطئ من يظن نفسه يمتلك الحقيقة المطلقة, أو أنه يمتلك التفسير الوحيد القادر على تفسير الأحداث فالتجارب مختلفة وفلسفة التعامل مختلفة كذلك, فهل يستطيع صاحب نظرية المؤامرة أن يفسر هذا الكم من الدماء والاحتراب والاصرار والتحدي على نحو نظريته, أم يستطيع تفسير صاحب نظرية الحتمية التاريخية لماذا عادت عقارب الساعة للوراء كثيراً وقد غلظ الأيمان من قبل أنها لن تعود, لا شك أن الظروف متباينة والبيئات متفاوتة ولكن النتائج شبه متشابهة ما بين فشل التجارب أو إفشالها, حتى الآن لم يحصل شعب من تلك الشعوب على الحرية والانعتاق حتى يبدأ العيش الكريم بل تضيق صدور أصحاب الفضل في إطلاق شعلة الربيع العربي بمدى صوابية قراراتهم الشجاعة في تحريك المياه الراكدة, ومدى جهوزية الشعوب العربية وبناها الاجتماعية لكي تتخلص من ديكتاتورياتها سواء تلك التي تستحوذ على كرسي الحكم أو تلك التي تسكن نفوسهم ولمّا يقتولها بعد.

لا أقصد في تدوينتي الأولى على موقع “هافنتغتون بوست” إظهار سوداوية المشهد, فالأوضاع تتحدث عن ذاتها, ولكن لإلزام الذات للسعي نحو المعرفة والحصول على إجابات لكل ما سبق من تساؤلات وأفكار, ففي مشوار البحث العلمي حول الحراك العربي ومآلاته صادفت مشكلة في الحصول على أدبيات عالجت الواقع العربي, وينتابني الأمل في أن يشكل هذا الموقع إضافة مهمة للمحتوى العربي على الشبكة العنكبوتية تغني الباحث والقارئ والمتسائل, بعد أن يتداول الكتاب والمدونون مع جمهورهم ويقتربوا من تفسيرات واقعية يصاحبها وضع لحلول تتناسب مع ضخامة الأحداث.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top