ذات تأمل

خرجت الروح من الجسد طواعية.. فاختارت لها رحلة فريدة من نوعها.. مرت ببعض أرواح تشبهها.. نادتها.. أمسكت بأيديها.. وسافرت إلى السماء مخترقة قواعد المادة والجسد.. خفيفة بلا زاد ولا ماء ولا أثقال تربك كيانها.. حلقت للأعلى.. وعبرت السماوات الزرقاوات.. لوحت للشهب المضيئات والنيازك السابحات.. صعدت وصعدت سعيدة.. حتى اختارت مكانا في الفضاء.. ليس كأمكنة الأرض.. تربعت البراح اللامع.. واختارت إحدى النجمات البعيدات مستقراً مؤقتاً لها..

هي الآن خارج درب التبانة البهي.. وهي تناظر أروع المشاهد الممكنة.. أخذت تراقب مشدوهة حركة ذلك الجزء الصغير من الكون.. تمعنت فيه حتى نالها ضياء لامع في العيون.. ياه.. كم هو بكل معاني الدهشة فاتن! .. كل في اتساق عظيم يدور.. لا كلل ولا ملل .. بتوافق وانسجام بديع.. والأرض.. أمنا البهية كالعروس.. يتلحف يابسها الماء بحنان وفير.. محيطات تلفها بحب سعيد.. تزركش أنهارها الأرض خيوطاً بسماكات مختلفة.. فضية ساحرة!..

هنا.. لا ضجيج يسمع لها.. هي تفور سلاماً وانسجاماً وحباً وحسب .. لا إنس فيها يظهرون .. لا عروش يتمسكون بها.. لا مقاعد يلتصقون بها.. لا قتال بين الإنسيين.. لا حرب.. لا قيود.. لا أغلال.. لا غل في القلوب.. لا سجون على جدرانها رسمت حمامات سلام بيضاء!.. ونحن الأرواح المتسقات روحاً.. أدركنا كم هي متناهية الصغر أجسادنا.. وكم ضيعنا من أعمارنا أعماراً غير مدركين لآيات الجمال التي تحفنا.. كم ضعفنا وهزلنا في رحلة دوراننا مع الأرض وفي هذا الكون الرائع..

أوكنا ندور فعلاً؟ سؤال لطالما حيرني بثبات قدمي مع الجاذبية!.. أما الآن فأنا على يقين لا تشوبه شائبة بأننا ندور حتى في سكوننا الموهوم.. ندور شئنا أم أبينا.. ندور ولا نخالف سنة الكون في الدوران فنحن أبناء الأرض كلنا نباتات ودواب.. ندور فيها أحياء وأموات.. وكل من سبقونا من بداية تكوين هذا الكون لا زالوا أحياء.. فنت أجسادهم بلا شك وعادوا لأصلهم ترابا.. وأثروا التراب على مر الدوران وأصبحوا مكاناً مسخراً للأحياء..

ربما تفيأنا يوماً ظل تينة أذن لها أن تستحل بقعة تحللت فيها أجساد الأسلاف.. فخصبتها ورعت جذورها وأعانتها على الثبات.. نعم هم لا يزالون أحياء على شكل مادة مختلفة.. وشكل آخر.. وهذي التينة ستفنى يوماً.. ستتحول إلى شكل آخر بقيمة أخرى.. فهي إذاً سنة الدوران ولا بد أن ندركها بكل ما أوتينا من حكمة.

وهل تناولنا يوماً لحم طير مما نشتهي.. قد كان هنيئاً مريئاً لنا.. وما أدركنا حقيقة طعمه.. أحينما حملناه داخل القدر عرفنا قدره.. أشكرنا لحظة ذلك العظم الذي سند حياته على مرق لذيذ سيكون جزءاً من تكوين عظامنا؟.. أقدرناه حق قدره؟!!
وماذا عن تلك العشبة البرية.. خرجت من أدم الأرض تحمل صفاتها.. عطرة.. سمحة هي إذ تشفي الأسقام.. معطاءة السيقان تحمل لنا من الخير ما لا نقدر.. لا تحتاج منا سقاية بل تبحث عن ماء تغلغل في تربة صخرية.. لكنها والله تعتنق ميراث الأرض الكريمة!

عدنا إلى أجسادنا بعد رحلة الخروج منها أكثر حباً وحكمة وإدراكاً.. عدنا لندور بإرادتنا الخالصة ونصنع دوائر خاصة بنا بالمنى والهمة والحب تدور .. عدنا ونحن سعداء لأننا أيقنا بأننا أجزاء مهمة لا غنى عنها في هذا الكون الفسيج .. عدنا في موعد انقضاء العام.. هذا الموعد الذي اختاره أحدهم والذي لا يقيد الأرض بنهاية رحلتها المقدرة.. فكل يوم على الأرض هو عام جديد.. وكل تقويم موضوع بحسب رؤية البشر هو قابل للتأويل.. تحيا أجساد وتتحلل أخرى وتعود لتحيا وتحيا لأجل لا يعلمه إلا بديع السماوات والأرض.. عدنا لنكمل مع الأرض في كل دوران أياما معدودات تدور بنا وندور حول محاورنا بنسق عجيب ورثناه عن أمنا!.. فيا أرض يا أم الدائرين.. يا دارة لؤلؤية في هذا الكون الدري.. كل دوران وأنت سعيدة.. كل دوران وكل أبنائك لصفاتك الكريمة وارثون!

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top